الفوسفات السوري لم يُستثمر فعلاً: رهان ما بعد التحول السياسي

محمد كساحالأربعاء 2025/11/26
Image-1764101332
الفوسفات بين الحراك الحكومي والجمود الاستثماري (غيتي)
حجم الخط
مشاركة عبر

بالرغم من أن الحكومة السورية وضعت الفوسفات في صدارة أولوياتها الاقتصادية، باعتباره ثروة وطنية قادرة على دعم مرحلة إعادة الإعمار وتنشيط التجارة الخارجية، إلا أنه لا يمكن الحديث عن استثمارات جديدة بالمعنى الحقيقي، داخل المناجم أو في صناعة الأسمدة، إنما يقتصر النشاط الحالي على عمليات بيع وتصدير تجارية للخام الموجود من قبل الشركة العامة للفوسفات والمعادن، من دون دخول أي شركة أجنبية أو محلية في مشاريع تطوير أو تنقيب جديدة. وبمعنىً آخر، يشهد القطاع نشاطاً تسويقياً لا استثمارياً.

 

النشاط الحكومي بالأرقام

وفي أحدث مؤشرات العناية الحكومية بالتسويق للفوسفات السوري، أُعلن عن اجتماع بين سراج الحريري ممثلاً عن المؤسسة العامة للجيولوجيا والثروة المعدنية، مع إدارة شركة ALIXIR GROUP الصربية، تمهيدًا لتوقيع عقود استثمارية واعدة في مجال الفوسفات ومشاريع صناعية أخرى قائمة عليه.

مدير المؤسسة العامة للجيولوجيا والثروة المعدنية الجيولوجي سراج الحريري أكد لـِ "المدن" أنه منذ سقوط النظام السابق يشهد قطاع الفوسفات السوري إقبالاً متزايداً من المستثمرين المحليين والدوليين، كاشفاً أن وزارة الطاقة أطلقت سلسلة من المناقصات والمزايدات لتطوير المناجم ورفع مستوى الإنتاج، ما يعكس عودة الثقة بالبيئة الاستثمارية.  

تمتلك سوريا احتياطياً يقدَّر بنحو 1.8 إلى 2.1 مليار طن من الفوسفات، وفقاً لما يضيفه الحريري، ما يضعها ضمن أكبر خمس دول عالمياً في هذا المجال. هذه الثروة تُعدّ مصدراً استراتيجياً لدعم الاقتصاد الوطني، سواء عبر التصدير أو عبر تغذية الصناعات المحلية المرتبطة بالأسمدة والمواد الخام.  

وبما يتعلق بالصادرات، أكد أن عمليات التصدير استؤنفت في نيسان الماضي، حيث غادرت أول باخرة محملة بـِ 10 آلاف طن من مرفأ طرطوس، وتوالت بعدها الشحنات لتصل خلال ثلاثة أشهر إلى نحو 180 ألف طن وتحاوزت الكمية الاجمالية المصدرة 550 ألف طن لغاية اليوم. وتوجَّهت هذه الصادرات إلى دول مثل مصر، رومانيا، تركيا، اليونان، والهند، بموجب عقود مع شركات دولية ومحلية.  

 

خطط وتحديات

وفي سياق متصل، يؤكد الحريري أن خطط الحكومة لتنشيط القطاع، تتضمن: رفع الإنتاج إلى 5 ملايين طن بحلول 2026، مع هدف طويل الأمد للوصول إلى 10 ملايين طن سنوياً بحلول 2027، إضافة إلى تطوير البنية التحتية للنقل والتخزين والتصدير لضمان انسيابية حركة الشحن، بالتوازي مع تخصيص جزء من العائدات لدعم الصناعات المحلية المرتبطة بالمواد الخام.  

ويشير إلى تحديات كبيرة تواجه تنشيط هذا القطاع المهم وأبرزها: العقوبات الغربية التي تعيق حركة التصدير وتحد من الوصول إلى الأسواق، والحاجة إلى تحديث تقنيات الاستخراج والمعالجة لضمان جودة تنافسية، وإعادة بناء الثقة مع المستثمرين بعد سنوات من التراجع.  

 

لا استثمارات حقيقية حتى الآن

من جهته الباحث الاقتصادي في شركة كرم شعار للاستشارات ملهم جزماتي يلاحظ خلال حديث لـِ "المدن" أنه بالرغم من هذا النشاط التجاري الملحوظ في قطاع الفوسفات، لم يُسجَّل أي استثمار رأسمالي جديد داخل المناجم منذ سقوط النظام؛ إذ ما تزال العقود القديمة، ولا سيما العقد الروسي الموقع في العام 2018، تشكل عائقاً هيكلياً أمام أي دخول جديد.

ويرى أنه بالرغم من المناقصات المطروحة وحالة الاهتمام الدولي المتزايد، يمكن القول إن الاستثمار الحقيقي في الفوسفات السوري لم يبدأ بعد. فما يجري حالياً لا يتجاوز إطار البيع التجاري للخام الذي تديره الشركة العامة للفوسفات والمعادن، من دون دخول فعلي لرأس مال جديد في عمليات الاستخراج أو التصنيع.

ويضيف بأنه خلال سنوات النظام السابق، كان قطاع الفوسفات نموذجاً مكثفاً للطريقة الروسية في الاستثمار في سوريا: اعتماد مفرط على استخراج الموارد الأولية وتصديرها من دون أي قيمة مضافة للاقتصاد المحلي، عبر شركة Stroytransgaz (STG) الخاضعة للعقوبات، والتي حصلت على عقد مدته خمسون عاماً يمنحها 70 في المئة من العائدات مقابل 30 في المئة فقط للدولة السورية.

وبالرغم من أن الحكومة الانتقالية أعلنت في مطلع 2025 إلغاء امتياز الشركة لإدارة مرفأ طرطوس، فإن مصير عقدها في مناجم الفوسفات ما يزال غامضاً. وتشير تحقيقات مشروع OCCRP إلى أن الشركة ما زالت تنشط في تصدير الفوسفات السوري عبر شبكات وسطاء وشركات وهمية لتجاوز القيود الأوروبية، وهذا ما يجعل هذا القطاع حتى اللحظة رهينة العقود الموروثة والشفافية المحدودة، بالرغم من الحراك الحكومي لإعادة تشغيله.

 

هيمنة روسية وإيرانية

وفقاً للمعلومات والأرقام التي قدمها جزماتي لـِ "المدن" فإنه منذ العام 2018، هيمنت الشركة الروسية Stroytransgaz (STG) وشركاتها التابعة على منجمي الشرقية وخنيفيس بموجب عقد طويل الأجل يمتد لخمسين عاماً، ينص على تقاسم غير متكافئ للأرباح يمنح الشركة 70 في المئة من العائدات مقابل 30 في المئة فقط للدولة السورية. هذا الترتيب جعل العائد الصافي للخزينة محدوداً للغاية مقارنة بحجم المورد الطبيعي الكبير. كما كشفت تحقيقات استقصائية دولية أن نشاط STG اعتمد على سلاسل توريد معقدة سمحت للفوسفات السوري بالوصول إلى الأسواق الأوروبية عبر وسطاء بالرغم من العقوبات، وهذا ما جعل هذا القطاع أحد أبرز نماذج الاستغلال الاقتصادي في حقبة ما قبل التحول السياسي.

أما على الجانب الإيراني، فقد كانت طهران من أوائل الأطراف المهتمة بالفوسفات السوري، حيث وقّعت مع دمشق في العام 2017 مذكرة تعاون لتشغيل منجم الشرقية قرب تدمر، مع اهتمامٍ موازٍ بمنجم خنيفيس لاحتوائه على نسب من اليورانيوم، وفق وثائق إعلامية مسرّبة. 

 

خطط الحكومة تواجه تحديات بنيوية

ومن جانب آخر، يرى جزماتي أن وزارة الطاقة تسعى إلى تحويل قطاع الفوسفات من نشاط محدود إلى ركيزة إنتاجية كبرى، عبر رفع الطاقة الاستخراجية إلى نحو 6 ملايين طن سنوياً بحلول نهاية 2026، ثم إلى 10 ملايين طن في 2027، مع توجيه الجزء الأكبر من الصادرات نحو الأسواق الأوروبية والآسيوية. وبالرغم من الطابع الطموح لهذه الخطط، فإنها ما تزال تواجه تحديات بنيوية معقدة، تتداخل فيها المعضلات الأمنية واللوجستية والقانونية.

فعلى المستوى الميداني، لا تزال الحقول الغنية في البادية السورية عرضة لهجمات متفرقة من خلايا داعش، وهو ما يفرض كلفة أمنية مرتفعة ويعرقل انتظام النقل من المناجم إلى المرافئ. أما البنية التحتية للنقل، وخاصة السكك الحديدية الواصلة بين مناجم حمص ومرفأ طرطوس، فهي شبه متهالكة، وهو ما يجعل نقل الفوسفات عملية مكلفة وبطيئة، تحدّ من الجدوى الاقتصادية لأي توسع في الإنتاج.

لكن العائق الأعمق يبقى قانونياً وسياسياً: فالعقود الموروثة من الحقبة السابقة، وفي مقدمتها عقد Stroytransgaz الروسية الممتد لخمسين عاماً، ما تزال تُكبِّل قدرة الحكومة على إعادة هيكلة القطاع أو جذب شركاء جدد..

وإلى جانب هذه العوامل، تواجه الوزارة معضلة نقص القدرات الفنية والتمويلية؛ إذ تفتقر الشركات المحلية إلى التكنولوجيا اللازمة لتطوير المناجم أو إنشاء مصانع تحويلية للأسمدة، وهذا ما يجعل الاستثمار الأجنبي شرياناً لا غنى عنه في المرحلة المقبلة. غير أن جذب هذا الاستثمار يتطلب أولاً بيئة قانونية واضحة وضمانات سيادية تفصل بين استغلال الثروات الوطنية والسيطرة الأجنبية عليها.

 

في انتظار تحول خليجي نوعي

ومع ذلك، تتصاعد المؤشرات على أن المرحلة المقبلة قد تشهد تحولاً خليجياً نوعياً، تقوده المبادرة السعودية عبر صندوق "إيلاف" للاستثمار في سوريا، الذي أُعلن عنه كأداة تمويل وتنمية تستهدف القطاعات الإنتاجية الثقيلة، وفي مقدمتها الطاقة والتعدين والفوسفات، وفقاً لما يضيفه الباحث جزماتي، الذي يؤكد أن تأسيس هذا الصندوق يعكس نقلة في المنهج الخليجي تجاه سوريا: من المساعدات والمنح إلى الاستثمار المؤسسي طويل الأجل، بما يتوافق مع الرؤية السعودية للتكامل الاقتصادي الإقليمي.

وفي حال ترسّخت هذه المقاربة، يمكن أن يشكل "إيلاف" نموذجاً لتعبئة رأس المال الخليجي نحو مشاريع تحويلية مثل مصانع الأسمدة الفوسفاتية، وهو ما يمنح سوريا فرصة لتجاوز نموذج التصدير الخام الذي ساد طوال العقد الماضي، وبناء سلسلة قيمة محلية تخلق وظائف وتعزز العائد الضريبي.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث