جملة قضايا سلبية يغرق بها لبنان ويحاول عبثاً الخروج منها، ذلك أنّه لا توافق على مستوى القوى السياسية التي يقارب كلٌّ منها القضايا بحسب مصالحه السياسية، الانتخابية والمالية وصولاً إلى الوجودية. في حين يستمر الضغط في ظل عدم حلّ معضلة الأزمة الاقتصادية، المالية والمصرفية، ويضاف إليها تعثّر الإصلاحات المطلوبة من المجتمع الدولي، فيما يشكّل الخطر الأمني السبب الرئيسي لتعزيز الجمود على مستوى الإصلاح والتهدئة السياسية ومحاولة جذب الاستثمارات. ووسط ذلك، يحوِّل البنك الدولي نفسه إلى مفتاح للحل، إذ إنّ زيارة وفد منه إلى الرؤساء الثلاثة ووزير المالية واستتباعها بجولة إلى الجنوب، تحمل رسائل إيجابية إذا أحسنَ لبنان قطفها في ظل المخاوف من تطيير البرامج التي يحملها البنك، وأخرى من صندوق النقد الدولي الذي بدوره ينتظر إشارات من البنك، ليبني عليها موقفه المستقبلي من لبنان.
بين الجنوب والإصلاحات
على وقع الطائرات الحربية الإسرائيلية وطائرات الاستطلاع والغارات المتفرّقة، يزور وفد البنك الدولي الذي يضم 11 مديراً تنفيذياً من عدّة دول، الجنوب اللبناني، برفقة اليونيفل.
ولهذه الزيارة "ثقل" إيجابي، وفق جابر الذي أكّد لـ"المدن"، أنّ البنك هو "أوّل مجموعة دولية تأخذ مبادرة لإعادة إعمار البنى التحتية، وطرح الوصول إلى مبلغ مليار دولار، وقدّم منها 250 مليوناً"، واليوم ذهبَ الوفد إلى الجنوب "ليرى بعينه ما يحصل على الأرض، وهذا الأمر يأتي تطبيقاً للمثل القائل أن تشاهد مرّة خير من أن تسمع مئة مرة".
وأهمية الزيارة الجنوبية لا تنحصر في ما سيعاينه الوفد عن قرب، بل في ما سينقله للمجتمع الدولي ولصندوق النقد. فبحسب جابر "سيشكّل رأي البنك شهادة لصندوق النقد الذي ينتظر الإصلاحات من لبنان، وتالياً لجذب التمويل". ومن هنا، يعرج جابر على ضرورة استكمال تنفيذ الإصلاحات المطلوبة لإنجاز الاتفاق النهائي مع صندوق النقد وجذب الاستثمارات الدولية وتنفيذ البرامج المقَرَّة من الصندوق والبنك.
وبرأي جابر، فإن البنك موجود على الأرض في لبنان "وسينقل ما شاهده، ليس فقط في الجنوب، وإنما من تقدّم في إقرار مشاريع القوانين والبرامج الإصلاحية. علماً أنّ هذا الوفد يمثّل 75 بالمئة من الأصوات في مجلس إدارة البنك الدولي، ويمثّل بين 70 إلى 80 بلداً، ما يعني أنّ المبادرات الإيجابية ستنعكس إيجاباً على شكل ثقة هذه الدول بلبنان، وتالياً ستكون مقدّمة لاستكمال جذب التمويل ضمن المليار دولار التي يطمح البنك إلى جمعها، وما يزيد من الثقة، أنّ تلك الأموال ستبقى بإدارة البنك".
هل يساعد لبنان نفسه؟
ما يقدّمه البنك من إشارات إيجابية يعوِّل عليها جابر لتكون مدخلاً لطمأنة صندوق النقد، قد لا تحقّق هدفها النهائي في حال استمرار الشلل على المستوى السياسي اللبناني، والذي ينعكس على عدم استكمال الإصلاحات وعدم إقرار مشاريع القوانين المتعلّقة بقروض البنك الدولي وصندوق النقد، ما يهدد بسحب تلك المبالغ لأنّ "البنك والصندوق يقولان بأنّه إذا لم يكن لبنان يريد الأموال، فهناك مَن يستحقّها"، وعَبَّرَ جابر عن ذلك باللهجة العامية بقوله "الناس واقفة بالصّف" للحصول على القروض. وعليه "معنا حتى نهاية العام الجاري"، وفق جابر الذي حذّر من أنّ البنك والصندوق "ينتظران من لبنان أن يساعد نفسه عبر الإصلاحات الفعلية، ويعتبران أنّ لبنان اليوم يتحايل على إجراء الإصلاحات عبر تعطيل إقرار مشاريع القوانين". وذكَّرَ جابر بأنّ هناك شركات تنتظر الإصلاحات والاتفاق مع صندوق النقد وإقرار المشاريع الاستثمارية لتأتي إلى لبنان. وعلى سبيل المثال "هناك 21 شركة تنتظر الاستثمار في مطار القليعات، لكن لبنان يقفل أبوابه، وبالتالي كيف يمكنه إقناع العالم بأنه يريد إعادة الإعمار وإحداث نقلة نوعية؟".
المؤشّرات غير مشجّعة
انتقادات كثيرة يمكن بحثها في ما يتعلّق بالخروج من الأزمة عبر طريق البنك الدولي وصندوق النقد، لكن في الوقت عينه، أمضى لبنان 6 سنوات في نقاش سبل تخطّي الأزمة بعيداً من وصفات المؤسسات الدولية، من دون جدوى، بل ذهبت الأمور نحو مزيد من التعقيد، خصوصاً مع الانزلاق إلى حرب متواصلة منذ سنتين، ومرشّحة للاستمرار، الأمر الذي لا يُبقي أمام لبنان خيارات أفضل. علماً أنّ الضغط الأمني يلحّ على لبنان البحث عن ثقة دولية لمواجهة الضغط. ومن هنا، يمكن الاستعانة بزيارة وفد البنك الدولي إلى الجنوب لتكون مدخلاً يعيد لبنان إلى طريق الثقة بما أنّ جهة دولية موثوقة هي مَن سينقل مشاهدات من أرض الواقع وكيفية تعامل الجهات الرسمية معها، فتكتسب الزيارة بهذا المعنى، بُعداً أعمق من كونها زيارة بروتوكولية أو رغبة شخصية من الوفد بالاطّلاع على ما يجري في الجنوب.
أمّا إذا تلقّفت القوى السياسية بشكل جيّد مؤشّرات زيارة الوفد إلى لبنان عموماً والجنوب خصوصاً، فإنّ الخطوات الإيجابية ستتمثّل بالكثير من النتائج، منها على سبيل المثال إعادة تفعيل الثقة الدولية التي تساهم في جذب التمويل من صندوق النقد ومن الاتحاد الأوروبي والدول المانحة، وينعكس ذلك على إحياء المشاريع التمويلية المتوقّفة، فضلاً عن مساهمة التمويل الدولي في تفعيل الدورة الاقتصادية وسوق العمل، والتي بدورها تساعد في تقليص الضغط الاجتماعي. وعليه، إنّ زيارة الوفد تكتسب أيضاً صفة الاختبار، فإمّا أن يثبت لبنان سعيه للخروج من أزمته، أو يرسل للعالم خلاصة بالفشل، موثّقة برفض يد البنك الدولي وصندوق النقد. وحتى اللحظة، المؤشّرات غير مشجّعة، فالانقسام السياسي الذي يعطِّل إقرار مشاريع القوانين، لا يزال قائماً، فضلاً عمّا يتّصل بالقضايا السياسية وبالملفّ الأهمّ، وهو حصر السلاح بيد الدولة كتمهيد لإزالة الخطر الأمني.
