يزيد التغيّر المناخي الضغط على إمكانية تأمين المياه في منطقة الشرق الأوسط، وتضاف إليه انعكاسات التوتّرات السياسية والأمنية التي لطالما كان الصراع على توفير المياه جزءاً أساسياً منها. ولبنان ليس معزولاً عن هذا الملف، إذ أشار رئيس الحكومة نواف سلام إلى أنّ "لبنان كان له مسار طويل في مجال الدبلوماسية المائية". وأكّد سلام في كلمة له خلال الاجتماع المشترك الرابع للجنة الاستشارية للسياسات واللجنة الإدارية لمبادرة السلام الأزرق في الشرق الأوسط، أنّ "لبنان كان في العام 1997، أوّل دولة عربية تصادق على اتفاقية الأمم المتحدة للمياه".
وقال سلام إنّ "المنطقة تقف اليوم أمام مفترق طرق حاسم، في ظل تصاعد تحديات التغير المناخي وشح المياه والضغوط الديمغرافية وتدهور البيئة. وهذه العوامل باتت تهدّد استقرار المجتمعات، وهي تحديات عابرة للحدود لا تستطيع أي دولة مواجهتها بمفردها". وأضاف أنّ لبنان "سيواصل العمل مع جيرانه وشركائه من أجل تعزيز الحوكمة العلمية وترسيخ الدبلوماسية المائية ودعم الاستقرار الإقليمي عبر التعاون المشترك". ويبيّن الاجتماع دور لبنان الاستراتيجي في تعزيز التعاون الاقليمي بشأن قضايا المياه والطاقة والغذاء والنظم الايكولوجية.
قنوات التواصل
من ناحيته، رأى رئيس اللجنة الإدارية لمبادرة السلام الأزرق في الشرق الأوسط محمد أمين فارس أمين، أنّ "المياه في الشرق الأوسط ليست مجرد ملف فني أو قطاعي، بل هي شأن يتصل اتصالاً مباشراً بمعادلات السياسة والاقتصاد والأمن. ويأتي تغيّر المناخ ليضاعف الضغوط على أنظمة منهكة أصلاً، فيما تجعل التحديات الاقتصادية والأمنية الراهنة مسارات التعاون أكثر تعقيداً وأكثر إلحاحاً في آن واحد. ومن هنا تتبدى القيمة العملية لهذه المبادرة: الإبقاء على قنوات التواصل مفتوحة، وبناء الثقة على نحو تراكمي، وتحويل التحديات المشتركة إلى أساس لعمل مشترك رشيد".
واعتبر أنّ "المبادرة المكرسة لتعزيز التعاون المرتبط بالمياه، تجمع صنّاع القرار والمستشارين والخبراء والمؤسسات ضمن إطار مؤسسي يحمي الحوار ويعزز الحلول والمنفعة المشتركة، ويهيئ شروط التقدم والازدهار".
وأوضح أنّه "منذ عام 2011، بذلت جهود متواصلة لجمع دول المنطقة وبناء هذه الآلية إلى المستوى الذي نلتقي عنده اليوم. ونحن الآن مجتمع إقليمي آخذ بالنمو يضم خمس دول أعضاء، مع انضمام الجمهورية العربية السورية أخيراً كعضو رسمي، مما يشكل خطوة مهمة إلى الأمام. ونتطلع بثقة إلى أن تنضم الجمهورية الإسلامية الإيرانية في المستقبل القريب، بما يعزز النسيج الإقليمي لهذه المبادرة".
محطة محورية للتعاون
بدوره، أكّد عضو المجلس التنفيذي لسياسات السلام الأزرق في الشرق الأوسط فادي قمير، أنّ "هذا الاجتماع الاستراتيجي يمثّل محطة محورية للتعاون في مجال المياه العابرة للحدود في منطقتنا، وهذا التعاون يمكن أن يتجلى في الخطوات التالية، التي هي ثمرة نتاج مسار خبرة طويل في المفاوضات لأكثر من 30 سنة:
-
إنشاء منظمة أحواض اقليمية تتمثل فيها كل الدول المعنية لإدارة الأحواض المشتركة ولمساعدة البلدان المتشاطئة على تصميم مشاريع انمائية مفيدة لها للحفاظ على حقوقها المائية والاستفادة منها بالشكل الأمثل والفعال.
-
إنشاء قاعدة معلومات وبيانات وتبادلها بين البلدان المعنية وهي من الخطوات الأساسية في العمل.
-
التشاور بين الدول التي لديها أحواض مشتركة من أجل انشاء مشاريع مشتركة.
-
تجنب التسبب بأضرار جسيمة من خلال نقل التلوث من الدول الواقعة أعلى الحوض إلى الدول الواقعة أسفله، لأنها تسمح باعتماد مبدأ الملوث يدفع وتشكل مضاعفات كثيرة.
-
التدريب على الإدارة المتكاملة للأحواض المشتركة وللموارد المائية، من أجل أن تكون هناك لجنة فعالة للمفاوضات مع الأخذ بعين الاعتبار الاحتباس الحراري والتغير المناخي، الذي سوف يؤثر سلباً على مناطق الحوض، خصوصاً أن هناك ما نسبته 60 بالمئة من المياه في المنطقة هي مياه عابرة للحدود.
-
اعتماد أساليب الري الحديثة لتوفير الكثير من الهدر سواء في مياه الري أم في الشبكات لانها سوف تؤثر سلبا على كمية المياه المتاحة. فيجب على الدول، لمواجهة تأثير الاحتباس الحراري والتخفيف من وطأة هذا التأثير اتخاذ خطوات من أجل التخفيف من استهلاك المياه للري، ذلك أن قطاع الري يشكل ما بين 70 – 80 بالمئة من المياه المتجددة في البلدان والباقي بين 20 – 30 بالمئة تذهب لمياه الشرب ومياه الصناعة. من هنا فإن الاعتماد على الوسائل الحديثة للري وتدريب المزارعين على استخدامها وجودة المياه وجودة أقنية الري والشبكات كلها عوامل مساعدة يجب أخذها بعين الاعتبار عند اقتراح الحلول والمشاريع".
واعتبر أنّ "تغيّر المناخ مسؤولية جماعية، والدبلوماسية المائية المدعومة بالاتفاقيات الدولية، هي أداة لمنع النزاعات علماً أنها تقدم - بفضل أبعادها التقنية والسياسية والدبلوماسية - إطاراً مناسباً لمعالجة النزاعات المتعلقة بالمياه".
المياه وسيطاً للسلام
ولفت النظر إلى أنّه "يبقى سؤال: كيف يمكن للمياه أن تصبح وسيطاً للسلام؟، محور كل اهتمام". وللإجابة عن السؤال، اقترح قمير جملة خطوات، منها "النظر إلى المياه كخيار مشترك للبشرية، وليس كسلعة أو سلاح. التصديق على الاتفاقيات الدولية المتعلقة بالمياه وتطبيقها، لا سيما تلك الصادرة في عامي 1992 و1997. تعزيز التعاون والتنسيق بين الدول التي تشترك في الموارد المائية العابرة للحدود، من خلال إنشاء أو تعزيز كيانات إدارة شاملة وشفافة. وضع خطط عمل مشتركة لإدارة المياه بشكل متكامل ومستدام، مع مراعاة احتياجات الجميع وتأثيرات تغير المناخ. تعزيز الحوار والثقة وحل النزاعات المتعلقة بالمياه سلمياً، وبمساعدة طرف ثالث محايد إذا لزم الأمر".
