قرارات مطاردة الـ"الكاش": هل نعود إلى تعدّد أسعار الصرف؟

خاص - المدنالخميس 2025/11/13
1.jpg
جاء هذا التوجه في مصرف لبنان عقب ضغوط أميركية من وزارة الخزانة (مصطفى جمال الدين)
حجم الخط
مشاركة عبر

نشرت "المدن"، فجر اليوم الخميس، معلومات عن اتجاه حاكم مصرف لبنان كريم سعيد لإصدار تعاميم جديدة، لتشديد الإجراءات المعمول بها لدى محال الصيرفة وشركات تحويل الأموال، وتخفيض سقف التحويلات الخاضعة لإجراءات "العناية الواجبة" من 10 آلاف دولار أميركي إلى ألف دولار أميركي، ما سيفرض تعبئة استمارات خاصّة لتبيان مصدر ووجهة الأموال للعمليّات التي تتخطى هذا السقف. 

"المدن" تابعت صبيحة اليوم ردود فعل العاملين في القطاع المالي وخبراء الامتثال، لفهم خلفيّات وتبعات هذا القرار، فضلاً عن بعض الهواجس المرتبطة به.

 

مخاوف من "السيناريو العراقي"

وفقاً لعدّة مصادر عاملة في قطاع الصيرفة، جاء هذا التوجّه في مصرف لبنان عقب ضغوط أميركيّة من وزارة الخزانة الأميركيّة، التي أبدت قلقاً إزاء تعاملات مصرف لبنان في مجال بيع وشراء الدولار مع شركات الصيرفة المرخّصة، والتي تتعامل بدورها مع وكلاء وشركات أصغر حجماً في السوق الموازية. 

وبحسب المعلومات نفسها، ترى وزارة الخزانة أنّ هذا النمط من العمليّات يضع مصرف لبنان على تماس مباشر مع "الاقتصاد النقدي" الخارج عن رقابة النظام المالي الشرعي، ما يعرّض المصرف المركزي للاحتكاك بعمليّات تعتبرها الإدارة الأميركيّة "غير مشروعة"، وخصوصاً تلك المتصلة بحزب الله ومؤسّساته. ولا تفصل المصادر ما بين هذه القرارات، وتطبيق سياسة الضغوط القصوى على إيران و"وكلائها"، بحسب تصنيفات الإدارة الأميركيّة، والتي عبّرت عنها الزيارة الأخيرة لوفد الخزانة الأميركيّة. 

وبحسب المصادر، تتحسّب الشركات العاملة في هذا القطاع لأحد سيناريوهين:

أولاً، أن تكون خطوة تخفيض سقف العمليّات الخاضعة لإجراءات "العناية الواجبة" إجراء شكلي، كحال الاستمارات التي تتم تعبئتها حالياً لعمليّات القطع والتحويل التي تتجاوز قيمتها 10 آلاف دولار. وفي هذه الحالة، لن تؤثّر الخطوة إلا على حجم الإجراءات البيروقراطيّة التي تقوم بها شركات تحويل الأموال والصيرفة.

 

ثانياً، أن تكون الخطوة اقتراباً من "النموذج العراقي"، أي فرض قيود وضوابط حازمة على عمليّات بيع وشراء وتحويل الدولار التي تقوم بها شركات الصيرفة المرخّصة، والتي تخضع لرقابة مصرف لبنان، وهو ما يفرض حصر عمليّات التداول بتلك التي يمكن التثبّت من وجهتها عبر فواتير الاستيراد أو غيرها المستندات التي تُثبت غاية العمليّات. وفي هذه الحالة، يعبّر بعض الصيارفة عن خشيتهم من إمكانيّة ظهور سعر صرف موازي في السوق السوداء، بمعنى العودة إلى ثنائيّة سعر الصرف ما بين العمليّات "الشرعيّة" وتلك الخارجة عن رقابة المصرف المركزي. 

وتجدر الإشارة إلى أنّ العراق كان قد قنّن، بفعل الضغوط الأميركيّة، عمليّات التداول بالدولار ضمن النظام المالي الشرعي، سواء في المصارف أو لدى شركات الصيرفة. إلا أنّ هذه الخطوة فتحت باب التداول في سوق جانبيّة غير شرعيّة، ما أدخل البلاد في مرحلة من ثنائيّة سعر الصرف، رغم امتلاك المصرف المركزي العراقي كتلة ضخمة من احتياطات العملة الصعبة "المدولرة". 

مع الإشارة إلى أنّ عدد شركات الصيرفة المرخصة حالياً يقترب من حدود الـ 250 شركة، في حين أنّ عدد الشركات التي تعمل في هذا المجال يتجاوز الـ 1000، وهو ما يطرح السؤال عن كيفيّة ضبط عمل الشركات غير المرخّصة، والتي لا تخضع لا رقابة مصرف لبنان. وهذا ما يزيد بدوره من المخاوف المرتبطة بإمكانيّة العودة إلى ثنائيّة سعر الصرف، في حال فرض القيود على الشركات المرخصة، مقابل إبقاء عمل الشركات غير المرخصة خارج الرقابة الرسميّة. 

 

خبرة "الامتثال" غير موجودة

في الوقت نفسه، تعبّر مصادر مصرفيّة عن شكوك بإمكانيّة رفع مستوى الرقابة الماليّة، أي إجراءات الامتثال، في قطاع الصيرفة وتحويل الأموال، إلى مستويات تقارب تلك الموجودة في المصارف التجاريّة. إذ وفقاً لهذه المصادر، تعتمد المصارف التجاريّة على مديريّات وموارد بشريّة مدرّبة ومتخصّصة في مجال تقصّي المعلومات ومراقبة العمليّات الماليّة، بما في ذلك مطابقة داتا التحويلات مع المستندات التي تؤكّد غايتها، وهو ما لا يتوفّر حالياً لدى شركات الصيرفة. 

ويكمن التحدّي حالياً في وجود حركة ماليّة ضخمة تمر عبر سوق القطع، في حين أن الكثير من شركات الصيرفة الصغيرة والمتوسّطة الحجم لم تطوّر بعد كادراً بشريًّا مؤهلاً للتعامل مع مستوى الرقابة اللازم لفرض "إجراءات الامتثال". وتشير المصادر إلى تحدّي مماثل ستواجهه شركات تجارة المجوهرات والذهب، والتي سيُطلب منها التشدّد في إجراءات العناية الواجبة بناءً على الضغوط الأميركي. 

في جميع الحالات، من الأكيد أن تعاميم مصرف لبنان المقبلة ستوضّح الآليّات الجديدة التي سيتم فرضها على قطاعيّ الصيرفة وتحويل الأموال، وهو ما سيُظهر حجم القيود التي سيسعى المصرف المركزي إلى فرضها في هذا المجال. لكنّ من الواضح أيضاً أن القطاع المالي برمّته سيتعرّض إلى ضغوط لم يشهدها سابقاً، بعدما رفع الوفد الأميركي الذي زار بيروت مؤخراً السقف في الحديث عن الإجراءات المطلوبة من لبنان، للتماشي مع أهداف تجفيف شبكات تمويل إيران في المنطقة. 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث