دُعي أعضاء جمعيّة المصارف إلى اجتماع طارئ، مساء يوم الجمعة الماضي، مع ممثلي شركة أنكورة، المُكلّفة بتمثيل الجمعيّة في مفاوضات قانون الفجوة الماليّة. كانت الغاية من الاجتماع عرض آخر ما استجدّ، على مستوى المقاربات التي سيتم تضمينها في مسودّة مشروع القانون، المُرتقب إحالتها إلى مجلس الوزراء قريباً بعد الأخذ برأي صندوق النقد الدولي.
ثلاثة مصادر من داخل الجمعيّة أكّدت لـ"المدن" أنّ غالبيّة المصارف الأعضاء، وخصوصًا الأصغر حجمًا منهم، باتوا يميلون للتحفّظ على الوجهة العامّة للمشروع، وفقًا لما تم عرضه داخل الاجتماع، وخصوصًا في الجانب المتّصل بحجم الالتزامات التي ستتحمّلها المصارف في عمليّة تسديد الودائع. كما أكّدت المصادر نفسها أن ثمة امتعاض بدأ بالظهور مؤخرًا، في صفوف المصارف الأعضاء، إزاء طريقة تعامل إدارة الجمعيّة مع هذا الملف.
على المقلب الآخر، ثمّة تساؤلات من جانب آخر حول مرونة صندوق النقد الدولي، في تقبّل مقاربات هذه المسودّة، وخصوصًا إذا لم تنص على احترام مبدأ "تراتبيّة الحقوق والخسائر"، الذي تفرض تصفير رساميل أصحاب المصارف، أي حصص ملكيّتهم في المصارف، قبل الانتقال وتحميل الخسائر لأي جهة أخرى. بهذا المعنى، يمكن أن يكون مصير قانون الفجوة الماليّة المُنتظر مشابهًا لقانون إصلاح أوضاع المصارف، الذي أقرّه مجلس النوّاب في أواخر شهر تمّوز الماضي، لكنّه لم يلبّ شروط وملاحظات صندوق النقد، ما استلزم إعداد تعديل له من قبل الحكومة (ولم يُحل هذا التعديل إلى البرلمان بعد).
هذا ما يفتح باب الخشية من سيناريو لا يبعث على التفاؤل: أن يواجه مشروع قانون الفجوة حرب اللوبي المصرفي داخل الحكومة والبرلمان، دون أن يلبّي الغاية التي أُعد من أجلها، أي التكامل مع مسار التعافي المالي في إطار الاتفاق مع صندوق النقد. في هذه الحالة، سيكون مشروع القانون جمرةً بيد من يحملها،
لماذا يمتعض معظم أصحاب المصارف؟
وفقاً لما تم طرحه في الاجتماع، بات من الواضح أن وجهة القانون ستُحدّد المسؤوليّة بالنسبة للمصارف على أساس قيمة مساهمتها في تسديد الودائع، وهي بمقدار 8 مليار دولار أميركي في عمليّة دفع الودائع التي تقل قيمة كلّ منها عن 100 ألف دولار أميركي، و6 مليار دولار أميركي على شكل ضمانات لتسديد الودائع التي تتجاوز قيمتها هذا الحد المضمون. وهذا ما يعني تحميل المصارف كلفة إجماليّة تقارب قيمتها 14 مليار دولار أميركي، في إطار عمليّة إعادة الهيكلة، من دون احتساب الاحتياطات الموجودة في مصرف لبنان. وبذلك، ستُحدد إمكانية استمرار كل مصرف تجاري، بعد خضوعه لعمليّة إصلاح الوضع، أو تصفيته، وفقاً لقدرته على تسديد هذه القيمة.
بطبيعة الحال، يبتعد هذا المعيار، في تحديد مسؤوليّة المصارف، عن المقاربة التي يطالب بها صندوق النقد الدولي، والتي لا تقوم على تحديد مسؤوليّة إجماليّة في عمليّة السداد، بل على شطب مساهمات أصحاب المصارف في مصارفهم، بهدف إعادة تكوين هذه المساهمات عبر سيولة جديدة يضخّها مساهمون جدد أو حاليون. وترتكز المقاربة، التي يتبناها الصندوق، إلى مفهوم تراتبيّة الحقوق والمطالب في النظام المصرفي، والتي تضع مالكي المصارف في الدرجة الأولى، التي يُفترض أن تتحمّل أوّل شريحة من الخسائر إلى أقصى حد، قبل الانتقال إلى الفئات الأخرى من الدائنين.
من خلال اتصالات "المدن" مع المصرفيين الذين يتابعون هذه التطوّرات، بدا واضحاً أن أعضاء الجمعيّة من المصارف الصغرى والمتوسّطة، يبدون حذراً إزاء المقاربة التي يتم اعتمادها حالياً لإعداد قانون الفجوة. فبحسب هؤلاء، ستتمكّن المصارف الأكبر حجماً، التي تمتلك أنشطة وأرباح وفروع في الخارج، من تأمين السيولة اللازمة لتسديد الحصّة المطلوبة منها، في عمليّة دفع الودائع. أمّا المصارف الأقل حجماً فتضطر للخضوع لعمليّات التصفية أو الدمج، لعدم توفّر هذا النوع من السيولة. وهذا ما يمكن أن يكون أسوأ، بالنسبة للمصارف الصغيرة والمتوسّطة، من اعتماد معيار موحّد، مثل تصفير الرساميل وضخ رساميل جديدة لإعادة تكوين المساهمات.
وفقاً للمصرفيين المعترضين على هذه المقاربة، ثمّة إشكاليّة أساسيّة هنا. إذ لم يقم مصرف لبنان حتّى اللحظة بإجراء تدقيق شامل لميزانيّات كل مصرف على حدة، وهو ما يمنع فهم قدرة كل مصرف على تحمّل حصّته من السيولة المطلوبة للسداد. وبهذا الشكل، يمكن للمقاربة المُعتمدة حالياً أن تؤدّي إلى تصفية نسبة كبيرة من المصارف الموجودة في السوق، في مقابل الإبقاء على مصارف يمكن عدّها على أصابع اليد الواحدة.
بطبيعة الحال، تعبّر هذه النقاشات عن المصالح المتعارضة والمتناقضة الموجودة حالياً، داخل جمعيّة المصارف نفسها. مع الإِشارة إلى أن العديد من المعترضين على هذه المقاربة يطرحون كذلك انتقادات لاذعة لإدارة جمعيّة المصارف نفسها، التي امتنعت عن تشكيل لجنة موحدة للتفاوض بالنيابة عن القطاع، واكتفت بعقد اجتماعات جانبيّة وبروتوكوليّة مع وزير الماليّة، ما يوحي بوجود "نيّة مبيّتة لعدم توحيد مواقف المصارف الأعضاء في الجمعيّة". أمّا شركة أنكورة، فاكتفت بالتفاوض التقني ضمن الحدود التي وضعها مصرف لبنان، الذي كلّف شركة روتشيلد بتمثيله في تلك المفاوضات.
رأي صندوق النقد
في آخر زيارة لبعثة صندوق النقد إلى لبنان، كان واضحاً مدى تشدّد الصندوق في تبنّي مبدأ تراتبيّة الحقوق والخسائر، وتصفير الرساميل، عند إعادة هيكلة القطاع. فكيف سيرضى صندوق النقد بالمقاربة التي يتم اعتمادها حالياً، لإعداد قانون الفجوة، والتي تتجاوز هذا المبدأ؟
مصادر "المدن" أفادت بأن وزير المال ياسين جابر أبلغ جميع المعنيين أنّه سيتفادى الإحراج وتحمّل مسؤوليّة صياغة مشروع قانون لا يتلاءم مع شروط الصندوق، عبر عرض المسودّة على فريق صندوق النقد قبل طرحها في الحكومة. فإذا أبدى صندوق النقد ملاحظات جديّة على المسودّة، سيقوم جابر بعرض هذه الملاحظات بأمانة أمام مجلس الوزراء، على أن يترك للمجلس اتخاذ القرار المناسب. وبهذا الشكل، يكون جابر قد تفادى تعديل المسودّة، المتفق عليها مع مصرف لبنان، بناءً على تعليمات طرف خارجي، تاركاً لمجلس الوزراء مسؤوليّة القرار الأخير بهذا الشأن.
أخيراً، يبقى السؤال المنطقي حول سبب اللجوء إلى هذه المقاربة بالتحديد، التي تثير امتعاضاً واسعاً في أوساط اللوبي المصرفي النافذ، لتعارضها مع مصالحه، من دون أن تحقّق تطلّعات صندوق النقد بالكامل. الإجابة، بحسب عدّة مصادر مطلعة على مسار المفاوضات، تكمن في الحسابات الطائفيّة المرتبطة بهذا الملف. فشطب رساميل القطاع، وفتح باب إعادة رسملته عبر إدخال مساهمين جدد، ستغيّر هويّة الممسكين بإدارات وملكيّة المصارف التجاريّة. وتحدّي الحساسيّات الطائفيّة، يبقى أكثر صعوبة من تحدّي حسابات المصرفيين وصندوق النقد معاً.
