في قاعة تعج برجال الأعمال والمستثمرين اللبنانيين، وبحضور رؤساء الهيئات الاقتصادية والغرف التجارية، وقف رئيس مجلس الوزراء المصري مصطفى مدبولي ليُعلن رسالة واضحة: "مصر تنظر إلى لبنان ليس فقط كشريك سياسي، بل كشريك اقتصادي محوري واستراتيجي".
لم تكن كلمات رئيس الوزراء مجرد خطاب دبلوماسي روتيني، بل كانت إعلاناً عن مرحلة جديدة في العلاقات بين البلدين، تأتي في وقت حرج يمر به لبنان، وتأتي أيضاً كتتويج لمسار دبلوماسي اقتصادي بدأ يستعيد أنفاسه بعد صمت طويل.
لقاء لبناني مصري
عُقد لقاء العمل الاقتصادي اليوم في العاصمة اللبنانية بيروت تحت عنوان "حول آفاق التعاون الاقتصادي والتجاري بين مصر ولبنان" في جو يختلف عن أي لقاء سابق. فالحضور المصري لم يأتِ فقط لبحث فرص الاستثمار، بل جاء حاملاً تجربة إصلاحية عاشتها مصر خلال السنوات الماضية، ومستعداً لمشاركتها مع الجارة الشقيقة التي تجتاز واحدة من أصعب المراحل في تاريخها الحديث.
وقال مدبولي: "لبنان يمر اليوم بمرحلة دقيقة، مليئة بالتحديات، لكنها في الوقت ذاته تحمل فرصاً حقيقية لإعادة البناء على أسس أكثر صلابة واستدامة". هذه الرؤية الواقعية المتفائلة شكلت روح اللقاء، الذي لم يرَ في الأزمة اللبنانية نهاية، بل رأى فيها بداية لإعادة تأسيس.
خلفية هذا اللقاء كانت حافلة، فقبل أشهر فقط، وتحديداً في تشرين الثاني الماضي، شهدت العلاقات الثنائية دفقة كبيرة بتوقيع 15 اتفاقية ومذكرة تفاهم بين البلدين، غطت مجالات الطاقة والتجارة والاستثمار والأمن الغذائي والتعليم والصحة والزراعة والتكنولوجيا.
أهمية هذه الاتفاقيات لم تأتِ فقط من تنوعها، بل من كونها جاءت خلال اجتماع اللجنة العليا المصرية-اللبنانية المشتركة، بعد توقف دام ستة أعوام كاملة. ست سنوات من الفراغ الاقتصادي في لبنان، تزامنت مع أزمات متراكمة، أدت إلى تجميد العديد من الاتفاقيات السابقة ودفعت بالعلاقات الثنائية إلى مرحلة من الجمود.
اليوم، يبدو أن القيادة في البلدين عازمة على كسر هذا الجمود، فالاتفاقيات التي وُقّعت، رغم أن بعضها يعود إلى فترات سابقة، إلا أنها تكتسب أهمية جديدة في سياق مرحلة إعادة الإعمار التي يحتاجها لبنان.
الممر التجاري بين البلدين
اتفاقيات التبادل التجاري وإعفاءات الرسوم الجمركية وتسهيلات الترانزيت، كلها تهدف إلى إعادة الحياة إلى الممر التجاري التاريخي بين البلدين. اتفاقيات الطاقة وخاصة تلك المتعلقة بتصدير الغاز الطبيعي، تأتي كخيط أمل في قطاع يعاني منه اللبنانيون بشكل يومي. ومذكرات التفاهم في مجالات الزراعة والنقل البحري والطيران المدني، تفتح أبواباً للتعاون التقني وتبادل الخبرات.
في هذا الإطار، يمكن فهم التأكيد المصري على دور القطاع الخاص. فخطاب مدبولي لم يوجه فقط إلى الحكومة اللبنانية، بل خاطب بشكل مباشر رجال الأعمال والمستثمرين، قائلاً: "إننا نؤمن بأن العلاقات بين الدول تُبنى وتُصان عندما يكون للقطاع الخاص دور فاعل في صياغة مستقبلها". هذه الرؤية تتجاوز النموذج التقليدي للتعاون الحكومي، لتدخل في شراكة ثلاثية الأبعاد: حكومة مصرية منفتحة، وحكومة لبنانية بحاجة إلى شركاء، وقطاع خاص في البلدين يبحث عن فرص في ظل تحديات اقتصادية عالمية وإقليمية.
إعادة الإعمار والطاقة
أحد المحاور المركزية التي ركز عليها اللقاء كان موضوع إعادة الإعمار، خاصة في الجنوب اللبناني. فالحاجات الملحة في قطاعات البنية التحتية والكهرباء والمياه والطرق والاتصالات، تجد في الشركات المصرية، بحسب ما أعلن مدبولي، شريكاً يمتلك خبرات عملية واسعة في تنفيذ مشروعات كبرى في مختلف المجالات، لكن العرض المصري تجاوز فكرة المقاولات والتنفيذ، إلى مفهوم الشراكة طويلة الأمد القائمة على نقل الخبرة وتدريب الكوادر والاستثمار المشترك. هذا النهج يخلق قيمة مضافة حقيقية للطرفين، ويمنع علاقة "مقاول-عميل" لصالح شراكة استراتيجية متوازنة.
في قطاع الطاقة، تقدم مصر نفسها كشريك مثالي. خبرتها في مشروعات الكهرباء التقليدية وفي التوسع في الطاقة الجديدة والمتجددة، يمكن أن تكون منقذاً للقطاع اللبناني المتعثر. تقديم الدعم التقني والاستشارات وربما المشروعات المشتركة، يمكن أن يخفف الأعباء عن الدولة والمواطنين ويدعم الاستقرار الاقتصادي الذي هو أساس أي تعاف.
لكن التحديات تظل قائمة، فنجاح أي مسار اقتصادي، كما أشار مدبولي، يتطلب بيئة أعمال مستقرة، وإطاراً تنظيمياً واضحاً، وثقة متبادلة بين الدولة والقطاع الخاص. هنا يبرز دور الهيئات الاقتصادية اللبنانية التي أشاد بها رئيس الوزراء المصري، والتي تمثل حلقة الوصل الأساسية بين القطاع الخاص والحكومة، وتسعى للإصلاحات التي تضمن استدامة الاقتصاد اللبناني.
مصر لن تترك لبنان
يمثل لقاء بيروت أكثر من مجرد حدث اقتصادي عابر، فهو يأتي كتتويج لمسار دبلوماسي بدأ يستعيد عافيته، وكبداية لمرحلة جديدة من التعاون العملي بين البلدين. الرسالة المصرية كانت واضحة: مصر لن تترك لبنان وحيداً في محنته، ولكنها أيضاً تبحث عن شراكة استراتيجية متبادلة المنفعة، شراكة تستند إلى التاريخ والجغرافيا والمصالح المشتركة، وتستشرف المستقبل بثقة.
كما قال مدبولي في ختام كلمته: "نحن نؤمن بأن القطاع الخاص هو القاطرة الحقيقية للنمو، وبأن التعاون المصري اللبناني، إذا ما أُحسن استثماره، قادرٌ على أن يُشكّل نموذجاً ناجحاً للتكامل الاقتصادي العربي". هذا هو التحدي الكبير: تحويل الكلمات والاتفاقيات إلى مشاريع ملموسة، وتحويل النوايا الحسنة إلى شراكة حقيقية، ليس فقط لمصلحة البلدين، بل كنموذج يُحتذى في عالم عربي بحاجة ماسة إلى أواصر التعاون الاقتصادي في زمن التحديات الكبرى.
