قطاع الحبوب والمطاحن في سوريا... تحديات تهدد الأمن الغذائيّ

محمد كساحالثلاثاء 2025/12/02
GettyImages-2219168712.jpg
الأمن الغذائي في سوريا مهدد (غيتي)
حجم الخط
مشاركة عبر

جاءت خطة وزارة الاقتصاد والصناعة السورية لتطوير قطاع الحبوب والمطاحن بهدف تعزيز الأمن الغذائي الوطني واستدامة سلسلة الإمداد. ومع أهمية الهدف المعلن، يواجه هذا القطاع تحديات كبيرة تتمثل في نقص التمويل اللازم للتأهيل، يضاف إليها جملة من العوائق القانونية واللوجستية والسياسية.

وانطلاقاً من هذه المعوقات، تغدو خطة الوزارة غير واقعية في ظل الظروف الراهنة، إلا إذا كان التوجه في تطبيقها سيعتمد على توسيع القطاع الخاص في هذين المجالين، وبالتالي: تعديل أسعار الطحين والخبز بما ينعكس سلباً على قوت المواطن السوري، وصولاً إلى إثقال كاهله بأعباء معيشية إضافية.

 

الخسائر فادحة بقطاعي الصوامع والمطاحن

وفقاً للأرقام الرسمية، تراجع أداء المطاحن في سوريا، بحيث لا تنتج اليوم سوى حوالى 14.8 ألف طن، كما توجد 188 مطحنة، تعمل منها فعلياً 162 فقط. بينما تعرضت الصوامع إلى الدمار الواسع الذي أخرج قسماً منها عن الخدمة، في حين يعمل قسم آخر بقدرات تشغيلية منخفضة. 

ويلاحظ الباحث في مركز عمران للدراسات أيمن الدسوقي أن تأهيل وتطوير قطاعي الصوامع والمطاحن يشكل أولوية، بالنظر إلى ارتباطهما المباشر بالأمن الغذائي والاستقرار المجتمعي، خصوصاً بعد الخسائر الكبيرة التي لحقت بهما خلال السنوات الماضية، مشيراً في حديث إلى "المدن" إلى أن أي خطة طموحة لبناء منشآت جديدة أو إعادة تأهيل القائم منها تواجه اليوم بجملة من التحديات القانونية والمالية واللوجستية والسياسية. 

كان ملف الصوامع والمطاحن طوال السنوات السابقة جزءاً من التنافس بين الشركات الروسية والإيرانية، والتي حصلت على عقود خلال عهد النظام السابق، نُفذ بعضها بالفعل. ومع سقوط نظام الأسد، يبرز سؤال محوري حول مصير تلك العقود، والجهات الإقليمية والدولية التي قد تسعى لحجز موقع لها بديلاً عن روسيا وإيران في هذين القطاعين الحيويين. 

 

توسيع القطاع الخاص كارثي

من جهة أخرى، يرى الدسوقي أن أي جهد لإعادة البناء أو التأهيل يحتاج إلى موارد مالية، قد لا تكون في متناول الحكومة السورية في ظل ضعف الإمكانات الحالية، وبالتالي، يبقى التمويل عبر عقود استثمارية أو من خلال دعم المانحين الدوليين والأمم المتحدة خياراً مطروحاً، وسط مخاوف شعبية حقيقية من أن يؤدي توسع القطاع الخاص في هذين القطاعين إلى إعادة النظر في تسعير مادتي الطحين والخبز، بما قد يحمل المواطنين أعباء إضافية. 

إلى ذلك، لا يمكن إغفال تأثير الوضع الأمني وتعقيدات المشهد في شمال شرق سوريا، ما قد يعرقل تنفيذ أي خطة على الأرض. كما أن غياب الإحصائيات الدقيقة والشفافة حول واقع الصوامع والمطاحن، يطرح أسئلة جدية حول مدى واقعية الخطط المطروحة ومدى انسجامها مع الواقع الفعلي.

 

تفاصيل خطة الوزارة

تقوم خطة الوزارة، وفق ما تم إعلانه بعد الاجتماع الذي جرى في 14 تشرين الثاني الحالي، على إعادة تأهيل قطاع الحبوب والمطاحن وتعزيز كفاءة التخزين والطحن والتوزيع.

وتضمنت الخطة إنشاء صوامع معدنية حديثة في كل من البوكمال والميادين في محافظة دير الزور، ومعدان في محافظة الرقة، وخان شيخون وبسيدا وتل مرق في محافظة إدلب، وفق أحدث المعايير الفنية والتقنيات العالمية للتخزين الآمن للحبوب.

كما سيتم إعادة تأهيل الصوامع البيتونية في القلعة في محافظة حماة، وخان طومان في محافظة حلب، وسبينة وعدرا في ريف دمشق، وسراقب وأبو ظهور في محافظة إدلب، لإعادتها إلى الخدمة بأقصى سرعة استعدادًا للموسم المقبل.

في ما يخص قطاع المطاحن، أكدت الوزارة أن خطتها تشمل: البدء بتطوير المطحنة الحالية في دير الزور، وإنشاء مطحنة جديدة بطاقة 200 طن يوميًا، والإيعاز بالبدء بتحديث المطحنة الوطنية في دمشق لتواكب أحدث النظم التقنية، إضافة لاستكمال توقيع العقود اللازمة لوضع مطاحن اليرموك في درعا، وخان طومان وتل بلاط في حلب بالاستثمار، لتكون جاهزة للعمل خلال أقل من عام باستخدام أحدث الآلات وأكثرها تطورًا.

وذكرت الوزارة أنه يتم تزويد جميع الصوامع والمطاحن بأجهزة تحليل مخبرية حديثة ومتطورة لضمان مطابقة القمح والطحين للمعايير النوعية والصحية.

كما يجري العمل على تحديث صوامع السلمية ومطحنة الغزلانية في دمشق بالتعاون مع برنامج الأغذية العالمي (WFP)، في إطار شراكة استراتيجية تهدف إلى تطوير القدرات الفنية وتحسين كفاءة التشغيل والاستجابة السريعة لحاجات السوق المحلية.

 

الأولوية لدعم قطاع الزراعة

ويصف الباحث ومدير منصة "اقتصادي" يونس الكريم الخطط التي أعلنتها وزارة الاقتصاد بأنها "غير واقعية". مشيراً في حديث إلى "المدن" إلى أن هذه الخطط تفتقر إلى الدراسات المعمَّقة التي تُعد مسؤولية وزارة الزراعة، وبالتالي كان من المهم أن يتم التنسيق بين الوزارتين قبيل الإعلان عن الخطة.

ويوضح الكريم أن واقع الزراعة في سوريا متردٍ جداً، بينما إقامة الصوامع والمطاحن الآن هو تبذير للكتلة المالية المتواضعة في الخزانة العامة، في حين يحتاج إصلاح التدهور الذي طاول قطاع الزراعة إلى ثلاث أو أربع سنوات. وبالتالي، يعد التوسع بمشاريع الصوامع قبل العمل على إصلاح قطاع الزراعة تحركاً غير مدروس، لاسيما وأنه يُحمّل الخزانة العامة أعباء مالية جديدة كان يجب توجيهها نحو ملفات أكثر أولوية، وعلى رأسها إصلاح التدهور الحاصل بقطاع الزراعة.

ويلاحظ الكريم أن خطة وزير الاقتصاد نضال الشعار حول الصوامع والمطاحن تعد محاولة للعودة إلى ما قبل الـ 2011 التي شهدت توسعاً في مشاريع المطاحن، كنتيجة طبيعية لتحسن واقع الزراعة وتوفر الاحتياطي المالي الذي ساعد الدولة على توفير الملاءة المالية لهذه المشاريع. 

لكن مع اندلاع الثورة في العام 2011 لم تبصر هذه المشاريع النور، على رغم  العمل عليها، وهي الآن موجودة في مناطق عديدة، وفقاً للكريم الذي يلفت إلى أن الأولى والأجدر كان إعادة ترميم وتأهيل هذه المطاحن عوضاً عن تأسيس مشاريع جديدة تحتاج إلى تمويل كبير.

 

فجوة كبيرة

ومن جانب آخر، يشير الكريم إلى فجوة في خطة وزارة الاقتصاد تتعلق بالحديث عن مناطق شرقي الفرات، لا إمكانية للوزارة لدخولها وإطلاق خطتها فيها، وهي مسألة تثير الاستغراب نظراً لعدم التوصل إلى تنفيذ اتفاق آذار/مارس بين قسد ودمشق حتى الآن.

وفضلاً عن هذه المسألة التي يرى الكريم أنها غير مدروسة، هناك تساؤلات عديدة حول كيفية تأمين استجرار الحبوب من الخارج لملء الصوامع الجديدة، نظراً لأن الناتج الزراعي الحالي لن يستطيع تعبئتها، خصوصا مع غياب الدعم الحكومي عن هذا القطاع، باستثناء مشاريع القرض الحسن التي شرعت الحكومة في تنفيذها، وهي عبارة عن صيغة إسلامية من القروض يتوجب على المزارع سدادها في حال نجح الموسم الزراعي، بينما يسقط تحصيلها في حال الخسارة. وبالمجمل فالمزارع وفقاً لهذه القروض لم يعد يحصل على الدعم الحكومي كما في السابق.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث