الأزمة الماليّة العالميّة المتوقّعة: فقاعة الذكاء الاصطناعي

الذكاء الاصطناعي (غيتي)
ضخت شركات التكنولوجيا استثمارات ضخمة في مجال الذكاء الاصطناعي (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

منذ أشهر عدّة، ارتفعت التحذيرات من "فقاعة" بدأت بالتكوّن في قطاع التكنولوجيا، وتحديداً في الشركات التي انخرطت في أنشطة مرتبطة بالذكاء الاصطناعي. باختصار، ضخّت هذه الشركات استثمارات كبيرة في هذا المجال، ومنها تلك المموّلة بالديون وعقود التمويل المُعقّدة. وارتفعت أسعار أسهم هذه الشركات إلى مستويات غير واقعيّة. لكن حتّى هذه اللحظة، لا يوجد ما يؤكّد أنّ تلك الشركات قامت برهانات صحيحة. بمعنى آخر: لا توجد مؤشّرات تضمن عوائد كافية لضمان جدوى هذه الاستثمارات.

يُذكّر هذا الوضع بفقاعتين شهدهما التاريخ الحديث: الأولى، فقاعة "الدوت كوم" التي تكوّنت في أواخر التسعينات، ثم انفجرت في مطلع القرن الحالي، بعدما ضخّت شركات التكنولوجيا استثمارات ضخمة وغير مجدية في قطاع الإنترنت، الذي كان يشهد يومها بدايات توسّعه. والثانية، كانت فقاعة القروض السكنيّة، التي انفجرت في العام 2008، بعد هبوط أسعار العقارات الأميركيّة، ما أطلق عنان أزمةٍ اقتصاديّة عالميّة. 

خلال التسعينات، كان توسّع "الإنترنت" حدثاً عظيماً غيّر حياة البشر. ولا يوجد اليوم من يشكّك في ذلك. لكنّ الأزمة، أو الفقاعة التي انفجرت في العام 2000، سبّبتها نوعيّة الاستثمارات غير الموفّقة، التي راهنت على مشاريع وشركات غير مجدية ماليًّا، في ذلك المجال. انفجرت الفقاعة، وتسببت بأزمة، ونظّفت السوق نفسها من الرهانات الخاطئة. فهل سيشهد العالم مع الذكاء الاصطناعي، مع كل أهميّته، سيناريو شبيهاً؟ صحيفة "ذا أكونوميست" طرحت هذا السؤال، لتبيّن أهم تداعيات هذه الأزمة الماليّة المحتملة.

 

الانهيار المتوقّع

إذا انهارت سوق الأسهم الأميركية، فسيكون ذلك "أحد أكثر الانهيارات المالية توقُّعًا في التاريخ"، بحسب المقال، بمعنى وجود تحذيرات سابقة أشارت إليه. فقد نبّه الجميع، من مدراء البنوك إلى صندوق النقد الدولي، من التقييمات المُبالغ بها لأسهم شركات التكنولوجيا الأميركيّة. واستعدّت المصارف المركزيّة لاضطرابات ماليّة. كما عاد المستثمرون الذين توقعوا أزمة القروض العقاريّة في العام 2008 إلى الواجهة من جديد، من أجل "التوقّع الكبير" التالي. وعند أيّ إشارة اهتزاز مالي، مثل الانخفاض الأسبوعي الطفيف الأخير في مؤشر ناسداك لأسهم التكنولوجيا، تتزايد التكهنات بأنّ السوق تقف على حافّة الهاوية.

لا عجب في ذلك. إذ ارتفعت أسعار الأسهم ونسبتها إلى الأرباح إلى مستويات لم تشهدها السوق منذ فقاعة "الدوت كوم". وجاء ذلك مدفوعاً بأداء أسهم الشركات التكنولوجيّة. أمّا بالنسبة إلى الاستثمارات التي ضخّتها الشركات في مجال الذكاء الاصطناعي، فالأرقام خطيرة: إذ لكي تحقّق الشركات عائداً بنسبة 10% على ما أنفقته، سيتعيّن عليها أن تجني 650 مليار دولار سنوياً، ما يعادل أكثر من 400 دولار من كل مستخدم. وتُظهِر التجارب التاريخيّة أنّ مثل هذه التوقعات المرتفعة، كثيرًا ما تُخيّب الآمال في البداية مع التقنيات الجديدة، حتى لو كانت تُغيّر العالم لاحقًا (كما حصل في فقاعة الدوت كوم، مع الإنترنت).

انهيار السوق المقبل لن يفاجئ أحدًا تقريبًا. ومع ذلك، قليلون فقط فكّروا في عواقبه. 

 

تداعيات الأزمة المقبلة

سيكون من الخطأ الاعتقاد بأنّ تأثير الأزمة المحتملة في سوق الأسهم سيتوقّف عند محافظ المستثمرين فقط. إذ قد يتسبّب هبوطٌ درامي في سوق الأسهم في إسقاط اقتصادٍ عالميّ، طالما صمد في وجه الصدمات ودفعه نحو الانكماش.

تكمن جذور الهشاشة أولاً في المستهلك الأميركي. فأسهم شركات البورصة تمثّل حالياً 21% من ثروة الأسر في البلاد، أي أكثر بحوالى الربع ممّا كانت عليه في ذروة فقاعة الإنترنت. والأصول الاستثماريّة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي كانت مسؤولة عن نحو نصف الزيادة في ثروة الأميركيين، خلال العام الماضي. 

أيّ أزمة ماليّة، ستعيد هذه الاتجاهات إلى الوراء. فمن الناحية العمليّة، أي هبوط في أسعار الأسهم، كالذي جرى بعد فقاعة "الدوت كوم"، سيؤدّي إلى خفض صافي ثروة الأسر الأميركيّة بنسبة 8%. وقد يتسبّب ذلك في تقليص كبير في إنفاق المستهلكين. ووفق تقديرات "ذا إكونوميست"، سيبلغ هذا التراجع ما نسبته 1.6% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو مقدار كافٍ لدفع أميركا، حيث يعاني سوق العمل أساسًا، إلى الركود.

ستمتدّ الصدمة وضعف الطلب من أميركا إلى أوروبا، ذات النموّ البطيء، والصين المنكفئة أساساً نحو الانكماش، ما سيُفاقم الأزمات التي يتعرّض لها حالياً المصدّرون نتيجة الرسوم الجمركيّة والحروب التجاريّة. وبما أنّ الأجانب يملكون أسهماً بقيمة 18 ترليون دولار في أميركا، سيمتد أثر الأزمة في جميع أنحاء العالم.

 

الاقتصاد العالمي المأزوم

بعد انتهاء طفرة الذكاء الاصطناعي، سيعود الاقتصاد الأميركي كما كان في الربيع الماضي، مُهدداً بتداعيات الرسوم الجمركيّة، ومنهكاً بضعف المؤسّسات، وانقسام المشهد السياسي. وفي ظل هذه الظروف، لن يكون تمسّك العالم بالدولار الأميركي مضموناً. وسيكون الخطر على الدولار كبيراً، في ظل السياسات النقديّة التي يعتمدها حالياً الاحتياطي الفيدرالي، والتي تتّجه نحو خفض الفوائد.

وسيمثّل الركود أيضًا اختبارًا ماليًا كبيراً لحكومات العالم المثقلة بالديون. فالمصارف المركزيّة ستُخفّض أسعار الفائدة، مّا سيُخفّض كلفة خدمة الديون الهائلة في العالم المتقدّم، والتي تبلغ 110% من الناتج المحلي الإجمالي. لكن في المقابل، سيتّسع العجز المالي أيضًا، مع ارتفاع الإنفاق على الرعاية الاجتماعيّة وتراجع الإيرادات الضريبية. أمّا في الاقتصادات الأكثر هشاشة، فقد تتسبّب الأزمة برفع الفوائد على السندات الطويلة الأجل، ما سيزيد من كلفة المديونيّات الحكوميّة.

العواقب الأهم ستكون على التجارة. فخفض الأميركيين لإنفاقهم سيُقلّص بالتأكيد العجز التجاري لأميركا، وهو ما سيُرضي الرئيس الأميركي. ومع تدهور أوضاع الأسواق، ستصبح الإدارة الأميركية أقلّ عدوانيّة في ملفّ التجارة. 

لكن في المقابل، ستتفاقم بؤر التوتّر التجاري الأخرى. فالمنتجون الأوروبيون والآسيويّون يضطرّون حالياً لمنافسة فائض الإنتاج الصيني. وهذا الفائض سيتضخّم أكثر إذا تراجعت صادرات الصين إلى أميركا. وهذا ما سيُحدث ردود فعل حمائيّة شديدة، وحروباً تجاريّة أقسى. 

في الخلاصة، العالم يتوقّع حالياً انهيار سوق الأسهم الأميركيّة. لكن ذلك لا يعني أنّه مُستعدّ لعواقبه.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث