تعود عجلة معرض رشيد كرامي الدولي إلى العمل بعد انقطاع دام لسنوات، شلّ هذا المرفق الحيوي الذي لطالما كانت المدينة تتطلّع إلى التنفّس من خلاله.
فالمعرض، وما رُصد له من أموال طائلة ومبان ضخمة، ظل هياكل خاوية تشهد على الفساد والإهمال المستشري في هذا البلد. وطرابلس التي كانت مؤهّلة لتنافس أكبر المدن الساحلية في الشرق الأوسط اقتصادياً، أفقدها تعطيل هذا المرفق دورها وانعكس سلباً على مجتمعها.
اليوم تبدو بوادر انجلاء هذه الغيوم، فالمعرض بدأ يعيد للمدينة شيئاً من حضورها الاقتصادي ويؤكد قدرتها على استضافة فعاليات عالمية وصناعة فرص جديدة للشمال اللبناني، عبر احتضانه النسخة الأولى من المعرض الدولي للبناء والتكنولوجيا، مقدّماً للمرة الأولى فعالية عابرة للبنان منذ عام 1995.
يمتد المعرض على مدار ثلاثة أيام (28–30 تشرين الثاني)، ويشهد مشاركة أكثر من 60 شركة محلية وعربية وأجنبية من ست دول: لبنان، سوريا، قطر، قبرص، فرنسا، وألمانيا. ويأتي الحدث بمثابة منصة للابتكار وتطوير قطاع الإعمار، وإعادة ربط الشمال بالدورة الاقتصادية الإقليمية والدولية.
منبر للتلاقي يرسم ملامح رؤية عمرانية
خلال الافتتاح شدّد ممثلو الشركات المشاركة على أنّ التكنولوجيا والابتكار في قطاع البناء ليست مجرد أدوات تطوير، بل تشكل أساساً لبناء مستقبل اقتصادي متماسك. وأكدوا أن أهمية المعرض تتجاوز كونه مساحة عرض، ليصبح منبراً للتلاقي وتبادل الخبرات بين الشركات والمؤسسات المتخصصة.
وإلى جانب الأجنحة والمعروضات، يتضمن الحدث سلسلة ندوات نقاشية حول المدن الخضراء والمدن الرقمية والطاقة المتجددة، في محاولة لرسم ملامح رؤية عمرانية أكثر استدامة تعتمد على أحدث التقنيات. ويضفي حضور شركات من عدة دول بعداً دولياً لافتاً على المعرض، ويعكس حجم الاهتمام بطرابلس كوجهة صاعدة لهذا النوع من الفعاليات المتخصصة.
صورة جديدة للمعرض… وبداية مسار مختلف
خلال جولة "المدن" في أروقة المعرض يبرز انطباع واحد: طرابلس تدخل مرحلة جديدة. وهذا ما أكده رئيس مجلس إدارة معرض رشيد كرامي الدولي الدكتور هاني الشعراني الذي قال لـ"المدن": نحن نتشرّف بأن تُقام النسخة الأولى من المعرض الدولي للبناء والتكنولوجيا في معرض رشيد كرامي في طرابلس. هذه هي الصورة الحقيقية لمعرض رشيد كرامي. ما نشهده اليوم هو فعلاً إعادة إحياء للمرفق من خلال وجود شركات عالية المستوى تشارك معنا. يجب أن نعرف أن مسيرة معرض رشيد كرامي انطلقت، وبهمة أهل الشمال نستطيع تحسين الواقع ليصبح المعرض واحة ومساحة اقتصادية نطوّر من خلالها كل القطاعات في الشمال.
أما رئيس غرفة التجارة والصناعة والزراعة في طرابلس توفيق دبوسي فاعتبر أن انعقاد هذا الحدث في طرابلس تطور طبيعي، لأن المدينة، بحسب تعبيره، تملك القدرة على احتضان فعاليات بهذا المستوى. وقال في حديث لـ"المدن": ما نشهده اليوم طبيعي جداً، وأهميته كبيرة. هذا المعرض سيترك أثراً مهماً، وسيشكل دافعاً إضافياً لقطاعات أخرى كي تتجه نحو مبادرات مماثلة.
ما شهدناه اليوم هو بداية مسار مختلف وصورة جديدة للشمال اللبناني الذي لم يعد ينتظر الدعم فقط، بل يصنع فرصه ويحدّد خطواته. وإذا استمرت هذه المبادرات بالوتيرة نفسها، فإن طرابلس ليست بعيدة عن أن تصبح مركزاً حيوياً للابتكار والتنمية، وحاضنة لكل من يسعى إلى التطور وخلق فرص جديدة في لبنان والمنطقة.
