قطع تمويل حزب الله: هل يمكن تنفيذ ذلك فعلاً؟

علي نور الدينالاثنين 2025/11/17
حشد جماهير حزب الله في بيروت الروشة(علي علوش)
الدولة لا تملك ترف التعامل مع أعباء إقفال مؤسسات الحزب دفعة واحدة (علي علوش)
حجم الخط
مشاركة عبر

تحاول السلطات اللبنانيّة، بمختلف إداراتها ومؤسّساتها المعنيّة بهذا الأمر، التعامل بواقعيّة مع الضغوط الأميركيّة، الرامية إلى قطع قنوات تمويل حزب الله. من هذا الزاوية، يمكن قراءة بعض القرارات التي جرى اتخاذها في لبنان، والتي تُظهر التجاوب مع مطالب وزارة الخزانة الأميركيّة. بعض تلك القرارات ربما ذهبت أبعد مما يطلبه الجانب الأميركي، وأكثر مما يسمح به القانون اللبناني، كحال تلك المتعلّقة بكتاب العدل. لكن على نحو عام، لم يكن بإمكان لبنان تجاهل الأدوات الضاغطة التي تملكها وزارة الخزانة، بما يشمل علاقة لبنان مع المصارف المراسلة، ومنها مع النظام المالي العالمي. ولا يجب المزايدة كثيراً هنا.

لكن التعامل الواقعي والضروري مع الضغوط الخارجيّة، ومحاولة امتصاصها واستيعابها، لا يعني إمكانيّة تنفيذ الهدف النهائي المُعلن؛ أي قطع تمويل الحزب. من الناحية التقنيّة والماليّة، لا تملك مؤسّسات الدولة حالياً الأدوات التي تسمح بذلك. وإن امتلكت، بسحر ساحر، فهي لا تملك القدرة على التعامل مع التداعيات الاقتصاديّة والاجتماعيّة (والسياسيّة والأمنيّة) التي ستنتج عن هذا الأمر. مُعظم المعنيين بهذه المسألة في مواقع المسؤوليّة داخل لبنان يدركون ذلك، ويتصرّفون على هذا الأساس بالفعل، بمعزل عن رأيهم بالحزب ودوره ومستقبله.

إعادة تصويب النقاش مهمة اليوم. بعض القوى السياسيّة التي تتماهى مع عنوان قطع التمويل، تحمّل الحكومة والعهد والبلد أكثر مما يمكن تحميلهم، في هذه المسألة. وربما هذا ما قصده رئيس الجمهوريّة، حين تحدّث عن اللبنانيين الذين يقصدون واشنطن، ولا ينقلون حقيقة الوضع في لبنان. وثمّة خفّة في اعتبار عنوان "قطع التمويل" مساراً مُسهّلاً لفكرة حصر السلاح وبسط سيادة الدولة.

 

نتائج أزمة المصارف

وفقاً لأرقام البنك الدولي، قارب حجم الاقتصاد النقدي "المدولر"، الخارج عن رقابة النظام المالي الشرعي، حدود الـ 10 مليارات دولار أميركي سنوياً، وهذه التداولات غير قابلة للتدقيق والمراقبة بأدوات الامتثال التقليديّة. ولا يمكن الفصل حالياً بين اتّساع حجم التداولات النقديّة في السوق، والأزمة المصرفيّة المستمرّة، التي أبعدت اللبنانيين عن تداولات النظام المالي الشرعي. 

وكان مصرف لبنان قد حاول التعامل مع هذه المشكلة سابقاً، عبر إطلاق مقاصة جديدة خاصّة بالدولارات "الفريش"، غير الخاضعة للضوابط على السحوبات والتحاويل. لكن هذه اللحظة، لا تزال هذه المقاصّة بعيدة عن استعادة دور القطاع المالي في تداولات السوق. إذ حتّى أواخر شهر أيلول الماضي، لم تكن هذه المقاصّة قد سجّلت أكثر من 648 مليون دولار من التداولات بالعملات الأجنبيّة، وهو ما يمثّل نسبة ضئيلة للغاية من حجم الاقتصاد النقدي "المدولر".

لا يمكن استيعاب التداولات الماليّة، داخل النظام المالي، بمجرّد إطلاق مقاصة جديدة للدولارات "الفريش". ما دامت المصارف عاجزة عن استقبالات الودائع وتأمين التسليفات والتسهيلات التجاريّة، وما دام القطاع لا يمارس حالياً أبسط أدواره البديهيّة، سيكون من الصعب الحد من تفشّي الاقتصاد النقدي، الذي يصعب ضبطه وتتبّع عملياته.

وفي الوقت نفسه، يمكن الرهان على الإجراءات الأمنيّة في المطار والموانئ والمنافذ البريّة، للحد من أعمال التهريب. لكن هذه الإجراءات ستبقى قاصرة عن ضبط الجانب المالي من التجارة الدوليّة، حيث يصعب حالياً تتبع قنوات دفع وقبض ثمن السلع المستوردة. وهذا مرتبط بدوره بأزمة القطاع المصرفي، بما أنّ نسبة كبيرة من التجّار لا تزال تسدد ثمن وارداتها من حساباتها في الخارج، أو تتقاضى ثمن مبيعاتها في السوق نقداً. كيف يمكن، في هذه الحالة، تتبع الحركة الماليّة التي ستتوازى مع الاستيراد والتصدير؟

 

نموذج تاريخي متفلّت

والمسألة هنا لا ترتبط فقط بالأزمة المصرفيّة القائمة اليوم، ولا بالإجراءات المطلوبة لمعالجة وضع المصارف، وإن كان لهذه الأزمة دور في مفاقمة الوضع. قبل العام 2019، لم يكن من الممكن أيضاً فرض أي رقابة ماليّة على عمليّات السوق، بما فيها التجارة الخارجيّة، ولم تتوفّر للدولة أدوات لربط داتا النظام المالي بالتصاريح الضريبيّة والجمركيّة وغيرها. وهذا الواقع، كان نتيجة لنموذج متفلّت وقائم منذ استقلال البلاد وتشكّل نظامها المالي. وحتّى هذه اللحظة، لم تُفرض أيّة تعديلات جديّة على هذا النموذج، الذي يتطلّب "انقلاباً" مالياً كاملاً للخروج منه.

لهذا النموذج إشكاليّاته الكبيرة، ومنها هامش التهرّب الضريبي الذي يتيحه. لكنّ "الانقلاب" عليه يحتاج إلى أكثر من تحدّي نفوذ حزب الله وعرقلة استفادته من الوضع القائم. ثمّة نخب ماليّة وطبقة اقتصاديّة كاملة نشأت على هذا النموذج، والعودة إلى اقتصاد مضبوط ماليًا يحتاج إلى تحدّي مصالحها وشبكات نفوذها الممتدة داخل جميع القوى السياسيّة. يكفي التذكير بهذا التعديل الذي جرى على قانون السريّة المصرفيّة في العام 2022، والذي يتيح استفادة السلطات الضريبيّة من داتا المصارف، والذي لا يدخل حيّز التنفيذ حتّى هذه اللحظة. 

في ظل هذا الوضع، من العبث الحديث عن مكافحة تبييض الأموال، أو مراقبة قنوات التمويل المرتبطة بالتجارة الخارجيّة، أو التجارة المحليّة في السوق اللبناني. والانتقال إلى نموذج مختلف، لن يكون عبر بعض الإجراءات الطارئة التي تلي زيارات المبعوثين الأجانب؛ بل تحتاج إلى إطار تشريعي وتنفيذي كبير ومتكامل، وهذا ما لم يبدأ العمل عليه بعد. 

 

التوازنات النقديّة

لقد أصدر مصرف لبنان قراره المتعلّق بمراقبة عمليّات القطع وتحويل الأموال التي يتجاوز حجمها ألف دولار أميركي. لكن العارفين بأمور سوق القطع، أشاروا مبكراً إلى حدود فعاليّة هذا القرار. فمصرف لبنان لا يملك فعلياً السيطرة الكاملة على السوق الموازية، التي تعمل بها شبكة ضخمة من الصيارفة غير الشرعيين. وحتّى أعمال شركات الصيرفة المرخّصة، تتداخل مع عمل الصيارفة غير الشرعيين، الذين يملكون خيوطهم لبيع وشراء الدولارات. أمّا الأهم، فهو أنّ طبيعة الاقتصاد غير النظامي القائم تمنع حالياً تقنين بيع وشراء الدولارات، بما يربط عمليّات القطع بأعمال تجاريّة محدّدة.

نتيجة هذه القرارات ستعتمد على كيفيّة تنفيذها. قد تبقى الإجراءات الجديدة في إطار الأعمال الورقيّة الشكليّة، كحال تلك التي كانت موجودة سابقاً لعمليّات القطع التي تتجاوز قيمتها الـ 10 آلاف دولار أميركي. حيث يمكن أن تستمر عمليّات القطع غير المصرّح عنها "تحت الرادار"، مقابل التصريح عن جزء صغير من العمليّات. أمّا إذا أراد مصرف لبنان التشدّد في عمليّات شركات الصيرفة المرخّصة، فقد تكون النتيجة العودة إلى ثنائيّة سعر الصرف، بمعنى وجود سوق قطع نظامي محدود الأعمال، وسوق غير مراقب يملك توازناته الخاصّة، تماماً كما جرى سابقاً في العراق.

 

ماذا يعني "تمويل حزب الله"؟

أخيراً، ثمة ضرورة للعودة إلى ما يعنيه "تمويل حزب الله"، الذي يُراد قطعه. فرواتب العاملين في المهام القتاليّة لا تشكّل سوى جزء من موازنة الحزب، التي تموّل كذلك تعويضات الحرب ورواتب الجرحى وعائلات الشهداء والمؤسّسات الاجتماعيّة والتعليميّة والصحيّة وغيرها. 

وأرقام مؤسّسة القرض الحسن، الذي يجري الحديث عن إقفالها، تشير إلى وجود نحو 407 آلاف مساهم في حسابات التوفير والادخار القائمة، إضافة إلى جانب القروض الممنوحة حالياً مقابل رهونات الذهب. وباختصار شديد، إذا امتلكت الدولة اللبنانيّة بطريقة ما القدرة والنيّة على قطع تمويل الحزب، فهي لا تملك حتماً ترف التعامل مع الأعباء الاجتماعيّة، وربما الأمنيّة، التي ستنتج عن إقفال هذه المؤسّسات في لحظة واحدة.

تمارس الإدارة الأميركيّة حالياً سياسة الضغوط القصوى على إيران، في إطار التجاذب الإقليمي حول ملف طهران النووي، ونفوذها في المنطقة. وفي هذا السياق، يأتي الضغط على تمويل حزب الله، بوصفه جزءًا من شبكات التمويل التي تلاحقها وتحاول خنقها واشنطن. وقد تفلح هذه الضغوط في التضييق على نشاط الحزب، غير أن قطع التمويل، وفق العنوان المرفوع حالياً، يبقى غاية صعبة المنال. 

التعامل البراغماتي مع ضغوط واشنطن قد يكون ضرورياً. لكنّ تبنّي العنوان والهدف لبنانياً، سيورّط بعض القوى السياسيّة في عناوين لا يمكن تحقيقها واقعياً، وفي مزايدات غير مفيدة للحكومة أو العهد. 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث