ثغرات كارثية في قانون العمل الجديد.. المرصد يكشف الإخفاقات

ميساء عطويالجمعة 2025/12/12
Image-1765468927
حلقة نقاش حول مشروع تعديل قانون العمل (ميساء عطوي)
حجم الخط
مشاركة عبر

تحت شعار "نحو قانون اجتماعي وإنساني يواكب العصر والمتغيرات في علاقات العمل"، عُرض مشروع التعديل الشامل لقانون العمل اللبناني في لقاء حواري جمع وسائل الإعلام بالعاملين على الملف، حيث قدّم المرصد اللبناني لحقوق العمال والموظفين رؤيته لإعادة صياغة التشريع العمّالي بما ينسجم مع التحولات التي يشهدها سوق العمل.

وجاء الطرح في ظلّ سلسلة محاولات سابقة بقيت معلّقة لسنوات لم تُكتب لها الولادة. ومع إعلان وزير العمل محمد حيدر إحالة مشروع قانون جديد إلى مجلس النواب قبل نهاية العام، بدا واضحاً للمرصد أنّ النص الوزاري ما زال يحمل الكثير من ثقل القانون القديم، وأن أبوابه الأساسية لم تتعرض للتعديل الجوهري الذي يحتاجه سوق العمل اللبناني.

 

ثغرات القانون الحالي

تركّز النقاش حول الأسباب التي تجعل التعديل الشامل ضرورة لا بد منها، فالقانون الحالي لا يوفّر سياسات تضمن الحق في الوصول إلى العمل، ولا ينسجم مع معايير العمل الدولية، ولا مع مبادئ "العمل اللائق" التي تقوم عليها التشريعات الحديثة. كما لا يعترف بالفئات الجديدة التي ولّدها الاقتصاد الرقمي والعمل غير النظامي، من العاملين عبر التطبيقات إلى المياومين والموظفين عن بُعد والعقود الموسمية والاستشارية. وتبيّن أيضاً أنّ الحماية الصحية والمهنية شبه غائبة، وأن الإصابات والحوادث المهنية ما تزال تقع بمنطق الصدفة، بلا إطار يلزم أرباب العمل، ولا دولة تمارس دورها في الرقابة. 

أما في ما يخص الحق النقابي، فالقانون الحالي ما زال بعيداً عن روحية الاتفاقية الدولية رقم 87، إذ يمنح الإدارة سلطة التدخل في شؤون النقابات والترخيص لها وحلّها، ويمنع العمال الأجانب من الانتساب إليها، ويحدّ من استقلاليتها ومن قدرتها على التعبير الحر.

ويتبيّن من مراجعة التشريع النافذ أنّ فئات واسعة تُستثنى من حماية القانون: العاملات في الخدمة المنزلية، العمال الزراعيون، المياومون في البلديات، العاملون لدى الدولة خارج نظام الموظفين، إضافة إلى العاملين في البناء والأشغال العامة الذين يعملون بلا أي إطار يحمي حياتهم اليومية. كما يغيب الإدماج الفعلي لذوي الإعاقة رغم وجود القانون 220/2000، بينما يبقى أفراد مجتمع الميم/عين في مواجهة بيئات عمل غير آمنة، بلا نصوص تحمي حقوقهم الأساسية أو تضمن عدم تعرّضهم للتنمر أو التمييز أو التحرش. 

وفي ظل هذه الصورة، تتعاظم العمالة غير النظامية التي أصبحت تفوق 60% من القوى العاملة، ما يجعل قانون العمل الحالي غير قادر على ضبط العلاقة بين العامل وصاحب العمل، ولا على حماية الاستقرار المهني في بلد يعاني هشاشة اقتصادية غير مسبوقة.

 

رؤية جديدة للتشريع العمّالي 

ومن خلال الأسباب الموجبة التي صيغت لمشروعه، شدّد المرصد على أنّ التعديل هو تأسيس رؤية جديدة للتشريع العمّالي. رؤية تنطلق من واقع سوق العمل الذي تغيّر جذرياً، وتستند إلى مبادئ الدستور ومواثيق الأمم المتحدة التي تضمن المساواة والحقوق المدنية، وتربط التشريع بالعدالة الاجتماعية والحماية الإنسانية. 

أما المبادئ التي ارتكز عليها المشروع، فتقوم على توحيد النص القانوني عبر دمج كل المراسيم والتعديلات السابقة في صيغة واحدة متماسكة، وجعل نصوصه منسجمة مع معايير العمل الدولية، وترسيخ مبدأ المساواة أمام القانون بلا استثناء لأي فئة عاملة، وحصر التدخل في الشؤون النقابية بالقضاء وحده، وتعزيز الحرية النقابية باعتبارها أحد أعمدة العمل اللائق.

وتضمّن المشروع دمجاً لعدد من القوانين والمراسيم، أبرزها قانون العمل لعام 1946 بكامل تعديلاته، قانون عقود العمل الجماعية والتحكيم الصادر عام 1964، مرسوم طوارئ العمل، قانون التحرش الجنسي الصادر عام 2020، قانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، قوانين الصحة والسلامة المهنية، وقانون تنظيم عمل الأحداث، إضافة إلى أحكام قانون العمل المرن الذي أقرّه المجلس النيابي حديثاً.

 

رؤية متقدمة لحماية العمال

وركّز المرصد على التعديلات التي يعتبرها جوهرية في مشروعه، ومنها تعزيز المساواة ومنع التمييز ضد النساء وذوي الإعاقة والأحداث والعاملين بدوام جزئي أو عن بعدوتوسيع حقوق الأمومة عبر رفع مدة الإجازة وتأمين مساحة للإرضاع وإدخال مفهوم "الأجر الاجتماعي" وربطه بالضمان الاجتماعي وتطبيق القانون على المؤسسات العائلية وإلزامية العقود الخطية والتصريح عنها للضمان واعتماد الغرامات التي تُحتسب على أساس مضاعفات الأجر لردع الاستغلال وتثبيت الحماية من الصرف التعسفي باعتبار ديمومة العمل ركناً من أركان الاستقرار الاجتماعي. 

كما وضع المشروع رؤية متقدمة للحماية من مخاطر العمل، من خلال اعتماد الأجر الفعلي لاحتساب التعويضات، ورفع تعويض الوفاة إلى ما يعادل ثلاث سنوات من الأجر، وتنفيذ مرسوم السلامة المهنية خلال مهلة محددة، وفتح الباب أمام الملاحقة الجزائية لصاحب العمل في حال ارتكاب إهمال يؤدي إلى إصابة أو وفاة.

 

ثغرات كارثية بالمشروع الوزاري

وفي المقابل، لم يُخفِ المرصد ملاحظاته على مشروع قانون العمل الذي يعمل وزير العمل محمد حيدر على استكماله، فالمشروع الوزاري، لا يزال مشوباً بثغرات واسعة تمس جوهر العلاقة بين العامل وصاحب العمل، وما بقي من دون معالجة يتضمّن مسألة تحويل عقود العمل إلى دائمة بعد ثلاثة أشهر، والثغرات في تنظيم الفصل السنوي وطوارئ العمل، والإبقاء على المادة 50 من دون تعديل فعلي، واستثناء العاملين في البلديات، وفتح الباب أمام عقود مؤقتة تمتد لسنوات في تعارض مع فلسفة القانون، وغياب رؤية واضحة لحماية النساء من التحرش، وضعف الإطار المتعلق بالعمال الأجانب والمهاجرين. وظهرت مشكلة إضافية في حصر النقاش بين الوزارة والهيئات المصنّفة "الأكثر تمثيلاً"، بينما يفترض بقانون بهذا الحجم أن يكون ثمرة حوار اجتماعي واسع، يشارك فيه الذين يمسّهم مباشرة، لا من يُختارون بمرسوم.

وبناء على ذلك يتقدّم مرصد حقوق العمال بمسودة قانون شاملة تحاول سد الثغرات وإطلاق نقاش وطني على قاعدة أن قانون العمل ليس مجرد نص تنظيمي، إنما هو عقد اجتماعي يحدد شكل الحماية، وملامح العدالة، وحدود السلطة في سوق عمل مضطرب. فأي قانون نحتاج إليه في بلد تتغير فيه أشكال العمل، وتتراكم فيه الهشاشة، وتتعاظم فيه الحاجة إلى حماية تعيد للعامل كرامته، وللعلاقة المهنية توازنها؟

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث