أخضعت "الإسكوا" صناعيين سوريين ومعهم خبراء اقتصاد، لجلسة عصف ذهني مضنية إلى حدٍ ما في فندق غولدن مزة وسط العاصمة السورية دمشق، اعتراها فصل حتمي للحواس لزوم تخيّل قوام خريطة الطريق الجديدة الواصلة بين دمشق وأوروبا.
وكان الاجتماع الذي عقد أمس أمام شاشة كبيرة حملت عنواناً قد يبدو بسيطاً للوهلة الأولى، لكنه يختصر معركة اقتصادية عالمية تُعاد صياغتها بعنوان "آلية تعديل الكربون عبر الحدود".
وإن كانت الورشة من تنظيم الإسكوا، إلا أن ممثلي الأخيرة كانوا حاملين رسالة تفضي إلى كشف حساب مع المستقبل. كلماتها وجملها المفتاحية "الدول تغيّرت، القواعد تبدّلت، والاتحاد الأوروبي لم يعد يفتح أبوابه لأي منتج لا ينسجم مع سياساته البيئية والاقتصادية الجديدة".
قواعد جديدة للّعبة
وضع رئيس قسم التكامل الإقليمي في الإسكوا الدكتور محمد الشمنقي، ما يمكن اعتباره نقاط حاسمة على الحروف في رسالة صريحة مفادها: أن هذه السياسات لم تعد اختيارية، فالعالم يتغيّر بسرعة، ومن لا يتأقلم سيجد نفسه خارج الأسواق.
وكان حديثه الخاص إلى "المدن" امتداداً لمشهد عالمي مضطرب، تصفه الإسكوا بـ"الحرب التجارية الجديدة"، حيث تُعيد الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي رسم حدود التجارة بأدوات من نوع آخر: معايير الكربون، الرسوم المناخية، والمنشأ البيئي.
وبعد أن عُرضت الرسوم البيانية على الشاشة، ظهر بوضوح أن التحدي ليس حسابات جمركية فحسب، بل إعادة صياغة كاملة لأدبيات الإنتاج.
وفي استراحة قصيرة، تبادل رجال الأعمال نظرات توجّس صريحة، هل يمكن للمنتجات السورية أن تعبر الحدود مجدداً؟ وهل يمكن للمصانع المحلية الالتزام بمعايير صارمة لم تتعامل معها من قبل؟
وفيما يشبه التفكير بصوت عالٍ، عبّر مدير غرفة تجارة دمشق عامر خربوطلي بصراحة عن هواجس الحضور، لافتاً إلى أن كل الدول تحمي منتجاتها، لكن لا بدّ من التفاوض بذكاء للاحتفاظ بالأسواق القريبة على الأقل.
فالاتفاقيات التفضيلية موجودة، ولكن وضعها القانوني غامض، وهذا تحدٍّ إذا أردنا الانضمام للمنظمات العالمية.
وكان حديث خربوطلي مزيجاً بين الواقع والتحذير، لأن الطريق نحو أوروبا لم يعد بذلك الوضوح الذي كان من قبل، حين كانت القارة تستورد نحو 40 في المئة من صادرات سوريا.
اقتصاد يبحث عن هوية
وتابع ممثل الإسكوا حديثه إلى "المدن" ليُكمل الصورة، لكن هذه المرة بنبرة تنطوي على شيء من العتاب: "إعادة الإعمار ليست إسمنتاً وحجارة، إنها حاجة إلى سياسات مبتكرة، لا إعادة إنتاج الماضي".
ثم أضاف: الاتحاد الأوروبي لم يعد يكتفي بالشعارات، يريد التزامات قابلة للتطبيق، والشركات السورية التي ترغب بالتصدير يجب أن تلتزم بالمعايير الجديدة مهما بدت معقّدة.
كلام ممثل الاسكوا خلال الاجتماع عكس قناعة واضحة بأن سوريا تقف اليوم على مفترق طرق: إما اقتصاد جديد يقوم على الشفافية والمعايير، أو بقاء طويل خارج الأسواق العالمية. ليمسي التكيّف مع سياسات الاتحاد الأوروبي والاستفادة من هذه التجارب مطلوباً قبل فوات الأوان.
