في خطوة وُصفت بأنها "إصلاحية" من قبل الحكومة و"قاسية" من قبل الشارع، أطلقت وزارة الطاقة السورية أواخر تشرين الأول الماضي تعرفةً جديدة للكهرباء هي الأعلى منذ بداية الحرب.
القرار الذي دخل حيّز التنفيذ مطلع تشرين الثاني، غيّر جذرياً تكلفة الكيلوواط/ساعة لجميع المشتركين، من المنازل إلى المصانع، بذريعة خفض خسائر قطاع الطاقة وتمويل استيراد الغاز وصيانة الشبكات المتقادمة.
لكن بين وعود "الإصلاح" الرسمية وواقع المعيشة المتدهور، انقسم السوريون بين من يرى في الخطوة محاولة لإنقاذ القطاع، ومن يعتبرها عبئاً إضافياً يهدد لقمة عيش المواطن السوري، وسط تضخم قياسي تجاوز 200 في المئة وغلاء غير مسبوق.
تفاصيل التعرفة الجديدة
ولفهم ما يعنيه القرار عملياً بالنسبة للسوريين، لا بد أولاً من التوقف عند تفاصيل نظام التعرفة الجديد الذي اعتمدته وزارة الطاقة السورية. فقد حدّدت الوزارة أواخر تشرين الأول الماضي بموجب القرارين رقم 686 و687 تعرفة جديدة لمبيع الكيلوواط/ساعة للكهرباء وذلك لجميع المشتركين في القطاعات المنزلية والصناعية والحكومية.
ويعتمد النظام على 4 شرائح رئيسية تراعي مستويات الاستهلاك: الأولى لأصحاب الدخل المحدود حتى 300 كيلوواط شهرياً بسعر 600 ليرة سورية للكيلوواط (نحو 0.05 دولار) مدعوماً بنسبة 60 في المئة من الحكومة.
الثانية للدخل المتوسط والمشاريع الصغيرة أكثر من 300 كيلوواط بسعر 14 ألف ليرة (نحو 0.12 دولار).
الثالثة للمؤسسات المعفاة من التقنين مثل المصانع والجهات الحكومية بسعر 1700 ليرة (نحو 0.14 دولار).
الرابعة للاستهلاكات العالية مثل الإنارة الإعلانية بسعر 1800 ليرة (نحو 0.15 دولار).
وكان وزير الطاقة محمد البشير قد وصف هذا التعديل بأنه "خطوة أولى نحو إصلاح شامل لمواجهة خسائر تصل إلى مليار دولار سنوياً مع خطط لتركيب 6.5 ملايين عداد ذكي وتطوير الشبكات، لكن القرار أثار جدلاً شعبياً واسعاً بسبب الضغوط الاقتصادية المستمرة.
مراكمة الضغوط المعيشية
في دمشق، ترى أمل الدباس وهي ربة منزل في حي الميدان وأم لأربعة أطفال أن الزيادة الجديدة جعلت فواتير الكهرباء تلتهم الجزء الأكبر من دخل الأسرة، فقد ارتفعت فاتورتهم الشهرية من نحو 15 ألف ليرة إلى 180 ألفاً مقابل استهلاك لا يتجاوز 250 كيلوواط.
وتشير إلى أن ساعات التغذية تحسّنت فعلاً مقارنة بالماضي لكنها تعتبر أن التكلفة أصبحت "غير واقعية" بالنسبة لدخل الأسرة المتوسطة، ما دفعهم إلى تقليص مصاريفهم الغذائية والاستغناء عن بعض الأساسيات. وتدعو الدباس في حديث لجريدة "المدن" إلى تقديم دعم مباشر للأسر الفقيرة أو توزيع ألواح طاقة شمسية مجانية حتى لا تتحول الكهرباء إلى رفاهية لا يمكن تحملها.
ومن مدينة حلب يروى ياسر الحلبي، وهو صاحب ورشة نجارة صغيرة، تجربة أكثر قسوة، فارتفاع تكلفة الكهرباء من 300 ألف إلى 2.8 مليون ليرة شهرياً جعله يفكر بإغلاق الورشة أو تسريح عدد من العمال. ويؤكد في حديث لجريدة "المدن" أن الكهرباء تمثل نحو 40 في المئة من تكاليف الإنتاج، في حين يرفض الزبائن تقبل أي زيادة في الأسعار.
ويرى أن تطبيق التعرفة الجديدة جاء بشكل مفاجئ ومن دون تحضير مسبق متمنياً تأجيلها بالنسبة للورش والمنشآت الصغيرة إلى حين تحسّن ساعات التغذية إلى 16 ساعة يومياً، محذراً من أن استمرار الوضع الحالي سيؤدي إلى إغلاق آلاف المشاريع والعودة إلى الاعتماد على المولدات الملوثة والمكلفة.
ويهدف هذا التعديل، الذي بدأ تطبيقه في تشرين الثاني الجاري إلى تمويل استيراد الغاز بمعدل 10 ملايين متر مكعب يومياً لإعادة تأهيل المحطات المدمّرة وصيانة الشبكة.
لكن خبراء اقتصاديين يحذرون من أن الخطة قد تتحول إلى عبء اجتماعي غير مستدام في حال غياب الدعم المستمر للأسر محدودة الدخل.
زيادة مقبولة
أما في اللاذقية فتبدو الصورة مختلفة نسبياً لدى لينا الطرابلسي وهي مهندسة برمجيات تعمل عن بُعد وتتقاضى أجرها بالدولار. تقول في حديث لجريدة "المدن" إن الزيادة لم تؤثر كثيراً على نمط حياتها، بل ساعدها استقرار الكهرباء على تقليل الاعتماد على المولدات، ما وفّر عليها نحو 600 ألف ليرة شهرياً.
وترى الطرابلسي أن رفع التعرفة قد يكون خطوة ضرورية لجذب الاستثمارات وإعادة بناء البنية التحتية، بشرط أن يُخصّص جزء من العائدات لدعم الأسر الفقيرة وتوسيع برامج الطاقة المتجددة المنزلية.
وفي ريف إدلب يصف حسن العبد الله، وهو مزارع خمسيني، أثر الزيادة بأنه "كارثي" على القطاع الزراعي. إذ ارتفعت فاتورة مضخات الري التي يعتمد عليها في ري أرضه من 80 ألف ليرة إلى 1.2 مليون، ما اضطره إلى تقليص المساحة المزروعة بنسبة 60 في المئة وبيع بعض المواشي لتغطية التكاليف.
ويطالب العبد الله بإعفاء المزارعين من الشرائح العالية أو تقسيط الفواتير على مدار العام، معتبراً أن الكهرباء بالنسبة لهم ليست خدمة ترفيهية، بل مسألة حياة أو موت ترتبط مباشرة بإنتاج الغذاء.
توقيت الزيادة "كارثي"
بدوره يقول الخبير الاقتصادي أسامة العبد الله في حديث لجريدة "المدن" "لا تُنقذ زيادة تعرفة الكهرباء السوريين من الظلام، بل تزيد من ظلامهم الاقتصادي. فقرار رفع التعرفة جاء في توقيت كارثي، حيث يرزح أكثر من 90 في المئة من السوريين تحت خط الفقر، ومعدل التضخم السنوي تجاوز 200 في المئة في العام 2025.
ولفت إلى أن رفع سعر الكيلوواط للشريحة الثانية من 600 ليرة إلى 14 ألف ليرة يعني عملياً زيادة تصل إلى 23 ضعفاً على الأسر المتوسطة، في حين لم ترتفع الأجور الحكومية سوى بنسبة 100 في المئة منذ بداية العام، وتبقى عند 300 ألف ليرة شهرياً كحد أقصى".
ويرى الخبير الاقتصادي أن المشكلة ليست في الزيادة بحد ذاتها، بل في غياب آليات الحماية الاجتماعية. فالدعم المُعلن بنسبة 60 في المئة للشريحة الأولى (حتى 300 كيلوواط) يغطي أقل من 15 في المئة من الأسر فعلياً. بينما تدفع الغالبية العظمى الأسعار الجديدة كاملة.
والأخطر من ذلك أن هذه الإيرادات لن تُستثمر في زيادة التوليد بل ستذهب أولاً لتسديد فواتير الغاز المستورد والذي يشكل 78 في المئة من مصادر التوليد حالياً.
ويشير الخبير إلى أن "التجربة العالمية تثبت أن رفع التعرفة دون زيادة موازية في ساعات التغذية ودون برنامج دعم نقدي مشروط قد يؤدي إلى انهيار الطلب وتفاقم التقنين. وسنشهد خلال الأشهر الستة القادمة انخفاضاً حاداً في الاستهلاك، وإغلاق آلاف الورش الصغيرة، وارتداداً إلى المولدات، مما يلغي أي مكسب محتمل للخزينة.
ويرى خبراء أن الحل ليس في معاقبة المواطن، بل في استهداف الدعم فعلياً للأسر الفقيرة عبر قاعدة بيانات موثوقة، وإلزام الجهات الحكومية والمؤسسات العسكرية بدفع فواتيرها الحقيقية، التي تُقدّر بأكثر من 45 في المئة من الاستهلاك الوطني، إلى جانب تسريع برنامج الطاقة الشمسية المنزلية بتمويل دولي. ومن دون هذه الإصلاحات الموازية، فإن هذه الزيادة لن تكون "خطوة أولى نحو الإصلاح" كما تدّعي وزارة الطاقة، إنما خطوة أولى نحو انهيار اجتماعي شامل. فالكهرباء حق وليست سلعة يُتاجر بها في زمن الحرب والفقر.
