سوريا تعيد هيكلة التأمين: اختبار الحوكمة قبل التوسع

دمشق - رهام عليالأحد 2025/12/14
سوريا ساحة الأمويين.jpg
سوريا تعيد ترتيب قطاع التأمين (غيتي)
حجم الخط
مشاركة عبر

في خطوة تحمل أبعادًا تتجاوز الإطار الإداري، أصدر وزير المالية السوري محمد يسر برنية قرارًا بحلّ مجلسي إدارة الاتحاد السوري لشركات التأمين واتحاد وكلاء ووسطاء التأمين، وتشكيل لجان مؤقتة لتسيير الأعمال لمدة ستين يومًا. القرار، الذي يستند إلى المرسوم التشريعي الرقم 43 للعام 2005، يأتي في سياق رسمي معلن لإعادة ضبط الحوكمة والانضباط داخل سوق التأمين السوري، أحد أكثر القطاعات حاجة لإصلاح مؤسسي عميق.

 

إعادة ضبط لا إلغاء

وبعكس ما قد يوحي به القرار، فإن الاتحادات المهنية نفسها ما زالت قائمة، فيما اقتصر الإجراء على حلّ مجالس إدارتها فقط؛ وتوضح هيئة الإشراف على التأمين أن الخطوة تهدف إلى ضمان استمرارية الخدمات وحماية مصالح المؤمن لهم والشركات، ضمن مرحلة انتقالية تُدار عبر لجان مؤقتة، ريثما يُعاد تشكيل المجالس المنتخبة وفق معايير أكثر شفافية وكفاءة.

 

حوكمة غائبة وقطاع مثقل

على مدى سنوات، عانى قطاع التأمين السوري من تراكم اختلالات إدارية وفنية، انعكست ضعفًا في الأداء، وتراجعًا في الثقة، ومحدودية في دوره التنموي، ومع أن التأمين يُعد ركيزة أساسية في الاقتصادات الحديثة لحماية الاستثمارات وإدارة المخاطر، إلا أن حضوره في الاقتصاد السوري بقي دون الإمكانات المتاحة، في ظل غياب حوكمة فعالة وآليات رقابة مهنية.

 

فرصة لكسر الجمود المؤسسي

في حديثه مع "المدن" يعتبر المستشار التأميني المهندس سامر العش أن قرار وزير المالية محمد يسر برنية بحل مجلسي إدارة الاتحاد السوري لشركات التأمين واتحاد وكلاء ووسطاء التأمين يشكل خطوة جريئة تعكس إرادة حقيقية لفتح صفحة جديدة في قطاع عانى لسنوات من تراكم عقبات إدارية وفنية أضعفت فعاليته وحدّت من دوره التنموي.

ويشير العش إلى أن القرار لا يمكن النظر إليه كغاية بحد ذاته، بل كتمهيد عملي لإعادة هيكلة شاملة تهدف إلى بناء منظومة تأمينية حديثة تقوم على تشريعات أكثر تطورًا وشفافية، وتستفيد من الخبرات المتخصصة لاستعادة الثقة بين القطاع والمجتمع، وهي ثقة أساسية لتحفيز الاستثمارات.

ويضيف أن نجاح الاستراتيجية الوطنية المرتقبة يبقى مرهونًا بقدرتها على مكافحة الفساد وترسيخ الحوكمة الرشيدة، وتبني أفضل الممارسات العالمية، معتبرًا أن تطوير قطاع التأمين سينعكس إيجابًا على الأمان المالي للأفراد والشركات، ويعزز مناعة الاقتصاد الوطني، لا سيما في مرحلة إعادة الإعمار.

 

إصلاح مشروط بالتنفيذ

من جانبه، يعتبر الخبير المصرفي والمالي أنس الفيومي أن قرار حلّ مجالس إدارة اتحادات التأمين يشكّل، من حيث المبدأ، خطوة إصلاحية ضرورية لقطاع يعاني ضعفًا بنيويًا، "في ظل محدودية الثقافة التأمينية في سوريا التي ما تزال محصورة إلى حد كبير بالتأمين الإلزامي للسيارات وبعض الفعاليات الاقتصادية الضيقة". 

ويشير الفيومي في حديثه مع "المدن" إلى أن هذه الخطوة تبقى محكومة بكيفية التنفيذ، معتبرًا أن إعادة تشكيل الاتحادات عبر انتخابات جديدة قد تمثل فرصة حقيقية لكسر الجمود المؤسسي وفتح المجال أمام أفكار أكثر حداثة، بما يواكب تطور قطاع التأمين في الدول الأخرى.

ويرى الفيومي أن الخطوة يمكن أن تعزز مفاهيم الحوكمة والشفافية في حال جرى تحديث الأنظمة الأساسية بما يحد من تضارب المصالح وينظم العلاقة بين شركات التأمين والوسطاء والجهات الرقابية، إضافة إلى مواءمة القطاع مع المعايير الدولية، وهو أمر بالغ الأهمية في مرحلة يسعى فيها الاقتصاد السوري لإعادة الاندماج مع الأسواق الإقليمية. كما يلفت إلى أن تغيير مجالس الإدارات قد يسهم في محاربة الفساد البنيوي الناتج عن بقاء الهياكل ذاتها دون مساءلة حقيقية.

في المقابل، يحذّر الفيومي من مخاطر تحويل العملية إلى إجراء شكلي، مشددًا على ضرورة أن تكون الانتخابات مستقلة وشفافة فعلًا، لا إعادة تدوير للأسماء ذاتها، مع أهمية إشراك شركات التأمين والوسطاء في صياغة الأنظمة الجديدة.

ويؤكد أن إصلاح قطاع التأمين لا يتحقق بقرارات إدارية فقط، بل يتطلب بيئة اقتصادية وتشريعية حديثة، واستقلالية حقيقية للاتحادات، وخلق سوق تنافسي قائم على الثقة المتبادلة بين الدولة والقطاع الخاص، معتبرًا أن "نجاح وزارة المالية في تحويل القرار إلى إصلاح فعلي قد يشكّل نقطة تحول حقيقية في قطاع التأمين السوري".

 

بعد اقتصادي–استثماري للإصلاح

وفي السياق ذاته، يرى المهندس ماهر مهاجر الرئيس التنفيذي لشركة مهاجر الدولية للتصميم والمقاولات في حديثه مع "المدن"، أن قطاع التأمين، وفق معاييره العالمية، يُعد ركيزة أساسية لبيئة استثمارية مستقرة وآمنة، إذ يسهم في حماية رؤوس الأموال من المخاطر المحتملة، ويحدّ من حجم الخسائر في المشاريع الاستثمارية الضخمة، سواء العقارية أو الصناعية أو التجارية.

ويشير مهاجر إلى أن وجود قطاع تأمين احترافي وفعّال يشكّل عامل جذب رئيسي للمستثمرين، لما يبعثه من ثقة في بيئة الأعمال، ويشجّع المستثمرين المحليين والأجانب على الدخول في مشاريع طويلة الأجل. 

كذلك يؤكد أن التأمين المتطور لا يمكن النظر إليه كخدمة تكميلية، بل كعنصر استراتيجي في بناء اقتصاد متماسك وقادر على النمو والاستدامة.

 

استراتيجية وطنية قيد الاختبار

ويتزامن القرار مع حديث رسمي عن استراتيجية وطنية شاملة لتطوير قطاع التأمين، يُنتظر الإعلان عنها قريبًا؛ غير أن نجاح هذه الاستراتيجية، بحسب متابعين، يبقى مرهونًا بقدرتها على الجمع بين مكافحة الفساد، وترسيخ الحوكمة الرشيدة، وتبني أفضل الممارسات العالمية، بعيدًا عن المحاصصة أو إعادة إنتاج الأطر القديمة بأسماء جديدة.

 

رهان على التنفيذ

في المحصلة، تمثل هذه الخطوة اختبارًا فعليًا لجدية الإصلاح في قطاع التأمين؛  فإما أن تشكل بداية مسار يقود إلى سوق تأمين أكثر كفاءة وشفافية، قادر على دعم الاستثمار والتنمية وإعادة الإعمار، أو أن تبقى إجراءً إداريًا محدود الأثر. وبين هذين المسارين، تبقى الأنظار معلقة على مرحلة التنفيذ، باعتبارها العامل الحاسم في استعادة الثقة وبناء قطاع تأميني فاعل يخدم الاقتصاد والمجتمع معًا.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث