طوى مجلس الوزراء اليوم الجمعة صفحة مناقشة مشروع قانون الفجوة الماليّة، وأقرّه قبل نهاية العام، كما وعد سابقاً رئيس الحكومة نوّاف سلام. وإذا وقّع رئيس الجمهوريّة جوزاف عون مرسوم مشروع القانون، ولم يعده إلى مجلس الوزراء خلال 15 يوماً، فمن المرتقب أن يُحال المشروع إلى البرلمان، لتبدأ فصول النقاش داخل لجنة المال والموازنة. وهناك، سيشهد الملف سجالاتٍ لا تقل حدّة عن تلك التي شهدها مجلس الوزراء خلال الفترة الماضية.
في هذا المقال، تلخّص "المدن" أهم التعديلات التي طرأت على مشروع القانون، منذ إحالته إلى مجلس الوزراء، وخصوصاً تلك التي يمكن أن تمس حقوق المودعين واحتياطات الذهب وآليّات المحاسبة والمساءلة عند إعادة هيكلة القطاع المصرفي.
مصير احتياطات الذهب
كما هو معلوم، يفرض مشروع قانون الفجوة الماليّة تسديد كل وديعة لغاية مئة ألف دولار أميركي، خلال أربع سنوات، ومن دون أي اقتطاع (ويشمل سداد هذا السقف الفوائد والودائع الناتجة عن تحويل من الليرة إلى الدولار بالسعر الرسمي). وفرض القانون تمويل 60% من السحوبات -كحد أقصى- من مصرف لبنان، في مقابل تسديد النسبة المتبقية من قبل المصارف. وبهذا المعنى، سيحتاج المصرفيون إلى إعادة رسملة مصارفهم، للتمكّن من تسديد هذه النسبة من السحوبات.
رفضت جمعيّة المصارف تحميل أصحاب المصارف كلفة إعادة الرسملة، بهذا الشكل. وفي المقابل، طلبت في بيانٍ رسمي تصفية "ما لا يقل عن 10 مليارات دولار" من موجودات مصرف لبنان، وتحديداً لتخفيض الكلفة التي سيتحمّلها أصحاب المصارف. وبالفعل، خاض اللوبي المصرفي، طوال الأيّام الماضية، معركة تفخيخ القانون، وتحميله مواد تكفل تصفية أجزاء من احتياطات الذهب.
لم تسر الرياح كما اشتهى أصحاب المصارف. منذ الأساس، لم يفرض القانون تصفية احتياطات الذهب، بل نص على إمكانيّة الاستفادة من عائداتها، أو قيمتها "في حال تصفيتها". وبطبيعة الحال، لم يُعدّل هذا النص مضمون القانون 1986/42، الذي يمنع استعمال الذهب إلا بعد موافقة المجلس النيابي. وهذا ما يحصّن احتياطات الذهب، ويحميها من أي محاولة لتوريطها في هندسات أو مشتقات ماليّة غامضة ومشبوهة، تحت عنوان "استثمارها".
خلال المناقشات في مجلس الوزراء، تم تعديل نص مشروع القانون، لتضمينه المزيد من خطوط الدفاع، التي تحمي احتياطات الذهب. فالصيغة الأخيرة، التي تم إقرارها اليوم، تعيد التأكيد على مضمون القانون 1986/42، وهو ما يمنع أي تفسير مغلوط لمشروع قانون الفجوة، بشكلٍ يسمح بالمغامرة باحتياطات الذهب، أو بتبديدها.
التأكيد على التدقيق الجنائي والمحاسبي
نصّ مشروع القانون، وفق صيغته الأولى، على إجراء تقييم لجودة أصول المصارف، بما يسمح بتقدير انكشاف كلٍّ منها على الخسائر الناتجة عن عمليّاتها مع مصرف لبنان. كما يفترض أن يأخذ هذا التقييم بعين الاعتبار تأثّر كل مصرف بالمطالبات "غير المنتظمة"، أي الالتزامات الناتجة عن فوائد وأرباح في مرحلة الهندسات الماليّة، أو تحويلات استنسابيّة من الليرة إلى الدولار بالسعر الرسمي خلال الأزمة. وفي النتيجة، يفترض أن يخضع كل مصرف لإعادة رسملة، بعد قياس حجم هذه الخسائر، وبحسب تراتبيّة الحقوق والمطالب التي تحمّل المصرفيين الشريحة الأولى من الخسائر.
بعد إحالة المشروع إلى الحكومة، خرجت انتقادات تصوّب على عدم تضمين هذا المسار مبدأ التدقيق الجنائي، الذي يفترض أن يكشف بشكلٍ أعمق أسباب الخسائر المتراكمة في مصرف لبنان، بما في ذلك تلك المرتبطة بعمليّات غير مشروعة أو غير قانونيّة. كما تم التساؤل عن سبب عدم ذكر التدقيق المحاسبي المفصّل، في ميزانيّات المصارف التجاريّة، لكشف حاجات إعادة الرسملة بشكلٍ أدق.
وعلى هذا الأساس، تم تضمين الصيغة الأخيرة لمشروع قانون الفجوة الماليّة عبارات تعيد التأكيد على ضرورة استكمال مسار التدقيق الجنائي في ميزانيّات مصرف لبنان، كما تفرض القيام بتدقيق محاسبي في ميزانيّات المصارف التجاريّة.
حقوق المودعين
في الصيغة الأخيرة لمشروع القانون، تمّت إضافة عبارات تضمن للمودع حداً أدنى من السحوبات الشهريّة، بقيمة 1500 دولار أميركي. مع الإشارة إلى أنّ الصيغة الأساسيّة كانت تنص على تسديد كل وديعة لغاية مئة ألف دولار أميركي خلال أربع سنوات، من دون تحديد حد أدنى شهري ثابت. وبذلك، يكون التعديل قد ضمن عدم التسويف في عمليّة السداد.
أمّا في ما يتعلّق بالتدقيق بالأموال المهرّبة إلى الخارج، فتمت توسعة الفئات التي سيشملها هذا الإجراء، لتشمل الوزراء وحاكم مصرف لبنان ونوابه، والمديرين الرئيسيين في مصرف لبنان، بالإضافة إلى رئيس وأعضاء لجنة الرقابة على المصارف وأعضاء المجلس المركزي. وعلى هذا الأساس، سيكون على هذه الفئات تحمّل غرامة بنسبة 30% من إجمالي الأموال المهرّبة، أو إعادة هذه الأموال إلى النظام المصرفي.
أمّا في ما يتعلّق بكبار المودعين، فسينالون أوّل مئة ألف دولار خلال أربع سنوات، كحال أصحاب الودائع الصغيرة. وبعد هذه المرحلة، سيُباشرون فوراً الاستفادة من دفعات لتقسيط القيمة المتبقية من ودائعهم، على أن تستحق كامل المبالغ المتبقية بموجب سندات يتراوح أجلها بين 10 و20 سنة، بحسب حجم الوديعة.
