الأسطول المتهالك يهدد حصة سوريا من ممرات التجارة الجديدة!

دمشق - رهام عليالسبت 2025/08/30
شاحنات من سوريا الى تركيا (سانا)
ثلث الشاحنات السورية فقط مطابق للمواصفات (سانا)
حجم الخط
مشاركة عبر

أعلن وزير النقل التركي أخيراً عن ترتيبات جديدة تتيح عبور الشاحنات التركية إلى الأردن عبر الأراضي السورية، مع السماح للشاحنات السورية المطابقة للمعايير الفنية بالوصول إلى دول ثالثة من دون الحاجة للتفريغ وإعادة التحميل. في خطوة اعتُبرت مؤشراً إلى عودة الزخم لممرات التجارة البرية بين دول المنطقة، ولا سيما معبر نصيب–جابر الذي يشكّل شرياناً رئيسياً بين سوريا والأردن ودول الخليج.

تأتي هذه التطورات بعد أن وقعت سوريا وتركيا في 29 حزيران 2025 مذكرة تفاهم تهدف إلى استئناف النقل البري الدولي المباشر بين البلدين، إذ تلغي الاتفاقية نظام نقل البضائع عبر تفريغها عند الحدود وتُعيد تفعيل اتفاق عام 2004، وهو يجعل حركة الشحن أكثر سرعة وكلفة منخفضة. كما تسمح بعبور الشاحنات من تركيا عبر سوريا إلى الأردن ودول الخليج، وتشمل تعاوناً في التدريب والمعايير الفنية. وفق الجانب التركي، تساهم هذه الخطوة في تعزيز موقع البلدين ضمن التجارة الإقليمية وربط "الممر الأوسط" بين أوروبا وآسيا.

 

أسطول محدود ومشكلات فنية 

في تصريح خاص لـ "المدن" يكشف مدير تنظيم نقل البضائع في وزارة النقل السورية خالد كسحة أنّ عدد الشاحنات السورية المطابقة للمواصفات والمعايير التركية والعالمية يبلغ حالياً حوالي 10 آلاف شاحنة فقط من أصل ما يقارب 30 ألف شاحنة مسجلة في مديريات النقل، موضحاً أن تركيا تسمح بدخول هذه الشاحنات إلى أراضيها وصولاً إلى دول ثالثة، في حين تقتصر حركة الشاحنات غير المطابقة على الوصول حتى الولايات الحدودية فقط. 

وعن أبرز النواقص في الأسطول السوري، يشير كسحة إلى أنها تتمثل في عدم مطابقة أغلب الشاحنات للمواصفات الفنية الأوروبية أو التركية، وضعف الصيانة الدورية، وقدم الطرازات، وغياب أنظمة السلامة الحديثة. وفي هذا السياق، يؤكد كسحة أن الوزارة بدأت بتأهيل الأسطول عبر إطلاق برامج فحص فني دوري، وتشجيع تحديث الشاحنات بواسطة تسهيلات جمركية وقروض، مع التنسيق مع الجانب التركي لتحديد الأولويات الفنية المطلوبة للعبور. ويوضح أيضاً أن الترتيبات الأخيرة، وخصوصاً خفض الأردن للرسوم الجمركية على الشاحنات السورية من 5 في المئة إلى 2 في المئة، ساهمت في زيادة حركة التبادل التجاري بنسبة 11 في المئة خلال الشهرين الماضيين باتجاه الأردن، مع توقعات بارتفاع صادرات الألبسة والأقمشة والمواد الغذائية السورية. 

أما عن نتائج تسهيل العبور عبر تركيا والأردن، فيعتبر كسحة أنه "يعزز قدرة سوريا على الوصول إلى أسواق الخليج، خصوصاً عند اعتماد ممرات مباشرة من دون الحاجة للتفريغ وإعادة التحميل". كما يكشف أن تركيا أعلنت عن اجتماع ثلاثي مرتقب في الخريف المقبل بين وزراء النقل في سوريا وتركيا والأردن لتنظيم النقل البري على نحوٍ أكثر مهنية، في حين يسعى الأردن إلى السماح بانسياب أكبر للبضائع؛ إذ يسجل معبر نصيب – جابر دخول أكثر من 6158 شاحنة خلال أشهر قليلة، وفقاً لكسحة.

 

ازدواجية الرسوم تعيق انسياب الترانزيت

من جانبه، يرى أمين سر اتحاد شركات شحن البضائع الدولي حسن عجم، أن الترانزيت يمثل نظاماً عالمياً أساسياً في حركة التجارة، وكانت سوريا تاريخياً من أبرز دول العبور في المنطقة، وهو ما يجعل إعادة إحياء الخط البري عبرها خطوة ذات أهمية سياسية واقتصادية كبرى. ويشير عجم في حديثه إلى "المدن"، إلى أن فوائد استئناف النقل البري تتمثل في خفض التكاليف وتقليص زمن وصول البضائع والحفاظ على جودتها، إضافة إلى إعادة دمج سوريا في منظومة النقل العالمية، لكن نجاح هذا المسار يتطلب وفق عجم "أن تستثمر الحكومة في تأهيل الطرق وتوفير الكهرباء والخدمات على الممرات التي ستصبح شرايين لعبور الشاحنات".

وعن أبرز العقبات التي تواجه شركات الشحن السورية على المعابر، يحذر عجم من ازدواجية القرارات، وتعدّد الرسوم بين هيئة المنافذ البرية والبحرية والوزارات الأخرى، فيقول:"باتت كل جهة تفرض رسوماً خاصة بها من دون تنسيق، فيدفع الناقلون مرة لوزارة الاقتصاد ومرة لهيئة المنافذ، ومرة لمكتب تنظيم نقل البضائع التابع لوزارة النقل ثم مرة أخرى لهيئة المنافذ، وهذا ما يثقل كلفة التشغيل ويحد من مرونة الحركة". فضلاً عن تضارب القرارات بين وزارة الاقتصاد التي تعتمد معايير معينة للأوزان والمحاور، وهيئة المنافذ التي تطبق معايير مختلفة، وهو ما يضاعف من حجم المشكلة، وفق عجم.

كذلك، يرى عجم أن الوصول الفعلي إلى أسواق الخليج يحتاج إلى مذكرة تفاهم مباشرة بين سوريا ودول الخليج، تتيح للسائقين السوريين الحصول على تأشيرات سنوية برسوم بسيطة، وإلا فإن كل هذه التسهيلات قد تبقى بلا جدوى عملية. ويضيف أن مبدأ "المعاملة بالمثل" لم يكن في مصلحة سوريا بالكامل، نظراً إلى أن أساطيل النقل في دول الجوار حديثة ومتوافقة مع المواصفات الأوروبية، في حين يعاني الأسطول السوري من تقادم الطرازات وغياب البنية التحتية الفنية. ويختم بالقول: "نحن متوقفون منذ حوالي 15 عاماً عن العمل، والآن بعد العودة اكتشفنا أن الدول الأخرى سبقتنا بمراحل في هذا المجال".

 

الأردن يعوّل على أسطول حديث بلا منافس

من جهته يؤكد نقيب أصحاب الشاحنات في الأردن محمد الداوود لـ"المدن"، أن الأسطول الأردني "أكثر جاهزية وحداثة من السابق"، مشيراً إلى أن الشاحنات الأردنية تصل إلى روسيا ومعظم الدول الأوروبية مروراً عبر تركيا. ويعتبر الداوود أن لا منافسة بين الأسطولين الأردني والسوري، بل إن "زيادة حركة النقل تزيد حجم العمل للجميع، وتدفع كلا الجهتين إلى تطوير خدماتهما على نحوٍ أكثر حداثة".

في هذا السياق، يقول رئيس نقابة أصحاب شركات التخليص ونقل البضائع في الأردن ضيف الله أبو عاقولة، "إن فتح المعبر السوري–التركي يعيد خط أوروبا–الخليج إلى مساره البري الطبيعي عبر سوريا، مما ينعكس إيجاباً على حركة الشحن والتخليص الجمركي في معبر جابر".

ويشير في تصريح لـ "المدن" إلى أن هذا التطور يرفع حجم العمل في الأردن ويزيد من إيرادات الرسوم الجمركية، كما يسمح بعودة الشاحنات الأردنية العاملة على نظام النقل الدولي البري (TIR) إلى خط أوروبا وتركيا. ويرى أبو عاقولة أن التجار يستفيدون على نحوٍ كبير من خفض كلف النقل وزمن التوصيل؛ إذ تصل البضائع من تركيا إلى الأردن خلال أسبوع واحد، أو من الخليج خلال عشرة أيام، في حين كان النقل البحري يستغرق حوالي شهر وبكلفة أعلى. ويلفت أيضاً إلى أن التسهيلات الأخيرة والتخفيضات الجمركية والإعفاءات المتبادلة بين الحكومتين السورية والأردنية تعزز هذه الحركة وتفتح آفاقاً جديدة أمام القطاع.

 

التنسيق الأردني–السوري يتوسع

إلى جانب تصريحات النقابات والاتحادات، جاء الموقف الرسمي الأردني مؤكداً حرصه على معالجة التحديات. وذلك خلال لقاء وزير النقل الأردني نضال القطامين والسفير الأردني في دمشق سفيان القضاة، والذي أكد خلاله القطامي متابعته للقضايا العالقة مع الجانب السوري، وبحث سبل تسهيل حركة الشاحنات الأردنية عبر الأراضي السورية ومعالجة التحديات التي تواجهها، ورأى القطامين أن التعاون القائم في هذا المجال يسهم في تحقيق مرونة أكبر في حركة النقل البري الإقليمي، وبوجهٍ خاص مع الدول المجاورة، وذلك في سياق الاجتماعات الفنية المشتركة المستمرة.

 

أبعاد سياسية واقتصادية أوسع

وفي حين تركز تصريحات المسؤولين والنقابيين على تفاصيل النقل والتحديات اليومية، يضع الخبراء الاقتصاديون هذه التطورات في إطار أشمل يتجاوز البعد الفني نحو حسابات سياسية واقتصادية إقليمية. 

فيعتبر الخبير الاقتصادي والباحث في الشأن التركي أدهم قضيماتي، أن تسهيلات عبور الشاحنات السورية عبر تركيا والأردن تحمل بعداً سياسياً، إذ تعكس هذه الخطوات انفتاح دول المنطقة على دمشق بعد أن كانت سوريا تُعامل سابقاً كـ "بؤرة لتصدير المخدرات" وهو ما فرض قيوداً مشددة على حركة النقل، في حين تساهم الجهود الأمنية الأخيرة في مكافحة هذه الظاهرة في تخفيف العبء عن السائقين والصناعيين.

أما اقتصادياً، فيوضح قضيماتي لـ "المدن" أن عودة تفعيل المعابر يعيد لسوريا موقعها التقليدي بوصفها حلقة وصل بين تركيا والأردن ودول الخليج، ويشير إلى أن قرارات التسهيل تشجع الصناعيين والتجار على استئناف التصدير برغم أن حجم الصادرات السورية ما يزال أقل مما كان عليه قبل 2011. وعليه، يرى أن هذه الإجراءات تمثل خطوة بالاتجاه الصحيح، لكنها تحتاج وقتاً حتى تنعكس عملياً مع إعادة هيكلة البنية التحتية، وعودة الإنتاج المحلي بأسعار قادرة على المنافسة.

ويلفت قضيماتي إلى أن تركيا تركز في رؤيتها المستقبلية على ربط دول الجوار بشبكة السكك الحديدية، وهو ما يخفف الكلف والإجراءات الأمنية، ويمنح النقل عبر سوريا بعداً أكثر استدامة سواء في حركة البضائع أو الأفراد.

وفي حين ترى الأطراف المختلفة في استئناف الترانزيت عبر سوريا فرصة لخفض التكاليف، وتقصير زمن الشحن، وربط المنطقة مجدداً بالطرق البرية الدولية، تبقى التحديات الإدارية والفنية قائمة، في انتظار ما سيسفر عنه الاجتماع الثلاثي المرتقب في الخريف المقبل، والذي يُعوّل عليه لتحديد ملامح المرحلة الجديدة من التعاون اللوجستي بين أنقرة ودمشق وعمّان.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث