في أعقاب كارثة انفجار مرفأ بيروت المدمّر عام 2020، التي كشفت حجم المخاطر الناتجة عن الفوضى والإهمال في إدارة المواد الخطرة، اتجهت أنظار اللبنانيين والجهات الرقابية إلى قطاع تخزين وتعبئة الغاز. ومع تشكيل الحكومة الجديدة مطلع عام 2025، عاد ملف خزانات شركة "يونيغاز" في منطقة برج حمود إلى الواجهة بقوة، بعد ورود معلومات عن احتمال استئناف الأعمال داخل الموقع بصورة مخالفة للقرارات السابقة، ما استدعى إعادة فتح التحقيقات والملف مؤخراً من جديد.
هذا التطور المستجد وضع القضية مجدداً تحت الضوء، مدفوعاً بقلق شعبي متزايد من أي خرق محتمل للإجراءات القانونية، وبمحاولة الجهات الرقابية التأكد مما إذا كانت الشركة قد استأنفت العمل فعلاً أو أن الملف يُستخدم لتصفية حسابات بين الأطراف المتنازعة.
وسط هذا المناخ، برز ملف "يونيغاز" ليكون محكّاً حقيقياً لقدرة الدولة على التعلم من دروس المأساة، وامتحاناً لمدى قدرتها على فرض معايير السلامة العامة في منطقة صناعية تُحيط بها المصانع الثقيلة وشركات الغاز، وتُستخدم اليوم كأداة في صراع قانوني وسياسي يتجاوز حدود الخزانات نفسها.
تعود قضية خزانات الغاز في برج حمود إلى خمسين عاماً خلت، لكنها تفاقمت بشكل لافت بعد عام 2017، عندما حصلت شركة "يونيغاز" على ترخيص من وزارة الصناعة يستبدل الخزانات الأفقية القديمة بأخرى جديدة بنفس المواصفات. فما الذي دفع اليوم إلى فتح الملف من جديد؟ وهل يشكّل مشروع خزانات "يونيغاز" في برج حمود خطراً حقيقياً على السلامة العامة، أم أن الملف يُستخدم كأداة في نزاع قانوني وسياسي يؤخر الحلول منذ سنوات؟
إعادة فتح الملف عام 2025
وجهت جمعية "غايا" والشركات المعترضة على استئناف أعمال يونيغاز مجموعة من الاتهامات للشركة، يمكن تلخيصها في النقاط التالية:
-تضاعف السعة التخزينية: حيث يصل حجم الخزانات الجديدة إلى 5060 متراً مكعباً للخزان الواحد، فيما كان حجم القديمة لا يتعدى الطبقة الواحدة، مما يعني أن الحجم الإجمالي يصبح 14120 متراً مكعباً من الغاز المضغوط
-لم تحصل الشركة على ترخيص بيئي إلزامي لمعرفة الأثر البيئي للمشروع.
- على الرغم من أن وزارة الطاقة أوكلت إلى معهد البحوث الصناعية مهمة الإشراف على المشروع في تشرين الثاني 2017، لم يصدر أي مستند يفيد بحصول أي إشراف ورقابة فعلية.
- وجود مدارس ومستشفيات ومباني سكنية محيطة بالموقع، مما يضاعف من حجم الخطر في حال حصول أي حادث.
كما وأعادت جمعية غايا في حديث لـ"المدن"، فتح ملف خزانات الغاز التابعة لشركة "يونيغاز" في منطقة برج حمود مع تشكيل الحكومة الجديدة، بعد ورود معلومات عن استئناف الأعمال بشكل غير قانوني، متجاهلةً القرارات الرسمية السابقة التي أوقفت المشروع.
غير أن التحقيق الميداني الذي قامت به "المدن"، يفرض طرح تساؤلات حول صحة الادعاءات والواقع الفعلي للمنطقة، ففي برج حمود حيث تقبع شركة يونيغاز هو منطقة صناعية مصنفة "C3" بموجب المرسوم رقم 9949 لسنة 2013 وهو ما أكده أيضاً مصدر متابع للملف. وهذا التصنيف يعني أن المنطقة مخصّصة للأنشطة الصناعية، وهي حقيقة تدعمها المشاهدة الميدانية التي وثقت وجود شركات غاز كبرى أخرى مثل "كورال" و"توتال"، بالإضافة إلى مصانع حديد وصناعات ثقيلة.
والأكثر إثارة للاستغراب هو وجود ملهى ليلي في المبنى خلف شركة يونيغاز، فوق شركة مفروشات "sleep comfort"، بينما لا وجود فعلي للمدارس أو المستشفيات في هذه النواة الصناعية المحضة، إذ أن هذه المرافق تتركز في المناطق المصنفة "C1" و "C2".
اشتباك صلاحيات وانتظار القضاء
على الصعيد القانوني، شهد ملف خزانات الغاز تطوراً مهماً بعد كارثة مرفأ بيروت، حيث تقدّمت شركتا "سليب كونفورت" و"أيوب للإنماء والتسليف" بدعوى قضائية تطعن في صحة التراخيص الممنوحة لشركات الغاز، وقد وصل الملف إلى مجلس شورى الدولة حيث سُجّل تحت الرقم المرجعي 24319/2020، ولا يزال القرار النهائي معلقاً حتى اليوم في ظل تعقيدات قانونية وإجراءات متشابكة.
وفي إطار المتابعة الإعلامية للملف، تمكنت جريدة "المدن" من الحصول على وثائق تكشف حصول الشركة على مجموعة من التراخيص الرسمية شملت الترخيص البيئي رقم 857/ب والترخيص الصناعي رقم 10066/ت وترخيص التنظيم المدني 16/2023، كما كشفت المصادر أن دراسة الأثر البيئي التي أوكلت إلى شركة "مورس" من قبل وزارة البيئة عام 2024 قد اكتملت فعلياً، لكنها تبقى حبيسة الأدراج بانتظار البت النهائي نتيجة تجميد الإجراءات رهناً بقرار مجلس شورى الدولة.
من جهة أخرى، أفادت معلومات صادرة عن وزارة الطاقة لـ"المدن"، بأن المنطقة المصنفة "C3" تخضع لرقابتها المباشرة، مؤكدة أن أي مشروع يحوّل إلى وزارة الصناعة للتنفيذ يجب أن يخضع لإشراف معهد البحوث الصناعية، مع ضرورة تعيين شركة مراقبة معتمدة من الوزارة للإشراف على عمليات التنفيذ وضمان الالتزام بالشروط والمعايير المقررة.
في ظل الجدل الدائر حول ملف خزانات الغاز في برج حمود، تشير المعطيات الميدانية إلى حالة من الجمود التام، حيث توقفت جميع الأعمال الإنشائية المتعلقة بالخزانات، وتمت إزالة الخزان الذي كان قد تم تركيبهُ سابقاً. هذا الواقع يؤكد توقف المشروع بكامل تفاصيله، ريثما يصدر القرار الحاسم من مجلس شورى الدولة، وتُعتمد دراسة الأثر البيئي التي تنتظر المصادقة النهائية، ليبقى ملف "يونيغاز" معلقاً بين متطلبات السلامة العامة من جهة، وتعقيدات النظام والإجراءات من جهة أخرى.
وفي ضوء الخطورة البالغة لهذه القضية التي تمس بشكل مباشر أمن وسلامة آلاف المواطنين، تجدر الإشارة إلى أن هذا الملف ليس وليد اللحظة، بل يمتد عمره إلى أكثر من سنتين، وربما أكثر. وهو ما يطرح تساؤلات جوهرية حول سبب تأخر البت فيه: فإذا كان المشروع يشكل خطراً حقيقياً على البيئة والصحة العامة، كما يُشار في بعض التقارير، فكان الأجدر بالدولة أن تحسم الأمر منذ زمن طويل، تفادياً لتكرار مآسٍ على غرار كارثة انفجار مرفأ بيروت. أما إذا كان المشروع يستوفي الشروط ولا يشكل أي تهديد، فلماذا لا يُسمح للشركة بالعمل بشكل قانوني دون عرقلة، ويُطوى الملف إلى الأبد؟
ما يحصل اليوم من مماطلة وتأجيل غير مبررين لا يمكن تفسيره إلا بأنه إهمال قضائي "متعمّد"، أو تجاهل متعمد من قبل الجهات المعنية. والواضح أن الموضوع يتجاوز الجوانب الفنية والبيئية إلى أبعاد أخرى تظل غامضة. والمطلوب اليوم بكل وضوح هو حسم هذا الملف بشكل نهائي: إما بإغلاقه تماماً حفاظاً على سلامة المواطنين، أو بالموافقة عليه مع وضع ضوابط صارمة. فالحلقة المفرغة التي يدور فيها الملف منذ سنوات لم تعد مقبولة، والمواطنون يستحقون إجابة واضحة تضع حداً للقلق المستمر على سلامتهم ومستقبلهم.
