فرصة تاريخيّة تفوّتها مجموعة "بريكس"

قمة مجموعة البريكس في روسيا 2024 (Getty).jpg
بدا التكتل أداةً ضرورية لمواجهة نظامٍ عالمي يزداد اضطرابًا (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

تأسّست مجموعة دول "بريكس" في العام 2009، بعضوية كل من البرازيل، وروسيا، والهند، والصين، وجنوب أفريقيا. ثم توسّعت مؤخراً لتشمل -فضلاً عن الدول المؤسّسة- مصر وإثيوبيا وإيران وإندونيسيا والإمارات العربية المتحدة. ومنذ البداية، كان الهدف من تأسيس المجموعة الرد على هيمنة الدول الغربيّة على المؤسّسات الماليّة الدوليّة والاقتصاد العالمي، وإنشاء منصّة تعطي دول الجنوب الناشئة تمثيلاً أفضل على الساحة العالميّة.

صحيفة "فورين أفيرز" نشرت مقالاً تحليلياً وجد أنّ إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب منحت دول "بريكس" فرصة نادرة ومهمّة، للتوحّد في مواجهة سياسات البيت الأبيض الشرسة والمستجدة. غير أنّ دول المجموعة لا تزال تفوّت هذه الفرصة، بفعل انقساماتها، وتباين مصالحها وتوجهاتها.

 

هدف مشترك ولكن…

هذا العام، اكتسبت مجموعة "بريكس" شعورًا متجدّدًا بهدف مشترك، وبفضل عاملٍ واحد: الولايات المتحدة. فمع عودة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، بدا هذا التكتّل اليوم، أكثر من أيّ وقت مضى، أداةً ضرورية لمواجهة نظامٍ عالمي يزداد اضطرابًا وتفكّكًا. وبالفعل، أثارت العديد من خطوات ترامب إداناتٍ متشابهة من دول "بريكس"، كحال حملته الفوضويّة التي فرضت الرسوم الجمركيّة ضدّ الأصدقاء والخصوم، وضرباته لإيران، وعملياته العسكرية ضد فنزويلا. 

لقد سلّطت سياسات ترامب الضوء بوضوح على أسباب وجود البريكس: مساعدة الدول الأعضاء على التكيّف مع عالمٍ أقلّ تمركزًا حول الغرب، واكتساب نفوذٍ أكبر في تعاملاتهم مع واشنطن، وإيجاد بدائل للمؤسّسات التي يهيمن عليها الغرب مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي.

لكن على الرغم من مصالحها المشتركة، فإنّ دول "بريكس" ككتلة غير مستعدّة لاقتناص هذه اللحظة. فأعضاؤها أكثر انقساماً من التحوّل إلى تحدٍّ حقيقي لواشنطن. وهم يختلفون بشدّة في درجة عدائهم للولايات المتحدة، في حين تسعى كل دولة للحفاظ على استقلالها الاستراتيجي. ونتيجةً لذلك، ستجد الكتلة صعوبةً في إطلاق عملٍ مشترك.

 

الفرص التي منحها ترامب لـِ "بريكس"

في الوقت الذي كان فيه الرؤساء الأميركيون السابقون يتجاهلون في الغالب البريكس، تبنّى ترامب موقفًا أكثر تصادميّة. فقد وصف البريكس بأنّها "كتلة معادية لأميركا"، وهدّد مرارًا بفرض رسومٍ جمركيّة بنسبة 100% على أعضائها إذا ما استبدلوا الدولار الأميركي بعملات دوليّة أخرى. 

بعضُ أعضاء "بريكس"، مثل الصين وروسيا، لديهم قدرة أكبر على تحمّل الضغط الأميركي مقارنةً بآخرين مثل البرازيل والهند وجنوب أفريقيا. لكنّ جميعهم بات لديهم إدراكٌ أوضح بأن تكتّلهم معاً سيزيدهم قوّة: فكلّما تصرّفت الولايات المتحدة بعنجهيةٍ أكبر، ازدادت أهميّة المجموعة بالنسبة لأعضائها.

لسنواتٍ طويلة، حذّرت بكين شركاءها في البريكس من أنّ النظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة غير مستقرّ، وخاضع لتقلّبات المزاج السياسي في واشنطن. ولقد قدّمت القيادة الصينية عودة ترامب، وعدم موثوقيّة الولايات المتحدة كشريك في التنمية، كدليلٍ على أنّ جهود بكين في بناء مؤسّسات موازية -كحال "بريكس"- لم تكن سابقةً لأوانها؛ بل كانت رؤية استشرافيّة.

أما تداعيات رسوم ترامب، بما فيها التقلّبات في سوق السندات الأميركية وتذبذب الدولار، فقد دفعت بعض الدول النامية إلى اتخاذ خطواتٍ للتحوّط ضدّ اعتمادها على الدولار. وبالنسبة للصين وشركائها في "بريكس"، تُمثّل هذه التطوّرات فرصة لتعزيز الخدمات الماليّة غير الخاضعة لسيطرة الولايات المتحدة، وتطوير أدوات لتقليل الاعتماد على الدولار، وتسهيل التجارة بعملاتٍ بديلة.

ترى موسكو أيضاً فرصةً في الفوضى التي زرعتها إدارة ترامب. ففي عهد بايدن، فرضت الولايات المتحدة والدول الغربية الأخرى عقوبات غير مسبوقة على روسيا، ردًّا على حرب الكرملين العدوانيّة ضدّ أوكرانيا. ولهذا تدرك روسيا أنّ عليها تعزيز شراكتها مع دول "بريكس"، واستخدام التكتّل كشبكة دعم تساعدها على تحمّل ضغط العقوبات الغربية، وعلى إضعاف الهيمنة الأميركية عالميًا في مجالي المال والتكنولوجيا.

لقد أدّت حملةُ ترامب ضدّ البرازيل والهند وجنوب أفريقيا إلى إطلاق ديناميكيّة يفترض، نظريًا، أن تُقرّب أعضاء "بريكس" من بعضهم بعضاً. فقد فرض ترامب هذا العام رسومًا جمركيّة بنسبة 50% على الواردات البرازيلية، بحجّة أنّ التحقيق مع الرئيس السابق جايير بولسونارو كان ذا دوافع سياسية. 

كما أدّت الاحتكاكات الدبلوماسية بين جنوب أفريقيا والولايات المتحدة إلى نتائج متوقَّعة مماثلة. فقد وصلت العلاقات إلى أدنى مستوياتها بعد لقاء ترامب مع رئيس جنوب أفريقيا سيريل رامافوزا. وفي مواجهة متوتّرة، نُقلت على نطاق واسع في الإعلام الجنوب أفريقي، باغت ترامب رامافوزا بادّعاءات كاذبة ومُحرِّضة حول "إبادة جماعية للبيض" تستهدف مزارعي الأفريكانر. وقد عكست خطابات ترامب نظريات مؤامرة هامشية، لكنها تركت الجنوب أفريقيين من مختلف التوجّهات السياسية في حالة صدمة واستياء.

حتى في الهند، وهي دولة أمضت معظم العقدين الماضيين تُنمّي علاقات وثيقة مع واشنطن، بات صنّاع القرار يدركون تمامًا أنّ عليهم التحوّط في مواجهة عدم القدرة على التنبّؤ بسلوك ترامب. فهذا العام، قامت واشنطن بترحيل آلاف المواطنين الهنود، وعرقلت المفاوضات حول اتفاقٍ تجاري ثنائي، وفرضت رسومًا جمركية بنسبة 50% على المنتجات الهندية.

 

"بريكس" تفوّت الفرصة

ومع ذلك، فإنّ مجموعة "بريكس" غير مستعدّة لاستغلال هذه اللحظة. فمع توسّع المجموعة في الحجم، اتّسعت أيضًا تناقضاتها الداخليّة. وهذا ليس مفاجئًا تمامًا. 

في اجتماع وزراء خارجية "بريكس" في ريو دي جانيرو في نيسان الماضي، فشل الأعضاء، وللمرّة الأولى، في إصدار بيانٍ مشترك. وقد أبرز هذا الحدث الانقسامات المتزايدة داخل الكتلة، حول وتيرة الاستغناء عن الدولار وكيفية ذلك، ودرجة العداء تجاه الولايات المتحدة، وطموحات بكين القياديّة داخل المجموعة. في شهر تمّوز الماضي، وفي تطوّر غير مسبوق، لم يحضر عدّة رؤساء دول قمة "بريكس" شخصيًا، ولم تُرسل سوى نصف الدول العشر وفودًا، في حين شارك الآخرون عن بُعد.

كان من الممكن أن تُوحِّد الغارات الأميركية على المنشآت النووية الإيرانية صفوف البريكس. فقد أعربت عدّة حكومات أعضاء عن اشمئزازها من الضربات، معتبرةً أنّ الولايات المتحدة تصرّفت على نحوٍ أحادي وخطير ومن دون احترام للمعايير الدولية. وبالنسبة للصين وروسيا، أكّدت الضربات انتقاداتٍ سابقة للنهج العسكري الأميركي، أمّا البرازيل وجنوب أفريقيا فقد رأتا في الهجوم خطوة متهوّرة تُقوّض الاستقرار العالمي. وبالنسبة للهند، لم يكن الهجوم انتهاكًا للقانون الدولي فحسب؛ بل أيضًا اعتداءً على مزوّدٍ أساسي للطاقة.

ومع ذلك، فإنّ البيان المشترك لـِ "بريكس"، الذي نُشر بعد أيّام من القصف، جاء غامضًا على نحوٍ لافت، ولم يذكر حتى إسرائيل أو الولايات المتحدة، كاشفًا عجز التكتّل عن التحدث بصوت واحد.

وفي الوقت نفسه، تظهر الاحتكاكات الداخليّة في المجموعة على جبهاتٍ أخرى أيضًا. فالصادرات الصينية المدعومة حكوميًا تهدّد الصناعات المحليّة في دولٍ مثل البرازيل وجنوب أفريقيا، وهذا ما يعقّد التنسيق الاقتصادي داخل "بريكس"؛ إذ تواجه الحكومات ضغوطًا داخليّة لاعتماد إجراءات حمائيّة ضدّ السلع الصينية. 

لكل هذه الأسباب، لا تزال "بريكس" مكبّلة بالضعف البنيوي نفسه الذي لطالما حدّ من فعاليتها: اختلاف المصالح الوطنية، وتضارب الأولويات الاقتصادية، وعمق انعدام الثقة في الطموحات الجيوسياسية لكلّ طرف. وقد زاد التوسّع الأخير للمجموعة التحديات تفاقمًا، عبر إضافة مزيدٍ من اللاعبين والتناقضات إلى منظمة يعوقها التعقيد أصلاً. فبكين قد ترى في عدائية ترامب دليلًا قاطعًا على عدم موثوقيّة الولايات المتحدة، لكنّ بقية الأعضاء يترددون في الاصطفاف الشديد مع الصين، والقبول بقيادتها. ولا يزال التماسك الجماعي بعيد المنال.

وفي المستقبل القريب، من المرجّح أن يستمرّ هذا التكتّل في التخبّط التدريجي: يجذب أعضاء جدداً، ويُصدر بياناتٍ كبرى، وينسّق مواقفه أحيانًا، لكنه سيبقى بعيدًا جدًا عن أن يصبح أساسًا لنموذجٍ جديد من الحوكمة العالمية. لقد ذكّر ترامب أعضاء "بريكس" لماذا يهمّ هذا التكتّل، لكنّه في الوقت نفسه كشف لماذا لا يستطيع النهوض إلى مستوى اللحظة.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث