لو صحّت الشائعة التي سرت بالأمس عن تعرّض إحدى شركات تحويل الأموال لعقوبات دولية، كما طالت سابقاً أحد المصارف، ما كان ليبقي في المصارف دولاراً واحداً من الودائع القليلة المستجدة أو التحويلات العابرة بها.
وبصرف النظر عن مدى صحة ما تم تداوله، فإن البلبلة لم تدم سوى ساعات قليلة، إذ سارع خلالها عدد من الزبائن إلى سحب أموالهم من بعض الفروع، قبل أن ينتهي الأمر سريعاً. لماذا؟
لأنه لم يعد ممكناً الهروب من حقيقة أن شركات تحويل الأموال في لبنان استحوذت على الثقة التي كانت ممنوحة للمصارف قبل أن تهدرها الأخيرة قبل ست سنوات بعد اختلاس الودائع ونكثها للثقة واستغلالها وإذلالها لمودعيها.
استحوذت شركات تحويل الأموال على تلك الثقة وعلى سوق واسع من العملاء، وليس ذلك فقط ما جعلها عرضة لمحاربة المصارف، بل تفوّقها في مجال التكنولوجيا المالية Financial Technology (Fintech) الذي تخلّفت عنه الغالبية الساحقة من المصارف اللبنانية.
بين المصارف وشركات التحويل
شركات التحويل المالي لاسيما الكبرى منها مثل Whish money، وOMT وبصرف النظر عما إذا كانت ترتكب المخالفات في ممارساتها الداخلية، وهو ما سبق لـ"المدن" أن كشفته في أحد تقاريرها حول استغلال شركات التحويل لأموال الجباية لصالح وزارة المالية، غير أنه لا يمكن إنكار تمكّنها من جذب جمهور واسع عبر ابتكارات وخدمات مالية بتقنيات رقمية سهلة وسريعة ولعبها دوراً محورياً في تعويض الثقة المفقودة في النظام المصرفي اللبناني وتقديم خدمات مالية أساسية بمرونة أكبر.
كما أن التوسّع الكبير للشركات المالية واستحواذها على حصة سوقية كبيرة من التعاملات المالية قد لا تجعلها رديفاً للمصارف، ولن تتمكّن بالطبع من الحلول مكانها، ولكنها من دون شك نجحت بالسيطرة على حصة من الأرباح التي كانت تحقّقها المصارف من التحويلات والخدمات المالية اليومية.
وهذا الأمر وحده كفيل بمحاربة المصارف لشركات التحويل المالي، وهو أيضاً ما يفسّر محاولاتها السابقة بالتعاون مع مصرف لبنان للتضييق على ممارسات شركات التحويل عبر قرارات وتعاميم تطالها مباشرة وتساهم بشكل أو بآخر بالتضييق على الشركات وإخراج بعضها من السوق.
وبحسب التقديرات فإن غالبية التحويلات المالية من المغتربين إلى لبنان منذ عام 2020 وحتى اليوم، تتم عبر الشركات المالية ولا ينال المصارف سوى الفُتات منها، وهو ما يؤكده مصدر مالي مطلع في حديث لـ"المدن". ويحدّد المصدر أن ما تم تحويله إلى لبنان عام 2022 تحديداً بقيمة 6.4 مليار دولار مرّ في غالبيته عبر شركات التحويل وليس المصارف.
من هنا يمكن تصوّر حجم الضرر الذي يلحق المصارف من توسّع ونجاح شركات التحويل المالي، وهو ما يبرّر محاربة المصارف لها من الداخل اللبناني قبل خارجه. وبحسب مصدر في إحدى أكبر شركات التحويل المالي Whish money، فإن عمليات الشركة مع الخارج تراعي جميع القوانين المحلية والدولية وتلتزم بشكل صارم بإجراءات مكافحة تبييض الأموال (AML) وتمويل الإرهاب (CTF)، وتعمل عن كثب مع السلطات المحلية والدولية لرصد الجرائم المالية ومنعها.
كما أكد مصدر من OMT أن الشركة تعمل وفق الأطر القانونية والتنظيمية التي تضمن الشفافية الكاملة في جميع عملياتها المالية. وتلتزم بكافة تعاميم مصرف لبنان، مع الحرص على تطبيق أعلى معايير الامتثال المالي. كما تخضع العمليات للتدقيق وفقًا للوائح العقوبات المحلّية والدولية منها OFAC- EU- HM- UN. وأوضح المصدر أنه يتمّ اتباع آلية Risk Based Approach لتصنيف المخـاطر، وتطبيق إجراءات العناية الواجبة المعززة (Enhanced due diligence) واعتماد نموذج اعرف عميلك (KYC. كما أن لكلّ التحاويل المالية رقم خاص بها وإيصال يعكس تفاصيل العملية بشكل دقيق مع ذكر صاحب الحق الاقتصادي ومصدر الأموال، مما يضمن توثيقها وإمكانية تتبّعها في أي وقت. إضافة إلى أن هناك سقفاً مالياً محدّداً للتحاويل المُرسلة محلّياً دولياً.
المحاربة من الداخل
تأكيدات شركات التحويل المالي في لبنان على شفافية تعاملاتها ليس بالضرورة الدليل القاطع على عدم وجود مخالفات في سجلاتها، غير أن ما هو مؤكد حتى اللحظة أن في كواليس المصارف من يعمل جاهداً للترويج لشائعة من هنا والتحريض على قرار بتحجيمها من هناك.
ولعل أصدق ما يثبت محاولة المصارف النيل من سمعة شركات التحويل المالي، هو ما صدر عن أحد المصرفيين بأن "الشركات تجاوزت حدودها وباتت تقدّم الخدمات المصرفية وتصدر البطاقات وتفتح الحسابات كما لو أنها مصارف" ولم يقصد هنا أنها تتجاوز بممارساتها القوانين التي بموجبها مُنحت تراخيصها إنما يقصد أن توسّعها لم يعد مقبولاً وقد قالها فعلاً إن الشركات "أكلت السوق".
وكيف لا تتسع شريحة المتعاملين مع الشركات إن كانت عملية تحويل مبلغ لا يتجاوز 500 دولار على سبيل المثال عبر مصرف لبناني تكلّف العميل أكثر من 27 دولاراً في حين أنها تتم بشكل شبه مجاني عبر بعض شركات التحويل، كذلك الأمر بالنسبة إلى الشراء "أون لاين". ناهيك عن سهولة ومرونة التعامل عبر الشركات بخلاف المصارف التي لا تزال بغالبيتها تفرض على العميل الحضور شخصياً إلى أحد فروعها والانتظار لساعات طويلة لإتمام معاملة ما.
هذا الواقع دفع قلة من المصارف إلى التشارك والتعاون مع شركات تحويل مالي، أما الغالبية من المصارف في لبنان فيسيطر عليها القلق من تزايد أسباب وعوامل خروجها من السوق وعلى رأسها إعادة الهيكلة واستحواذ شركات التحويل المالي بشكل أو بآخر على صغار مودعيها وعملائها.
