أصدرت اللجنة الوطنية للاستيراد والتصدير أخيراً، قراراً يقضي بوقف السماح باستيراد عدد من المنتجات الزراعية خلال شهر كانون الأول، بناء على الروزنامة الزراعية المعدة، وانطلاقاً من متابعة واقع الأسواق المحلية وحماية المنتج الوطني. وبموجب القرار الذي نشرته الهيئة العامة للمنافذ والجمارك، عبر قناتها على تلغرام، يتم إيقاف استيراد قائمة واسعة من الأصناف الزراعية تشمل: البطاطا، الليمون، الحمضيات، الرمان، الكاكي، التفاح، التين المجفف، الملفوف، القرنبيط، الخس، البندورة، الفول السوداني، الباذنجان، الفليفلة، الزيتون، زيت الزيتون، البيض، الفروج الحي والطازج والمبرّد وأجزاؤه.
ورغم أن قرار اللجنة يحمل في جوهره منطقاً حمائياً واضحاً، إلا أن اتباع مثل هذه القرارات في ظل الظروف الراهنة قد يتسبب بحزمة من التداعيات السلبية أبرزها تقليص العرض، وفتح المجال أمام الاحتكار وارتفاع الأسعار، خصوصاً في ظل اعتماد إحصائيات قديمة لا تبرز الحجم الحقيقي للناتج والفاقد من هذه المنتجات.
الإحصائيات القديمة
وفي العمق، يبدو أن وزارة الزراعة السورية تعاني من أزمة إحصائيات لأبرز المنتجات الزراعية، وهي إحصائيات مهمة جداً لأن الروزنامة الزراعية تستند إليها أساساً. وعلى سبيل المثال، لا توضح الأرقام التي قدمتها الوزارة لـ"المدن" حول مساحة وعدد الأشجار المثمرة في مواقع التحريج الاصطناعي في سوريا، الحجم الحقيقي للإنتاج، كونها أرقام قديمة. وبحسب تلك الأرقام، بلغ عدد الأشجار المثمرة 3 آلاف و662 شجرة والحراجية المثمرة 37 ألفاً و262 شجرة في العام 2020، وارتفع العدد في العام 2023 إلى 4 آلاف و266 شجرة مثمرة، وبقي عدد الأشجار الحرجية المثمرة كما في الأعوام السابقة. بينما تغيب الإحصائيات المتعلقة بالأعوام اللاحقة، الأمر الذي يؤثر على الروزنامة الزراعية التي تستند إليها الحكومة في حظر استيراد لائحة المنتجات.
الفكرة نفسها تنطبق على منتجات عديدة تضمها لائحة الحظر، فمثلاً، بلغ إنتاج البطاطا عام 2023 حوالي 619.568 طناً، مع متوسط إنتاجية قدرها 25.003.8 كلغ لكل هكتار، ومساحة مزروعة بلغت 24.779 هكتاراً، في حين لم تتوفر بيانات إنتاج البطاطا لعام 2024. أما بالنسبة لعام 2025، فلا توجد أرقام دقيقة لإنتاج هذه المادة، بل كل الأرقام تقريبية وتفتقر إلى المسوحات الميدانية الحديثة.
وخلال حديث لـ"المدن" يوضح تجار خضراوات بأن اعتماد لائحة المواد المحظورة كل فترة، ينطوي على إيجابيات تخص بعض السلع مثل الحمضيات والرمان والكاكي التي تحتاج إلى دعم حمائي من الدولة وفي الوقت نفسه تبقى أسعارها في متناول المواطن السوري.
في المقابل، أشار التجار إلى أن حظر استيراد بعض المنتجات مثل زيت الزيتون والتفاح والفروج المجمد والحي والبيض والبطاطا، قد يرفع أسعار هذه المنتجات خصوصاً في ظل تعرض قسم منها لتدهور إنتاجي جراء العوامل المناخية، كما يؤدي اعتماد المنتج المحلي من هذه السلع إلى عدم توفر الأصناف ذات الجودة الأعلى التي كان يوفرها المنتج المستورد، فمثلاً، تتسم البطاطا التركية والمصرية بجودة عالية بينما تبقى البطاطا السورية المزروعة في فصل الشتاء أقل جودة.
دعم ظرفي ومؤقت
وتعليقاً على القرار، أشار الباحث الاقتصادي محمد علبي خلال حديث لـ"المدن" إلى أن القرار يهدف إلى تخفيف المنافسة الخارجية عن المنتجات الزراعية المحلية خلال ذروة موسم إنتاجها. ورأى أن هذا الإجراء يساهم في تصريف الإنتاج الوطني، ويمنح الفلاحين فرصةً أفضل لتسويق محاصيلهم بأسعارٍ تغطي جزءاً من تكاليفهم المرتفعة.
كما يحدّ من نزيف القطع الأجنبي الناتج عن الاستيراد، ويعزّز الاعتماد النسبي على الإنتاج المحلي، ويمكن أن يدعم المنتج المحلي، لكن هذا الدعم يظل ظرفياً ومؤقتاً، ومرتبطاً بدقة تقدير حجم الإنتاج المحلي وقدرته الفعلية على تلبية الطلب.
ومن جهة أخرى، يلفت علبي إلى أنه لا يمكن معرفة التداعيات السلبية عن هذه القرارات التي تنتهجها الحكومة مراراً، بشكل حاسم ما لم نعرف على أي أسس يتم اعتماد الروزنامة الزراعية في وزارة الزراعة. فالقرار لا يُقيَّم بذاته، بل من خلال جودة البيانات التي استند إليها.
وأوضح أنه إذا كانت الروزنامة مبنية على مسوحات ميدانية حديثة، وتقديرات دقيقة للكميات القابلة للتسويق، ومراعاة الفاقد وسلاسل التوزيع والفروقات الجغرافية، فإن مخاطر ارتفاع الأسعار أو نقص السلع تبقى محدودة. أما إذا كانت تعتمد على بيانات تقديرية أو قديمة أو متفائلة أكثر من اللازم، فإن وقف الاستيراد قد يؤدي فعلياً إلى تقليص العرض وفتح المجال أمام الاحتكار وارتفاع الأسعار وعدم توفر بعض السلع بالكميات الكافية في السوق، لذلك، أي خطأ في تقدير حجم الإنتاج، أو أي عامل طارئ كالأحوال المناخية أو ضعف التخزين، قد يؤدي إلى نقصٍ فعلي في بعض السلع، وهو ما ينعكس سلباً على الأمن الغذائي اليومي للأسر. كذلك يلعب تقيُّد المؤسسة المعنية بالتنفيذ في هذه الحالة هيئة المعابر والجمارك دوراً أساسياً جداً في الحد من السلبيات.
توازن حماية المنتج وتأمين السلع
لجأت الحكومة السورية إلى سياسة حظر السلع المستوردة أكثر من مرة في العام الحالي، وهذا يطرح تساؤلاً كبيراً حول قدرتها على موازنة حماية المنتج المحلي مع تأمين حاجات المستهلكين.
نظرياً، قال علبي إنّ الحكومة نجحت في هذا الأمر، لكن نجاحها عملياً يحتاج إلى الانتقال من المنع الجامد إلى الإدارة المرنة. لافتاً إلى أن الموازنة تتحقق بشكلها الحقيقي عندما يكون منع الاستيراد قابلاً للتعديل السريع وفق تطورات السوق، وعندما يترافق مع رقابةٍ حقيقية على الأسعار، وتحسين النقل والتخزين، وضمان تدفّق المنتجات بين المحافظات.
كما أن وجود آلية استثناءٍ مدروسة للاستيراد عند حدوث نقصٍ فعلي يُعدّ عنصراً أساسياً في هذه الموازنة. حماية المنتج المحلي لا يجب أن تكون على حساب المستهلك، بل ضمن معادلةٍ تضمن استقرار السوق وتوفر السلع بأسعارٍ مقبولة، وهو ما يتطلب بياناتٍ دقيقة، وقراراتٍ سريعة، وجهة تنفيذية مُلتزمة.
من جانبه، أكّد المهندس والخبير الزراعي يحيى تناري في حديث لـ"المدن" أن المنتج الزراعي يجب دعمه سواء عبر منع الاستيراد للمنتجات المنافسة للمنتجات المحلية أو عن طريق دعم مستلزمات الإنتاج. لأن الفلاح في حال تعرض للخسارات فإنه سوف يخرج من دائرة الإنتاج وهذا بدوره يؤثر على اقتصاد البلد، وبالتالي يحول البلد إلى مستهلك من الخارج ولا يوجد لديه إنتاج محلي.
ولفت إلى أن دعم المنتج المحلي أساسي للحفاظ على المزارع والإنتاج في سوريا، خصوصاً بعد التحرير وبناء الدولة، مؤكداً أن دعم الفلاح عبر حظر الاستيراد هو الأهم والأساسي، بينما يأتي دعم لوازم الإنتاج في المرتبة الثانية.
