في الحروب السابقة، كان سهلاً على الجنوبيين أن يعيشوا تناقضات وطنهم بين أرضٍ تتعرّض لاعتداءات إسرائيلية وأراضٍ تنعم بالطمأنينة. بل شكَّلَ التناقض فرصة للهروب نحو المناطق الآمنة، إلى حين انتهاء الحرب والعودة إلى الديار. لكنّ الحرب الأخيرة عمّقت التناقض وأوجدت واقعاً جديداً بأفق مظلم. فالتناقض طال هذه المرّة الجنوب نفسه، وبات للجنوبيين أولويات متنوّعة.
هذا هو الواقع الموجع الذي تغذيه ذكرى وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني 2024؛ إذ تعيد لأذهان الجنوبيين صوراً غير مرغوب بها، لكنها تفرض نفسها عليهم. أمّا التوغّل نحو القرى الحدودية، فيُحوِّل الصوَرَ إلى واقع قائم يعيشه أبناء القرى يومياً، ليصحّ القول بأنّ الحرب لم تنتهِ بعد.
قافلة العودة
سابَقَ الجنوبيون ساعات الفجر الأولى لدخول اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، فوصلوا إلى قراهم ومن بينها الحدودية التي لم يكن العدوّ الإسرائيلي قد انسحب منها بعد. على أنّ قافلة العودة في ذلك اليوم، لم تحمل نشوة التخلّص من كابوس الحرب والاحتلال، فعيون العائدين رصدت مسبقاً مستقبلها المشؤوم، فالسؤال الأوّل كان: إلى أين؟، وهنا تجلّى التناقض الجنوبيّ الأوّل بين عائدين إلى مناطق آمنة نسبياً تمتدّ حتى تخوم مدينتيّ صور والنبطية، وعائدين إلى مناطق الخطر الأعظم؛ أي قرى الحدود.
وفي حين استعاد أبناء قرى صور والنبطية حياتهم تباعاً، ظهَرَ تناقض آخر بين أبناء القرى الحدودية؛ إذ سمحت الإمكانات المادية لبعضهم باستئجار منازل في المناطق الآمنة، في حين أجبرت الضائقة المالية قسماً آخر على العودة إلى الحدود وتأهيل ما أمكَن من منازل صالحة للسكن نسبياً، أو استئجار ما نجا منها، بأسعار زهيدة مقارنة مع الإيجارات المرتفعة في مناطق أخرى.
عيشة صعبة
الاقتراب من القرى الحدودية يطلق شعوراً بثقل لا تفسير له، ليس عياءً جسدياً وليس مرضاً نفسياً؛ بل شعور أقرب إلى العجز. فحجم الدمار وقلّة السكّان وشحّ المواد الغذائية والأدوية في بعض القرى، يؤكّد صعوبة الحياة اليومية وعجز السكان والدولة عن إعادة الزمن إلى ما قبل 8 تشرين الأول 2023.
دمار في كل مكان. بيوت تداخَلَ ركامها لدرجة استحالة تحديد ما إذا كان الركام لمنزل أو اثنين أو أكثر. دكاكين ومؤسسات صناعية احترقت ودمّرت. ورش حدادة صناعية وحدادة سيارات وصيدليات وحضانات أطفال ومحال حلاقة واكسسوارات وتعبئة عطورات ومياه... وما إلى ذلك، كلّها غابت عن المشهد وبات ما تبقّى من حجارتها شاهداً على ضجيج سكّان كانوا هناك وكانت أحلامهم وطموحاتهم أيضاً. واليوم، يتحدّى مَن قرَّر مكرهاً العودة، كل الظروف الصعبة. فالبنى التحتية للقرى الحدودية لا تشجّع على العودة الجماعية، في حين ما زالت إعادة الإعمار حلماً بعيد المنال. ومع ذلك، نجح بعض الجنوبيين في استعادة بعض أشكال الحياة، خصوصاً مع إعادة افتتاح محطات البنزين والأفران والمحال التجارية وبعض الورش الصناعية، وبدا ذلك بوضوح بين بنت جبيل وعيترون وميس الجبل، في حين غابت الحياة في قرى أخرى، مثل مارون الراس والضهيرة وعيتا الشعب... وغيرها.
ضغوط العيش هناك تتفاقم في موسم الشتاء، فغياب الكهرباء وانحسار الحركة التجارية إلى حدّ الانعدام وفرص العمل الضئيلة التي لا تتخطّى بعض التصليحات والمهام التي لا تدرّ عائداً مالياً كبيراً، تقدّم خلاصة تُلتَمَس أحياناً من تعابير الوجوه وأحياناً أخرى تُنطَق بلسان مبين: هي عيشة لم تعد تُطاق. أمّا الخيار الأفضل بالنسبة للكثير من الشبان، فهو الهجرة، لكنّ السبيل إليها صعب.
حال الجنوب والجنوبيين عند الحدود، يتخطى ما يمكن احتماله. فحتى مَن يُخفي قهره بعبارات الصمود والتمسّك بالأرض، سرعان ما ينهار تحت وطأة العيش الصعب. فالتمسّك بالأرض حقّ إنساني، لكن الحياة الكريمة حقٌّ أيضاً. ولذلك، فإنّ عودة الجنوبيين مأزومة وصمودهم هشّ يشبه هشاشة الاستقرار السياسي والأمني للبنان والمنطقة.
