مساء الثلاثاء الماضي، وبمجرّد انتهاء جلسة مجلس الوزراء المُخصّصة لمناقشة مشروع قانون الفجوة الماليّة، أصدر حاكم المصرف المركزي كريم سعيد بياناً لتحديد موقفه من مشروع القانون. لم يحمل البيان انقلاباً صريحاً على مشروع القانون قيد النقاش، ولم يوحِ بأنّ الحاكم قرّر سحب يده، كما كان يخشى البعض. لكنّه أعاد تحديد الأولويّات التي يحملها الحاكم، في إطار التفاوض الجاري لـ "إدخال التحسينات والتحصينات اللازمة" على النصّ، بحسب مضمون البيان نفسه. البيان إذاً، خطوة للضغط باتجاه معيّن، قبل استكمال مناقشة وإقرار مشروع القانون.
البيان تطرّق بشكلٍ واضح إلى النقاش الدائر حول المادّة الرابعة من مشروع القانون، وهي المادّة التي ستحدّد آليّات قياس الفجوة الماليّة في مصرف لبنان، وقدر الخسائر التي سيتحملها المصرفيون في المستقبل، ومصير "رأسمال" أصحاب المصارف، أي حصصهم، و"حقوقهم" في مؤسّساتهم. وكما بات واضحاً، موقف كريم سعيد هنا يناقض جذريًا موقف صندوق النقد وملاحظاته. هذا التناقض لم يُحسم بعد. ونتيجته ستحدّد شكل النظام المالي اللبناني في المستقبل، كما ستؤثّر بشكلٍ مباشر على القدر المضمون من حقوق المودعين.
في هذا المقال، ستحاول "المدن" تبسيط المصطلحات والإجراءات قيد النقاش، وصولاً للإجابة على أربع أسئلة: ماذا يريد كريم سعيد؟ وكيف يريد صندوق النقد -في المقابل- عمليّة إعادة الهيكلة؟ وماذا تقول صيغة مشروع القانون حالياً؟ وكيف ستؤثّر نتيجة هذا السجال على شكل القطاع المصرفي ومصالح المودعين؟
ماذا يريد صندوق النقد؟
عند تناول موقف الصندوق، لا حاجة للتكهّن أو التحليل، بعدما حصلت "المدن" سابقاً على ورقة الملاحظات الكاملة التي قدّمها فريق الصندوق في لبنان، على إحدى المسودّات السابقة لمشروع قانون الفجوة الماليّة.
التراتبيّة التي يطالب بها الصندوق واضحة جداً، فهي تشمل:
أولاً، البدء بتدقيق في مصرف لبنان لتحديد حجم الفجوة الموجودة، أي كميّة الخسائر التي تراكمت في الميزانيّة، والتي أدّت إلى تآكل السيولة والملاءة فيه.
ثانياً، على المصارف الاعتراف بالخسائر التي طرأت نتيجة توظيفاتها لدى مصرف لبنان، وعلى المساهمين في المصارف أن يتحمّلوا أوّل شريحة من هذه الخسائر. بهذا المعنى، على المساهمين أن يخسروا كامل حصصهم في مؤسّساتهم، قبل أن يتحمّل المودع أي خسائر.
ثالثاً، فقط بعد أن يتم استنفاد قدرة المساهمات على تحمّل الخسائر، يمكن الانتقال لاحقاً إلى تخفيض الالتزامات للمودعين، بعد لحظ الأصول "غير المنتظمة" بحسب تعريفات القانون، أي على سبيل المثال: الأموال المحوّلة من ليرة إلى دولار بعد الأزمة بسعر الصرف الرسمي، أو الأموال المهربة إلى الخارج، أو الفوائد، وغيرها من الإجراءات التي تخفّض من حجم الودائع.
بطبيعة الحال، تطرّقت ورقة ملاحظات الصندوق إلى بعض التفاصيل التقنيّة الأخرى، مثل ضرورة تحديد مفهوم الأصول غير المنتظمة بشكلٍ أوضح وأدق، أو ضرورة اعتماد مبدأ ضمان مبلغ من كل حساب في كل مصرف، بدل ضمان مبلغ من إجمالي ودائع الفرد في المصارف. لكنّ الخطوات الثلاث التي أشرنا إليها، هي ما يعنينا في سياق تفنيد الخلاف حول مستقبل رأسمال المصارف.
بعد شطب رأسمال المصرف، لتحمّل أوّل شريحة من الخسائر، يمكن عندها إجراء عمليّة "إعادة الرسملة". وهذه العمليّة تجري عبر استقدام سيولة جديدة، إما من المساهمين الحاليين أو من مساهمين جدد، أو عبر تحويل طوعي لبعض الودائع إلى مساهمات في المصارف. هذه العمليّة، من لحظة شطب الرأسمال إلى مرحلة إعادة الرسملة، هي ما يجسّد تحمّل المساهمين لنصيبهم من الخسائر.
يمارس اللوبي المصرفي تضليلاً في المصطلحات، عند مناقشة هذه النقطة. فهو يخلط ما بين الرأسمال من جهة، وموجودات المصارف من جهة أخرى، للإيحاء بأن "تصفير الرساميل" يعني تدمير المصارف وتهشيمها، وتجريدها من الأصول الممكن استخدامها في سداد الودائع. وهذا غير صحيح طبعاً، لأن "الرأسمال" لا يندرج ضمن خانات الموجودات. بل على العكس، من الناحية المحاسبيّة البحتة، الرساميل هي "حقوق" أصحاب المصارف في مؤسّساتهم، وهي تقف إلى جهة المطلوبات كحال التزامات المصرف للمودعين وسائر الدائنين. وشطب هذه "الحقوق"، ثم إجراء إعادة الرسملة، يساهم في تعويم المصارف بالسيولة، لا العكس.
ماذا يريد كريم سعيد؟
ما يريده الحاكم، يقف على النقيض التام. فكما كان واضحاً من مفاوضات صياغة مشروع القانون، ثم من البيان نفسه، يطلب سعيد التدرّج على النحو التالي:
أولاً، تنقية الميزانيّات من "المطالبات غير النظاميّة"، أي تخفيض الالتزامات المتوجبة للمودعين.
وثانياً، بعد تخفيض الالتزامات، يمكن عندها توزيع المسؤوليّات بين المصارف ومصرف لبنان والدولة. وفي هذه المرحلة فقط، يتم اعتماد تراتبيّة توزيع الخسائر، ما يحمّل المساهمين مسؤوليّة امتصاص حصّتهم من الخسائر.
يتحفّظ صندوق النقد على هذه المقاربة، لكونها تحمّل المودعين حصّة من الخسائر، قبل استنفاد قدرة أصحاب المصرف على تحمّل هذه الخسائر. كما أنها تسمح، نظرياً، باحتفاظ المصرفيين برأسمال إيجابي، بعد أن يتم تنظيف الميزانيّات من الالتزامات. بل وفي هذه الحالة، يكون المصرفيون قد زادوا قيمة رأسمالهم النهائي، على حساب المودع، بفعل تخفيض حجم الالتزامات للمودعين!
بالتأكيد، للصندوق اعتباراته التقنيّة هنا، وهو لا ينطلق من حسابات إيديولوجيّة (الصندوق ليس يساريًا، ولا يناهض "رؤوس الأموال"، بالتأكيد). بالنسبة للصندوق، لا يمكن تثبيت سابقة تتجاوز مبدأ "تراتبيّة الحقوق والمطالب"، أي التدرّج في توزيع الخسائر بداية من أصحاب الأسهم في المرحلة الأولى. وهو يعمل بحسب معايير دوليّة، يحرص على اعتمادها كمرجعيّة لجميع برامجه.
ماذا يقول مشروع القانون؟
الصياغة الحاليّة لمشروع القانون، حمّالة أوجه إلى حدٍ ما. فهي تنص على الاعتراف بالخسائر على أساس مبدأين: (أ) الالتزامات المتبادلة المسجلة بين المصارف ومصرف لبنان، و(ب) حجم ونوعيّة المطالبات غير المنتظمة، التي ستسمح بتخفيض حجم الودائع الإجمالي وفق معايير معيّنة. والقانون ينص على اعتماد تراتبية الحقوق والمطالب، المحددة في قانون إصلاح أوضاع المصارف.
بهذا المعنى، يمكن فهم النص الحالي لمشروع القانون وفق معايير صندوق النقد، وخصوصاً إذا اعتبرنا أنّ (أ) و(ب) يعبّران عن تراتبيّة زمنيّة إجرائيّة، وأنّ الإحالة إلى تراتبيّة الحقوق والمطالب ستعني اعتمادها أيضاً في هذا التدرّج. لكنّ من جهة أخرى، يمكن للحاكم لاحقاً أن يلجأ إلى تفسير نقيض لهذا الجانب من القانون، وأن يعتبر أنّ من حقه تحديد التدرّج الزمني بحسب فهمه الخاص لآليّات توزيع الخسائر، وأن ينفّذ (ب)، أي تخفيض حجم الودائع، قبل (أ)، أي الاعتراف بخسائر المصرفيين المُحققة وشطب رأسمالهم. ونص بيان الحاكم، يعيد التأكيد على هذا الالتباس!
لهذا السبب، من المّرجّح أن يحتاج هذا الجانب من القانون إلى تعديلات مستقبليّة، إمّا تحت قبّة البرلمان بعد إقرار مشروع القانون في مجلس الوزراء، أو عبر مشروع قانون جديد في مجلس الوزراء لاحقاً. ومن المرجّح أيضاً أن لا يكتفي صندوق النقد بهذه الصياغة، وأن يطلب المزيد من الإيضاحات، وخصوصاً بعد بيان الحاكم الذي أكّد أنّ هناك نيّة لتنفيذ القانون بصورة مغايرة لما يطلب صندوق النقد.
في كل الحالات، وفي مقابل شد الحبال بين الصندوق والحاكم، ثمّة من يطلب ما هو أكثر تطرّفاً. جمعيّة المصارف، ما زالت حتّى هذه اللحظة ترفض حتّى الموجبات المُحدّدة للمصرفيين بحسب مشروع القانون الحالي، والتي تتركّز على تأمين 40% من كلفة تسديد الودائع تحت الـ 100 ألف دولار، وضمان 20% من السندات الطويلة الأجل. الجمعيّة ترفض مبدأ تراتبيّة الحقوق والمطالب، سواء قبل أو بعد تنقية الميزانيّات من الأصول غير المنتظمة، وهي تطالب بتصفية جزء من احتياطات الذهب لتقليص العبء المُلقى على المصرفيين.
أي إعادة هيكلة نريد؟
أهميّة هذا السجال، لا تكمن في الجانب الأخلاقي أو المعنوي، بل في نتائجه الملموسة. كل تخفيض في الكلفة التي سيتحملها المصرفيون، ستعني تخفيضاً موازياً في قدر الملاءة والسيولة التي ستتبقى في النظام المصرفي بعد إعادة الهيكلة. وتثبيت معادلة تتجاوز تراتبيّة الخسائر، ستكرّس مبدأ التهرّب من المسؤوليّة، التي يفترض أن يتحمّلها أصحاب القرار في النظام المالي. أمّا الأهم، فهو أن التعنّت مستقبلاً، قد يطيح بالاتفاق مع صندوق النقد.
في كل الحالات، يمكن القول إن النقاش حول آليّات توزيع الخسائر سيمتد لفترة طويلة. فمشروع القانون الحالي ليس سوى الإطار العام الذي تم تحديده، والذي سيخضع لتعديلات أو إيضاحات عدّة، إما عبر تعديله أو عبر تشريعات أخرى أكثر تفصيلاً.
