قراءة في تجربة سعادة الشامي: المكائد والخيبات والدروس

علي نور الدينالجمعة 2025/11/14
1-Saadeh-Al-Shami-deputy-PM-02.jpg
لم يكن لدى الشامي أي "أوهام أو توقعات وردية" حين دخل الحكومة (دلاتي ونهرا)
حجم الخط
مشاركة عبر

نشر معهد عصام فارس للسياسات العامّة والشؤون الدوليّة ورقة تحليليّة، كتبها نائب رئيس الحكومة السابق سعادة الشامي، بعنوان "عكس التيّار: تأملات ودروس في الخدمة الحكوميّة". الورقة كما يتضح من عنوانها سريعاً، تهدف لعرض وتأريخ تجربة الكاتب في الحكم خلال الأزمة، واستخلاص الاستنتاجات اللازمة حول الإصلاح وعوائقه وإشكاليّات بنية النظامين السياسي والاقتصادي في لبنان. 

"المدن" تُراجع تجربة الشامي، كما قدّمتها الورقة، ليس بهدف توثيق التجربة فقط؛ بل لراهنيّة الإشكاليّات التي تثيرها. ففي نهاية المطاف، ما زالت الحكومة الحاليّة تخوض محاولة الإصلاح المالي والاقتصادي، على أساس الاتفاق المُنتظر والمؤجّل مع صندوق النقد الدولي. وفي مجلس الوزرء حاليًا، ثمّة من يواجه عقبات ومناورات لا تقل حدّة (وخبثاً؟) عن تلك التي يتحدّث عنها الشامي. 

 

قبول المنصب

لم يكن لدى الشامي أي "أوهام أو توقّعات ورديّة" حين دخل الحكومة؛ بل على العكس، يشير إلى أنّه كان يدرك أنّ أيّة محاولة للإصلاح ستصطدم بجدران صلبة من المصالح المتجذرة، نظراً لطبيعة النظام السياسي والاقتصادي في لبنان، وارتباطه الوثيق بشبكات نفوذ اعتادت الاستفادة من الوضع القائم. لم يقلها الشامي في ورقته، لكنّه من دون شك، وقبل قبول المنصب، كان قد رأى سابقاً مصير "خطّة لازارد" في العام 2020، والمناورات التي أفضت إلى الإطاحة بمفاوضات لبنان مع صندوق النقد وقتها. 

لماذا وافق على قبول المهمّة إذن، كنائب لرئيس مجلس الوزراء؟ تشرح الورقة عدّة رهانات حملها الرجل في تلك المرحلة: ضخامة الانهيار، والأزمة الاستثنائيّة، كان يمكن أن تدفع القوى السياسيّة إلى التفكير بمصلحة البلد هذه المرّة، عبر التراجع خطوة للوراء، لمصلحة الإصلاح الفعلي. وكان قبول المنصب مرتبطًا بدوره المرتقب في الحكومة، في قيادة التفاوض مع صندوق النقد الدولي، وهي مهمّة تشبه مساره المهني الذي أمضى فيه أكثر من عقدين داخل الصندوق. أمّا الاحجام عن المحاولة، فكان سيعني ترك الساحة فارغة أمام الانهيار بلا محاولة جديّة لإنقاذ الوضع.

يعترف الشامي: سرعان ما تبيّن أنّ هذا الأمل لم يكن في مكانه؛ إذ أظهرت السلطة تمسّكاً عميقاً بالامتيازات القديمة، وعجزاً شبه كامل عن تخيّل أي نموذج بديل. 

 

الاتفاق مع الصندوق... والانقلاب عليه

كان الشامي المسؤول المباشر عن قيادة اللجنة الوزارية المكلفة بالتفاوض مع صندوق النقد، في حين ضمّت لجنته وزير المالية ووزير الاقتصاد وحاكم مصرف لبنان ومستشاراً لرئيس الجمهورية. بعد مفاوضات معقدة ومرهقة، أُنجز الاتفاق الأولي مع صندوق النقد في نيسان 2022. 

هذا الاتفاق لم يكن مجرد خطوة تقنية؛ بل إطارًا شاملًا يضع أسس الإصلاح المطلوب: إعادة التوازن للمالية العامة، ووضع الدين على مسار مستدام، وتحسين الخدمات العامة، وتعزيز الحوكمة، وإعادة هيكلة المصارف والمؤسسات، وبناء مؤسسات قادرة وشفافة. ويشدّد الشامي على أن هذا الاتفاق، بالرغم من صعوبته، كان أفضل ما يمكن تحقيقه في الظروف اللبنانية؛ بل ربما أكثر مرونة مما كان يمكن أن يتوقعه كثيرون نظراً لتعقيد الأزمة وتشابكها.

لكن ما إن أُعلن الاتفاق، حتى انقلب المشهد. فبعد الترحيب السياسي الأولي، سرعان ما بدأت حملة واسعة ضده، قادتها الجهات التي كانت ستتضرر منه، وعلى رأسها المجموعات المالية والمصرفية التي لم تكن مستعدة للاعتراف بالخسائر أو التخلّي عن الامتيازات التي راكمتها طوال سنوات. هذه الجهات، كما يشرح، حاولت منذ البداية التشكيك بالاتفاق وبمن وضعه، وذهبت إلى حد اتهام سعادة الشامي نفسه بأنه “رجل الصندوق” داخل الحكومة. كانت المفارقة أنّ تجربته الطويلة في صندوق النقد، والتي كان يفترض أن تُعدّ ميزة، استُخدمت ضده كذريعة لإثارة الشكوك وتعبئة الرأي العام.

 

من يحارب الإصلاح؟

يستطرد الشامي في تفنيد الحملات التي تعرّض لها شخصياً، والتي أعاقت تطبيق شروط الاتفاق على مستوى الموظفين مع صندوق النقد الدولي. 

كانت جمعيّة المصارف في طليعة الذين واجهوا الاتفاق مع صندوق النقد، بالرغم من أن بعض المصارف لم تشاركها موقفها المتشدّد. فقد اعتمدت الجمعية استراتيجية تقوم على الإنكار والتشكيك بالاتفاق، ورفض الإقرار بالمسؤولية، مع تصوير نفسها في العلن كمدافع أوّل عن المودعين، في حين كان هدفها الحقيقي هو حماية حقوق المساهمين وكبار الدائنين، عبر محاولة تحميل الدولة كامل الخسائر. كانت هذه المقاربة، كما يوضح، تقوم على فكرة خطيرة مفادها أنّ المال العام يجب أن يعوّض كل دولار يمكن أن يخسره المساهمون، وأنّ أصحاب المصارف لا ينبغي أن يتحملوا أي جزء من الانهيار الذي ساهمت في صنعه. 

لجأت جمعيّة المصارف إلى خطاب شعبوي يخلط الوقائع، وبدأت تتحدث عن حماية الودائع، مع أن استمرار المصرفيين في رفض تحمّل الخسائر يعني عملياً حرمان المودعين من حقوقهم. كان رهان المصارف الأساسي هو الوقت: أي الاعتقاد بأن مرور السنوات كفيل بتخفيف حدّة الأزمة وبأن الدولة سوف تتحمّل العبء وحدها في نهاية المطاف.

ولم تقتصر المقاومة على المصارف. يشير الشامي أيضاً إلى أنّ بعض الهيئات الاقتصادية تبنّت سردية جمعية المصارف نفسها، مدفوعة بمصالح أعضائها الذين ينتمون إلى القطاع المصرفي أو يرتبطون به على نحوٍ مباشر. وقد ظهرت هذه المواقف في مواقف حادة اتهمت خطّة الشامي بأنها “تدمّر الاقتصاد”، في حين كانت هذه المواقف فعليًا تدافع عن الامتيازات نفسها التي ساهمت في الانهيار. 

وساهمت وسائل إعلام معيّنة في تضخيم هذه الحملات، إمّا بسبب تحالفاتها السياسية أو ارتباطاتها المالية، مما خلق حالة من التشويش لدى الرأي العام، ومنح هذه المجموعات قدرة أكبر على تعطيل المسار الإصلاحي.

 

الشعبويّة في النقاش الاقتصادي

النقاش العام الذي تلا الإعلان عن الاتفاق المبدئي مع الصندوق لم يكن نقاشاً عقلانياً. القوى المالية التي خشيت من الإصلاح، أدركت أنّ التأثير في الرأي العام لا يقل أهمية عن التأثير في مراكز القرار، فعملت على إطلاق رسائل مشوشة تتنقل بين التخويف والاتهامات، لإثارة المعارضة ضد برنامج صندوق النقد.

تلقفت بعض الكتل النيابية هذه الرسائل، واستثمرتها سياسياً، فتحولت جلسات اللجان إلى مسرحيات استعراضية أكثر منها نقاشات تشريعية. كثيرٌ من النواب كانوا يرفعون الصوت في جلسات عامة، لا بهدف مناقشة النصوص أو تحسينها؛ بل بهدف تسجيل مواقف إعلامية أو خدمة حسابات طائفية وحزبية. أما الأصوات التي كانت تطالب بإصلاح فعلي، أو تريد خوض النقاش بجدية، فغالباً ما ضاعت وسط الضجيج.

وعلى المستوى الإعلامي، واجه الشامي حملة لا تقل ضراوة. فقد اتّخذت بعض وسائل الإعلام دوراً مباشراً في إعادة إنتاج خطاب المصارف وجماعات الضغط، متبنّيةً روايات جاهزة تتهم الاتفاق مع صندوق النقد بالسعي إلى “شطب الودائع” أو “تدمير القطاع المصرفي”، أو بالانصياع لإملاءات خارجية. وفي بلد مثقل بالشك وانعدام الثقة، كان لهذه الرسائل أثر سريع، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بودائع الناس ومدخرات عمرهم. الإعلام، كما يتبيّن، لم يكن دائماً وسيطاً محايداً؛ بل في كثير من الأحيان طرفاً فاعلاً يساهم في ترسيخ حالة التضليل والالتباس.

يقرّ الشامي بأنّ غياب استراتيجية تواصل حكومية واضحة زاد الأمور سوءاً؛ إذ لم تعتمد الحكومة لغة واحدة أو رواية متماسكة لشرح أهداف الإصلاح للرأي العام، ولم تُكثِر من الشروحات أو المؤتمرات الصحافية، مما ترك فراغاً ملأته القوى المناهضة للإصلاح بسهولة. وفي ظل هذا الفراغ، أصبحت الحقائق التقنية ضحية للخطابات الشعبوية، ووجد المواطن نفسه أمام سيل من الروايات المتناقضة: الحكومة تقول شيئاً، وأطراف داخل الحكومة تقول العكس، والمصارف تنشر رواية ثالثة، في حين يتعاظم غضب المودعين بلا بوصلة واضحة.

 

النظام الذي يعيق الإصلاح

يقول الشامي إنّ الأزمة اللبنانية لم تكن حدثاً مفاجئاً؛ بل نتيجة تراكمات طويلة داخل نظام يقوم على غياب الحوكمة، وتشظّي القرار، واشتراط التوافق شبه المستحيل لأيّة خطوة إصلاحية. فالصيغة السياسية التي وُلدت بعد الحرب، والتي كان يُفترض أن تضمن التوازن بين المكوّنات، تحوّلت تدريجياً إلى آلية فيتو متبادل، حيث يستطيع كل طرف تعطيل أي قرار لا يناسب مصالحه من دون أن يتحمّل كلفة التعطيل. 

بهذا المعنى، يصبح الإجماع مطلوباً حتى في القضايا التي تستوجب السرعة، وهو ما يجعل الإصلاح رهينة مساومات لا تنتهي. وفي ظل هذه المعادلة، تتحوّل الدولة إلى جهاز عاجز، والقرارات تُؤجَّل عبر إحالتها إلى لجان أخرى أو نقاشات إضافية، فيتلاشى كل عنصر للمحاسبة. ويشير الشامي إلى أنّ السياسيين غالباً ما يفضّلون عدم اتخاذ أي قرار صعب، لأن كلفة الخطوة الجريئة أعلى عليهم من كلفة الجمود، وهو ما يجعل الامتناع عن الفعل الخيار الأكثر أماناً داخل النظام.

وهكذا يخلص الشامي إلى أنّ الأزمة الاقتصادية كشفت هذا الشلل بأوضح صوره: فالجميع يقرّ بضرورة الإصلاح، لكن لا أحد يريد تحمّل مسؤولية الخطوة الأولى. النواب ينشغلون بالخطاب الشعبوي لإرضاء جماهيرهم الطائفية، الوزراء يترددون خوفاً على حساباتهم الخاصة أو طموحاتهم المستقبلية، والتنافس داخل كل طائفة لا يقل حدّة عن التنافس بين الطوائف نفسها. والنتيجة أنّ القرارات تُدفن في دوائر المماطلة، وأنّ كل طرف ينتظر الطرف الآخر كي يتحرّك.

 

دروس للمستقبل

في نتيجة الورقة، يعدد الشامي مجموعة من الدروس التي خلص إليها من تجربته، ومنها ضرورة وجود رؤية واضحة ورسالة حكومية موحّدة كي يفهم الناس ما الذي يجري ولماذا. كما يرى الشامي ضرورة وجود استراتيجيّة طويلة المدى، للعمليّة الإصلاحيّة، بدلاً من الاعتماد على مبادرات متفرقة تربك الجمهور. أما الأهم، فهو تقوية المؤسسات الأساسيّة المعنيّة بهذا المسار، وخصوصاً وزارة الماليّة ومصرف لبنان والقضاء، بما يحميها من النفوذ السياسي، ويقرن هذه الاستقلاليّة بالمحاسبة والمساءلة. 

أهم ما استنتجه الشامي، هو ضرورة الاعتماد على الشفافيّة لمحاربة التضليل، عبر نشر البيانات والتقارير والتدقيقات، فضلاً عن تمسّك المسؤول بالنزاهة والقيم خاصّة تحت الضغط، لأن التنازل عن المبادئ يعني خيانة الهدف الأساسي للخدمة العامة. وفي الوقت نفسه، سيستحيل تحقيق أي إصلاح، ما لم ينكسر التحالف القائم بين السياسيين والمصالح الماليّة، والتحالف الذي عطّل الدولة ومحاولات الإنقاذ. وأخيراً، ثمّة حاجة للقيادة الحقيقيّة: تلك التي تتطلّب شجاعة، بما في ذلك شجاعة اتخاذ القرارات غير الشعبيّة، ولو كلّف ذلك خسارة موقع السلطة، لأن البقاء من أجل البقاء لا يصنع إصلاحاً. 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث