خطة تجهيز المستشفيات الحكومية: الفقراء ينتظرون "وصفة الخلاص"

خضر حسانالجمعة 2025/12/12
GettyImages-1234884710.jpg
ناصر الدين: قمنا بتنشيط السجل الوطني للسرطان بعدما توقف خلال الأزمة الماضية (getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

 

خسرت المستشفيات الحكومية مرضاها وتحوَّلَ بعضها على مدى 3 عقود إلى مراكز رعاية أولية لا تستطيع تقديم الخدمات الصحية الكافية للمرضى، خصوصاً من الفقراء وذوي الدخل المحدود الذين لا يستطيعون دفع فواتير المستشفيات الخاصة. وتدهورَ القطاع الصحي الحكومي، بشكل أساسي، بفعل الفساد المتفشّي في الدولة، والذي كان مسؤولاً عن غياب التمويل الكافي والحوكمة الصحيحة للقطاع، فضلاً عن تقديم الأولوية للقطاع الخاص على حساب القطاع الرسمي.

على أنّ عنوان الإصلاحات الذي حملته حكومة نواف سلام، وجدَ طريقه نحو المستشفيات الحكومية من خلال خطة لتجهيز تلك المستشفيات، والسعي للذهاب أعمق من ذلك، وصولاً إلى تمكين القطاع الصحي الحكومي من مواكبة القطاع الخاص في مختلف المناطق. لكن هل ستضمن وزارة الصحة ومن خلفها الحكومة، استدامة مسار الإصلاح والتمويل؟.

 

 

وصفة الخلاص

دخلت وزارة الصحة ميدان تمكين المستشفيات الحكومية، فأعلنت إطلاق  "خطة تجهيز المستشفيات الحكومية: نحو الإصلاح والإنماء الصحّي المتوازن"، بتمويل من البنك الدولي والبنك الإسلامي للتنمية. ولشدّة حماسته، جَزَمَ وزير الصحة ركان ناصر الدين أنّ هذه الخطة هي "وصفة خلاص لأزمتنا الصحية". وتُبَرَّر الحماسة من خلال مقارنة واقع المستشفيات الحكومية راهناً بما يمكن أن تصبح عليه بفضل التغييرات التي تحدثها الخطة على مستوى تأمين المعدات والمستلزمات الطبية إلى جانب التحديثات الإدارية.

وخلال حفل إطلاق الخطة في السرايا الحكومية، أكّد ناصر الدين أنّ التغييرات بدأت على صعيد "توسعة الوزارة تغطيتها الصحية على مستوى العمليات، وأضفنا أكثر من 40 عملية تغطية، لتشمل عمليات القلب والشرايين وجراحات الأورام والجراحات الأساسية وزرع الاعضاء لا سيّما الكلى ونقيّ العظم. وبدأنا بتغطية المغروسات الطبية في كسور الحوض، وقمنا بحملات التشخيص المبكر المجّاني لسرطان الثدي عند كل النساء اللبنانيات في أكثر من 50 مستشفى متعاقداً مع الوزارة، وقريباً سنبدأ بتغطيات إضافية لتشمل عمليات الجلطات الدماغية وغيرها تدريجياً وفق الإمكانيات والأولويات".

نتائج العمليات الاستشفائية لا تكتمل من دون الدواء الذي تشكِّل كلفته هامشاً كبيراً من كلفة العلاج للمرضى. ولذلك، أشار ناصر الدين إلى أنّ الوزارة عملت على "توسيع بروتوكولاتنا العلاجية لأمراض السرطان والأمراض المستعصية بأكثر من 3 أضعاف، وبإضافة أكثر من 56 بالمئة من الأدوية الجديدة إلى البروتوكولات بوفر كبير في مناقصاتنا، مما يسمح لنا بالتوسعة بنفس الموازنة الدوائية. وقمنا بتفعيل البرنامج الوطني للسرطان وتنشيط السجل الوطني للسرطان بعدما توقّف خلال الأزمة الماضية".

ولفتَ ناصر الدين النظر إلى "إقرار المراسيم التطبيقية للوكالة الوطنية للدواء، بانتظار تشكيلها، وإطلاق ورشة تجهيز المختبر المركزي المرجعي لوزارة الصحة مع الجامعة اللبنانية".  كما أنّ الوزارة "وضعت العديد من البرامج المتطوّرة التي تسمح بتعقّب الدواء من المستودعات إلى المريض، بهدف مكافحة التزوير والتهريب".

الصورة الإيجابية امتدّت نحو مراكز الرعاية الصحية الأولية في المناطق، لتساهم في دعم التشخيص والعلاج المبكرين، وبحسب الوزير "وضعنا خطة توسعة شبكات الرعاية الصحية الأولية التي تضمن أكثر من 330 مركز رعاية صحية، وبدأنا بتعزيزها عبر شراء الأدوية المزمنة بعد توقفها منذ العام 2019، ونقوم بشراء المعدّات التي تعزّز المراكز في التشخيص والعلاج المبكر، وما يتعلّق بمعدات تتعلّق بصحة الأم والطفل وكراسي الأسنان، إضافة وحدة النظم الأساسية للمرضى الأكثر فقراً عبر الاستعانة بمشروع "أمان" من وزارة الشؤون الاجتماعية".

على المستوى الإداري، تحاول الوزارة "استعادة الثقة بين الدولة والمواطن وبين المستشفى والوزارة، ولذلك، فعّلنا آليات دفع مستحقات المستشفيات والأطباء، وأصبحنا نغطّي الفواتير خلال مدة بين 3 إلى 6 أشهر من تاريخ إجراء العمل الطبي". وكذلك، قامت الوزارة بـ"إطلاق مشروع الاعتماد الذي يسمح بتصنيف المستشفيات ويحفّز التطوير في الخدمة والأداء الصحي. بالاضافة إلى تعزيز الدور الرقابي للوزارة بعد موافقة مجلس الوزراء على تعيين أطباء مراقبين ومفتشين صيادلة يتم تعيينهم عبر مجلس الخدمة المدنية".

وبالتوازي من التحرّك داخلياً، استرجع لبنان حقّ التصويت في المحافل الصحية الدولية بعد خسارة هذا الحق خلال الأزمة إثر التوقّف عن دفع المستحقات في تلك المحافل.

 

 

استدامة التمويل

يعتمد النظام الصحي الرسمي على الهبات والمساعدات "بنسبة 90 بالمئة"، وفق ما تقوله مصادر في هذا القطاع لـ"المدن". وفي المقابل، تؤمِّن إيرادات المستشفيات الحكومية "ما لا يزيد عن 25 بالمئة من حجم الأكلاف المطلوبة لاستمرار عملها". وهذه الإيرادات "لا تكفي لتشغيل أي مستشفى لأكثر من شهر، من دون دعم". ولا يخفى على أحد أنّ انهيار قيمة الرواتب والأجور بالليرة، دفع الكثير من الأطباء والممرّضين والعاملين في القطاع الصحي الرسمي إلى مغادرته، فخسر القطاع 40 بالمئة من الأطباء وأكثر من 20 بالمئة من الأطقم التمريضية. في حين أجبرت الازمة أكثر من 85 بالمئة من المواطنين، على دفع الفاتورة الصحية من جيوبهم.

وفي الواقع، لم تنتهِ آثار الأزمة الاقتصادية رغم تحسّن بعض الرواتب والأجور في القطاع الخاص، فشريحة كبيرة من اللبنانيين لا يزالون غير قادرين على تغطية الكلفة الصحية في القطاع الخاص، وفي الوقت عينه لا يستطيع القطاع الرسمي تأمين التغطية بالشكل المطلوب. ولذلك، فإنّ الخطة التي بدأتها الوزارة وأنجزت نحو 40 بالمئة منها، قد لا تؤتي ثمارها المطلوبة ما لم يتوفّر التمويل المستدام، وإلاّ ستتحوّل هذه الخطّة إلى سمكة تُعطى لمرّة واحدة.

ولذلك، سلّط رئيس الحكومة نواف سلام الضوء على أنّ "التحدي الأكبر هو استدامة التمويل، إذ لا يمكن للقطاع الصحي العام أن يبقى معتمداً على المساعدات وحدها. لذلك ستعمل الحكومة على وضع استراتيجية التشغيل والتمويل في المستشفيات الحكومية. وفي ظل هذا، يأتي الاستثمار بالعنصر البشري والتجهيز الحديث، ولا يصنع الفارق إلاّ إذا واكبه تدريب مستمر وإعادة هندسة الهيكليات الإدارية والطبية وتمكين الكوادر الطبية والفنية من استخدام التكنولوجيات الحديثة ومواكبة التحوّل الرقمي".

ولضمان استدامة التمويل، لا بدّ من تمكين المستشفيات الحكومية من تمويل نفسها عبر تعزيز خدماتها الصحية التي تجذب المرضى، ليس فقط الفقراء وإنما الميسورين الذين يستطيعون دفع تكاليف العلاجات المكلفة. بالإضافة إلى دور وزارة الصحة في تسريع عملية الإفراج عن أموال المستشفيات، وهو ما عبَّرَ عنه ناصر الدين في حديث لـ"المدن" من خلال تأكيده على أنّ الوزارة "حسّنَت الفوترة عبر التدقيق. وبالتعاون مع ديوان المحاسبة ووزارة المالية، استطعنا تسريع الدفع للمستشفيات الذي تقدّم أوراقها في موعدها".

ويتصاعد تحدّي التمويل في ظل انحسار التمويل الدولي المرتبط بتغطية الاستشفاء للنازحين السوريين إلى حدّ التوقّف النهائي، وهو ما أعلنته في وقت سابق، المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين UNHCR. فالمستشفيات الحكومية كانت تستفيد من التغطية الصحية للنازحين لرفد صناديقها بالأموال. ولذلك، فإنّ القطاع الصحي الرسمي بحاجة اليوم للتوجّه إلى السوق لتأمين التمويل، بعد اعتماده طويلاً على المساعدات والتمويل الدولي، وهذا يستدعي تحسين خدماته الصحية وسد النقص في المعدات والمستلزمات الطبية.

 

 

عراقيل أمام الخطّة

استثمار بقيمة 100 مليون دولار سينعش 36 مستشفى حكومياً ويساهم بافتتاح 5 مستشفيات جديدة واستحداث أكثر من 100 قسم داخل المستشفيات الموجودة، قد يصطدم بعراقيل موجودة في صلب النظام الصحي الرسمي والنظام السياسي اللبناني. فتشير المصادر إلى أنّ "طريقة إدارة القطاع لا تزال بعيدة من مسار الإصلاح. فعلى سبيل المثال، تختلف طرق المشتريات بين مستشفى وآخر، ما يسمح بالفساد والمحسوبيات. ولذلك، على الوزارة أن توحّد طريقة المشتريات، تحت مظلّة هيئة الشراء العام، كما يفعل الجيش اللبناني الذي يقوم بتحديد ما يريد شراءه، ويقوم باستدراج عروض وفتح مناقصات لشراء كميات كبيرة من المواد التي يريدها، ويوزّعها على المناطق. وبالطريقة عينها، تستطيع الوزارة تحديد حاجات المستشفيات، وشراء المستلزمات بأفضل الأسعار. والأمر نفسه ينسحب على عقود صيانة المعدّات".

ومع أنّ الوزير أكّد تسريع دفع المستحقات للمستشفيات، فإنّ المصادر تؤكّد وجود "زبائنية في توزيع المستحقات والمساعدات والهبات وفق التحاصص السياسي. فمستشفيات حكومية في مناطق تابعة لزعيم سياسي نافذ، تتلقّى مساعدات وتُسَرَّع عملية دفع مستحقاتها، على حساب مستشفيات لا سندَ سياسياً لها".

رغم العراقيل المحتملة، رحّبت المصادر بخطّة الوزارة، ورأت أنّها "تستطيع إحداث نقلة نوعية في القطاع الصحي الرسمي إذا ما أديرت بمنهجية صحيحة وعزّزت الوزارة قدرة المستشفيات على تأمين التمويل. وكل ما عدا ذلك، سيكون احتفالات تتبخّر مفاعيلها مع الوقت". واعتبرت المصادر أنّ الوزارة "بمجرّد إطلاقها الخطة، فإنّها ترى بعينها المستشفيات الحكومية، وهذا أمر نفتقده منذ عقود". ولتعزيز الخطة، يجب على إدارات المستشفيات مواكبة عمل الوزارة، لكن أغلب مجالس الإدارات "منتهي الصلاحية أو ممدّ الولاية، وهناك بعض المدراء لا يزالون في مناصبهم منذ 20 عاماً، وهذا يُشكّل ضعفاً إدارياً في المستشفيات".

 

نحو 1.5 مليون مستفيد مباشر و4 مليون مستفيد غير مباشر من الخطة، ينتظرون تحوّل الخطّة من حدث استثنائي إلى نمط عمل مستدام. ولا يتمّ ذلك في ظل نظام المحسوبيات والتحاصص الحالي.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث