يعود ملف العملة السورية إلى واجهة الجدل الاقتصادي في سوريا، مع صدور تعميم رسمي من محافظة إدلب يلزم جميع المؤسسات الحكومية والخاصة بالتعامل حصرياً بالليرة السورية، بعد سنوات من هيمنة الليرة التركية على الأسواق في شمال غرب البلاد.
ويأتي القرار في لحظة سياسية واقتصادية حساسة، تترافق مع حديث رسمي عن إصدار عملة سورية جديدة، ما يفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية: هل يشكل هذا الإجراء خطوة فعلية نحو توحيد العملة الوطنية وتعزيز الاستقرار الاقتصادي؟ أم أنه يحمل مخاطر إضافية قد تفاقم الأعباء المعيشية على السكان في المدى القصير؟
التعامل حصرياً بالليرة السورية
أصدرت محافظة إدلب تعميماً رسمياً يلزم جميع المديريات والمؤسسات الحكومية والخاصة، بما فيها المعامل والأفران والمصارف ومكاتب الصرافة ومجالس الوحدات الإدارية، بالتعامل حصرياً بالليرة السورية في كافة المعاملات المالية.
ويمتد القرار إلى محطات الوقود والأفران، بهدف تسهيل الوضع المعيشي للمواطنين، كما يفرض على مكاتب الصرافة عرض أسعار صرف الليرة السورية مقابل العملات الأجنبية بشكل واضح.
يأتي هذا التعميم في ظل استعدادات وطنية لإصدار عملة سورية جديدة خلال الأشهر المقبلة، مع استمرار سيطرة الليرة التركية على التعاملات في شمال غرب سوريا منذ 2020، بعد حظر سابق لليرة السورية، ثم عودتها المحدودة عقب التغييرات السياسية الأخيرة عقب سقوط نظام الأسد في كانون الأول 2024.
وقد أكد مصدر مسؤول في وزارة الاقتصاد السورية في تصريح خاص لـ"المدن" أن قرار إلزام محافظة إدلب بالتعامل حصرياً بالليرة السورية، الصادر يوم 15 كانون الأول 2025، يمثل خطوة حاسمة نحو توحيد العملة الوطنية وتعزيز الاستقرار الاقتصادي في جميع أنحاء البلاد.
ووفقاً للمصدر، يأتي هذا التعميم في سياق الاستعدادات الوطنية لإصدار عملة سورية جديدة خلال الأشهر المقبلة، بعد سنوات من سيطرة الليرة التركية على التعاملات في شمال غرب سوريا منذ 2020، والتي أدت إلى تشوهات اقتصادية ومعيشية للسكان.
وأوضح المصدر أن القرار يشمل جميع المديريات الحكومية والخاصة، بهدف تسهيل الحياة اليومية للمواطنين وتوحيد الأسعار والمعاملات. "هذا الإجراء ليس مجرد إلزام إداري، بل هو جزء من استراتيجية شاملة لإعادة بناء الاقتصاد السوري الموحد، بعد التغييرات السياسية الإيجابية عقب سقوط نظام الأسد في كانون الأول 2024. إنه يمهد الطريق لتوحيد العملة الوطنية، مما سيقلل من التضخم، يعزز الثقة في الاقتصاد، ويحفز الاستثمارات المحلية والدولية".
توحيد العملة مفتاحاً لإعادة إعمار
وبشأن احتمال مواجهة مقاومة شعبية أو اقتصادية، أشار المصدر إلى أن أي تحديات محتملة ستكون مؤقتة، ناتجة عن عادات التعامل السابقة بالليرة التركية، لكن الحكومة ملتزمة بتوفير آليات دعم انتقالية، مثل تسهيل صرف العملات الأجنبية بشفافية وتقديم حوافز للتجار والمؤسسات. "المواطنون في إدلب، كغيرهم في سوريا، يتوقون إلى استقرار اقتصادي حقيقي، وهذا القرار يخدم مصالحهم المباشرة من خلال خفض التكاليف وتعزيز السيادة الاقتصادية.
وتابع "نحن نتابع التأثيرات على الأسواق المحلية عن كثب، ونتوقع انخفاضاً تدريجياً في الأسعار مع انتشار الليرة السورية".
وختم المصدر بالقول إن توحيد العملة سيكون مفتاحاً لإعادة إعمار سوريا، مع التركيز على الشراكات الدولية لدعم الاقتصاد الجديد، مشدداً على أن هذه الخطوة تعكس التزام الحكومة بمستقبل مزدهر لجميع السوريين.
فوضى تعدد العملات
ووفقاً لخبراء اقتصاديين، فإن القرار يهدف إلى تعزيز الاستقرار الاقتصادي وتوحيد العملة الوطنية، وسط ترقب لتأثيراته على الأسواق المحلية والحياة اليومية للسكان.
وفي حديث لـ"المدن" قال الباحث الاقتصادي عبد العظيم المغربل "إن إلزام التعامل بالليرة السورية في إدلب يمثل خطوة تنظيمية مهمة حان وقتها، لتقليل فوضى تعدد العملات في المنطقة وتوحيد التسعير والسجلات والرسوم.
وأضاف أن هذا الإجراء يأتي خاصة مع الحديث عن سحب الليرة التركية تدريجياً من السوق، لكنه سيستغرق وقتاً حتى تنتهي أي اتفاقيات أو سلاسل توريد مرتبطة بالليرة التركية وتنسحب من المنطقة، وريثما يندمج الاقتصاد في إدلب بشكل أعمق ضمن منظومة الاقتصاد السوري في مرحلة لاحقة.
وأكد المغربل أن القرار قادر على استعادة جزء ملموس من الثقة بالليرة السورية، لأنه يخلق طلباً إلزامياً عليها ويعيد توحيد التسعير والفواتير والأجور، ما يقلص كلفة تعدد العملات. ومع توفر السيولة وتثبيت قواعد واضحة للصرافة والرقابة، ومع طرح العملة الجديدة، سيبدأ التاجر والمستهلك بالتأقلم مع الليرة السورية، فتزداد سرعة تداولها.
وأشار إلى أن ذاكرة تراجع قيمة الليرة موجودة بالفعل، لكنها لا تمنع الفاعلية إذا ترافقت الخطوة مع استقرار نسبي في السعر وكبح المضاربات، حيث تتحول الثقة عندها من قناعة إلى سلوك سوقي حقيقي.وحذر الباحث من أن ترقب عملة جديدة يرفع حالة عدم اليقين في السوق، إذ قد يؤجل المستهلك الشراء أو يحول مدخراته إلى عملات صعبة، بينما يوسع التاجر هامش الأمان تحسباً لتبدل التسعير وآليات الاستبدال. وفي هذه المرحلة، تظهر تقلبات قصيرة الأمد مثل إعادة التسعير المتكرر، والزيادات الاحترازية، والارتباك في الأسعار.
ولفت المغربل إلى أن المفتاح يكمن في تعزيز التواصل الرسمي، فطالما أن البنك المركزي يؤكد عدم وجود موعد رسمي محدد حتى الآن، فإن إعلان جدول واضح وقواعد استبدال صارمة هو ما يهدئ السوق ويكبح موجة الشائعات.
الليرة التركية
على أرض الواقع فإن مؤسسات اعتادت على التعامل بالليرة التركية، وبحسب محمد أبو عطا، وهو صراف يعمل في سوق إدلب الرئيسي منذ أكثر من 15 عاماً "كنا نتعامل بالليرة التركية منذ 2020، وأصبحت جزءاً من حياتنا اليومية، لأنها أكثر استقراراً مقارنة بالليرة السورية القديمة التي انهارت قيمتها".
وأضاف في حديث لـ"المدن": الآن، مع التعميم الجديد الذي يلزم الجميع بالليرة السورية، نشعر ببعض الارتباك في البداية، خاصة أن معظم المدخرات والتجارة مع تركيا بالليرة التركية".
وتابع "بدأنا نرى زيادة في الطلب على صرف الليرة التركية إلى السورية، ونعرض الأسعار بوضوح كما طُلب منا.القرار جيد لتوحيد السوق، لكنه يحتاج وقتاً للتأقلم، فالناس يخشون تقلبات السعر مع العملة الجديدة المرتقبة".
ورأى أنه "إذا توفرت سيولة كافية من الليرة السورية واستقر سعر الصرف حول 11-12 ألفاً للدولار، سيعتاد الجميع تدريجياً، وسيقلل من الفوضى في التسعير بين المناطق. أما المقاومة، فهي موجودة لدى بعض التجار الكبار المرتبطين بالحدود، لكن مع الحوافز والرقابة، ستكون مؤقتة.
بالمحصلة، فإن توحيد العملة يأتي في إطار السيادة الوطنية، وهي خطوة إيجابية نحو اقتصاد موحد، شرط دعم قوي للانتقال من عملة إلى أخرى تجنّباً للارتفاع المفاجئ في الأسعار أو نقص السيولة.
