تواجه المالية العامة في لبنان تحديات عديدة منها ارتفاع الدين العام وتراجع الإيرادات وتراجع الثقة بالمؤسسات العامة. وبالتوازي، فإنّ نحو 70 في المئة من اللبنانيين فقراء. وعوضَ مواجهة الأزمة والسعي إلى وضع حلول فعلية تساهم في استعادة الانضباط المالي وتعزّز الشفافية وتشكّل مدخلاً لاستقطاب الاستثمارات على ضوء اتفاق نهائي منتظر مع صندوق النقد الدولي، آثرَ السياسيون اللبنانيون التملّص من التزاماتهم التشريعية والتنفيذية ذات الأثر الفعلي على أرض الواقع. وعلى المقلب الآخر، يفخر الصومال بالقفز سريعاً إلى قطار الإصلاحات، ما أوصله إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي، ليسلك بذلك طريق تعزيز الحيّز المالي وضبط الدين العام، والاستعداد لمزيد من النتائج الإيجابية.
القرار تفوَّقَ على الهشاشة
شكّلتَ أعمال المنتدى العربي الأوّل للمالية العامة والموازنة، من تنظيم لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا) وصندوق الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف)، مناسبة لاستعراض مسار بعض الدول العربية نحو الخروج من أزماتها وتحقيق الاستدامة المالية وتالياً العمل على تحسين الإنفاق الاجتماعي.
وكان لافتاً وجود تجربتين متناقضتين في الشكل والمضمون، وهما التجربتان الصومالية واللبنانية. إذ أنّ النتائج أتت معاكسة للمعطيات الظاهرة، لتصبّ في مصلحة الصومال. فالمقارنة بين التجربتين اللبنانية والصومالية في مسار الإصلاح المالي والاقتصادي تكشف بوضوح مدى التباين في الإرادة السياسية رغم أنّ الصومال يعيش في بيئة أكثر هشاشة وأقل استقراراً من لبنان. ومع ذلك، أثبتت التجربة الصومالية أنّ الإرادة السياسية الموحّدة والالتزام الجدي بالاتفاقات مع صندوق النقد الدولي يمكن أن تضع حتى الدول الفقيرة والهشّة على طريق التعافي المالي، فيما يبقى لبنان نموذجاً للمماطلة والجمود في تطبيق الإصلاحات رغم امتلاكه كل المقوّمات الاقتصادية والبشرية للنجاح.
استعراض الواقع
أدّت عقود من الصراع في الصومال إلى أزمة مالية حادة وانهيار مؤسسات الدولة، إلى جانب ضعف القدرة على تحصيل الإيرادات وضبط الإنفاق. وأصبح الصومال بلداً بعتمد بشكل رئيسي على المساعدات الخارجية. وأدّى الفساد وانعدام الشفافية والرقابة على المال العام، إلى تراكم الديون الخارجية وتراجع الإنتاج، وتالياً ارتفاع العجز المالي، وتسبّب ذلك بفقدان الصومال ثقة المانحين والمستثمرين. لكن الانعطافة الأساسية في المسار الانحداري، تمثّلت بقرار مقديشو الالتزام ببرنامج إصلاحي حازم، واختيار صندوق النقد ليكون معبَراً نحو إعادة هيكلة الديون وبناء استقرار اقتصادي نسبي واستعادة الثقة.
على المقلب الآخر، تتعامل بيروت مع ملف الإصلاحات وكأنه عبء يجب تجنّبه لا فرصة للإنقاذ. فبعد نحو 6 سنوات من تسارع الأزمة، لا يزال ساسة لبنان يرفضون الإصلاحات الفعلية، ويصرّون على تمييع الخطوات الإصلاحية ومحاولة خداع صندوق النقد بإصلاحات شكلية، وهذا ما أخَّرَ التوصّل لاتفاق نهائي مع الصندوق، يفتح المجال لاستعادة الثقة والخروج من الأزمة.
التزام الصومال
للإضاءة على تجربة بلاده في مسار الخروج من الأزمة، أوضح رئيس المجلس الاقتصادي الوطني في الصومال حسن آدم حوسو، أنّ العمل في واقع تشوبه الهشاشة، ليس سهلاً، لكن بدء الإصلاح انطلق من "المرونة المؤسّسية وتعزيز تعبئة موارد المالية العامة". وخلال سرده للتجربة في ظل أعمال المنتدى، سلّط حوسو الضوء على "التزام القيادة السياسية بالإصلاح، رغم المنظومة الديموقراطية الهشّة".
والخطوات الأولى للإصلاح، تمثّلت بـ"حماية إصلاح المؤسسات والمالية العامة من مختلف عمليات التدخّل السياسي. وحافظنا على الإصلاحات حتى في ظل تغيّر القيادة السياسية، وهذا ضَمَنَ لنا الاستمرارية والزخم والمصداقية من قبل المؤسسات الدولية كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي". ورغم تغيّر القيادات السياسية على مدى 10 أعوام، التزمت القيادات المتعاقبة بالإصلاحات، وأوضح حوسو أنّه خلال السنوات العشر "كان لدينا 3 انتخابات جلبت رؤساء مختلفين، لكن الاصلاحات استمرّت".
ولفت النظر إلى أنّ "ليست القيادة السياسية في الحكم وحدها التي تدفع بالإصلاحات، بل المعارضة أيضاً أيّدت الإصلاحات وكانت تحاسب الحكومة عندما تفشل في أمور معينة. وبالتالي عندما تنفّذ المشاريع الوطنية، ينبغي أن تقاد بطريقة توافقية لنجاحها".
بفعل الالتزام بالإصلاحات، تمكّن الصومال من تعزيز الحيّز المالي، أي الهامش المالي الذي تملكه الدولة لتنفّذ به سياسات جديدة. فإذا كانت مالية الدولة منضبطة والدين العام منخفض، امتلكت الدولة حيّزاً مالياً واسعاً يمكِّنها من الإنفاق على المشاريع التنموية. وأيضاً "أقرّ البرلمان لائحة من 3 إلى 4 تشريعات أساسية تُعنى بإدارة المالية العامة وأدّت إلى تحقيق الاستقرار الاقتصادي الكلّي".
ويعترف حوسو أنّ بلده "بدأ من الصفر في الاطار القانوني، وتراكمت التشريعات مع الوقت، وبين فترة وأخرى وضعت التشريعات بطريقة تراكمية ولم تبقَ حبراً على ورق بل نفّذت تحت إشراف البنك الدولي وصندوق النقد الدولي". وبانتهاج المسار الإصلاحي "بات لدينا أطر واضحة للإيرادات وجَمعها، وسقف واضح للانفاق، وآليات تدقيق ومراجعة واضحة، وأطر مالية متينة يمكنها تعزيز الانضباط المالي". وفي النتيجة "طلب صندوق النقد إجراء الإصلحات لمدة عامين، وطلب مراجعتها مرّتين خلال 3 أعوام، وبعدها لم يعد الصندوق يطلب القيام بذلك، بل قمنا بالإصلاحات بمبادرة خاصة منّا لأننا لمسنا منافع ذلك". وعلى سبيل المثال "زادت الإيرادات بنسبة 88 في المئة خلال الأعوام الأربع الماضية، ونفّذنا رقمنة الاصلاحات الضريبية، ما عزّز الرقابة وتتبّع الإيرادات المالية".
المماطلة اللبنانية
من جهة أخرى، يدرك المدير العام لوزارة المالية في لبنان جورج معراوي، أنّ "الإصلاح المالي في لبنان ليس هدفاً شكلياً بل ضرورة استراتيجية، فبدون الإصلاح المالي لن نخرج من الأزمة المالية"، ولن يحصل ذلك "بلا استراتيجية لخمس سنوات بالحد الأدنى".
وفي مداخلته خلال المنتدى، أكّد معراوي على أنّ "إعادة بناء الثقة بالمالية العامة هي رهن بالإصلاحات، وإذا لم تنعكس الإصلاحات على أداء الدولة والخدمة الأفضل للمواطن وعلى ثقة المجتمع الدولي بالدولة، فلن نبني الثقة".
هذه العناوين العريضة، تترجمها وزارة المالية، وفق معراوي بـ"العمل على استعادة الانضباط المالي عبر وضع إطار مالي متوسّط لأوّل مرة، بالتعاون مع صندوق النقد الدولي، ولاحقاً سيوافق عليه مجلس الوزراء". وأوضح أنّ هذا الإطار "كان عادة ما يتحضّر داخل وزارة المالية، لكن اليوم يتم تحضيره لتتبناه الحكومة لخمس سنوات".
وأشار معرواي إلى أنّ وزارة المالية "تتّجه إلى اعتماد الحساب الموحّد للخزينة العامة، والذي من خلاله تتحقق الشفافية عبر تتبّع النفقات والإيرادات بشكل لحظي لمعرفة ماذا دخل من إيرادات وماذا أنفق. وهذا يعزز الشفافية ويخفّض ازدواجية الحسابات ويشكّل قاعدة للسياسات المالية الرشيدة ويظهر جدية الحكومة في إدارة الموارد العامة". ولمواكبة التقدّم التكنولوجي ولمواجهة الشغور في الإدارات العامة، تعمل الوزارة على "تدريب الموظفين على استخدام التحليل المتقدّم والذكاء الاصطناعي والتنبوء بالحدث".
على أنّ تعزيز واقع المالية العامة يقود إلى "التركيز على حماية القطاعات الاجتماعية الأساسية". وفي السياق، تعمل وزارة المالية على لحظ "كيفية الحفاظ على الإنفاق الاجتماعي الضروري، ولاسيما للفئات الضعيفة، مع ضمان استدامة المالية العامة". وتسعى الوازرة إلى "اعتماد موازنة قائمة على الأداء الاجتماعي، بحيث يتم تقويم انفاق العام بناءً على مؤشرات ملموسة مثل نسبة الفقر، الالتحاق بالتعليم، نوعية الخدمات الصحية، بدلاً من التصنيف البندي للموازنة".
ومع أنّ ما ذكره معراوي يبدو إيجابياً، لكنّه يبقى خطوات تقنية معزولة عن الواقع الذي يؤكّد غياب القرار السياسي بالإصلاح. ففي حين التزم الصومال بمسار الإصلاح، لم يتخطَّ لبنان حدود الاتفاق المبدئي مع صندوق النقد الذي أوضح أنّ لبنان "يتقدّم ببطء شديد، وسيكون في مرحلة خطرة جداً إذا لم تُنفَّذ الإصلاحات المطلوبة". واعتبر الصندوق أنّ لبنان "يمتلك الإمكانيات لإعادة بناء اقتصاده، لكن من دون قرارات سياسية جريئة تبقى الإمكانيات غير مستثمرة".
بمقارنة بسيطة، تظهر التجربة أنّ المشكلة الأساسية لا تنحصر في القدرات والموارد، بل قد تكمن في غياب القرار السياسي بالحلّ، وهذا ما يراه الصندوق الذي يدرك أنّ الإرادة السياسية غير موجودة في لبنان.
