الأمن الغذائي في المنطقة العربية: ما بعد الحلول التقنية

مروان عيسىالثلاثاء 2023/02/21
GettyImages-871131110.jpg
تعاني النساء بمعدلات غير متناسبة وزائدة ماديًا في فترات انعدام الأمن الغذائي (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

تعاني المنطقة العربية من عدّة مشاكل سياسية واقتصادية واجتماعية بعد سنوات من حلول وباء كوفيد وسلسلة الثورات المضادة من قبل الأنظمة الحاكمة وحلفائهم. ومع تأزّم الأوضاع الاجتماعية، يبقى الأمن الغذائي أحد أكثر المشاكل المصيرية، إذ يعاني أكثر من 47 مليون شخص من النقص في التغذية حسب تقرير منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة عام 2021، ومن المرجح أن تكون هذه الأعداد قد ازدادت خلال السنوات الأخيرة وأقلّ من قيمتها، نظرًا لعدم توفّر أنظمة معلومات معتمدة تغطّي كافة الفئات الاجتماعية.

يختلف سياق الأمن الغذائي بين بلدان المنطقة العربية، نسبة إلى الفروقات الكبيرة، كالفرق بين البلاد المتأزّمة كاليمن حيث معدّلات النقص في التغذية تشمل نصف المقيمين، أو سوريا والعراق ولبنان، وبين البلاد التي شهدت تطوّرًا كبيرًا في مجال الأمن الغذائي كالمملكة العربية السعودية والإمارات. ولكن بالرغم من هذه الفروقات وفروقات أخرى على الصعيد السياسي والاقتصادي والاجتماعي، بإمكاننا تحديد عدّة نقاط شبه بين بلدان المنطقة، فيما يخص تطوير الأمن الغذائي ونواقص تحقيقه.

الأمن الغذائي وجائحة كوفيد
لعبت جائحة كوفيد-19 دورًا أساسيًّا في عرقلة تحقيق الأمن الغذائي في المنطقة العربية من خلال تعطيل أنظمة الغذاء، خصوصًا فيما يتعلّق بالفئات الأكثر هشاشة، كالعاملين غير النظاميين والعاملين في القطاعات المنتجة، أهمّها الزراعة.

تسبّب الوباء في تعطيل سلاسل الإمداد الغذائية التي يعتمد عليها عدد كبير من البلدان العربية، خصوصًا الأكثر اعتمادًا على المساعدات الإنسانية والمصادر الخارجية. تكمن عواقب بعض هذه الأعطال في ارتفاع أسعار المواد الغذائية الأساسية (وأدّى ذلك إلى تفاقم أزمات سعر الصرف في عدد من البلدان كمصر ولبنان) وأصبحت السلع الأساسية غير متوفّرة للأكثر فقرًا. يزداد الوضع صعوبةً عند الشباب تحديداً مع ارتفاع معدّلات فقدان الوظائف وانخفاض معدّلات الدخل بشكلٍ عام.

من العواقب غير المباشرة للجائحة هي الاضطرابات في القطاعات التعليمية، حين كان يعتمد العديد من التلاميذ على الوجبات المدرسية لتغذيتهم اليومية. ومع اعتماد التعليم عن بُعد عند عدد كبير من المدارس والمؤسسات التعليمية، تعزّزت الاضطرابات التعليمية مع الاضطرابات الغذائية، والتي من المرجح أن تكون عزّزت نقاط ضعف أخرى عند المجموعات الأكثر هشاشة. وبالرغم من الوعي الذي انتجته الجائحة لضرورة بناء نظم غذائية مستدامة ومرنة، لا يزال هذا الوعي غير قادر على مضاهاة نقص الإمكانيات المادية المتوفّرة.

الفئات الأكثر عرضة لغياب الأمن الغذائي
كما هو الحال في الأزمات عموماً، تعاني النساء بمعدّلات غير متناسبة وزائدة مادّيًّا في فترات انعدام الأمن الغذائي. فمع محاولات الأنظمة البطريركية في المنطقة للتقليل من دور النساء الاجتماعي الريادي وحصر مهامها في الأدوار المنزلية والمجتمعية والمهام غير المأجورة، يحدّ ذلك من إمكانية النساء في المشاركة بالنظم الغذائية، والوصول إلى الموارد الأساسية التي تعزّز مرونتهم وقدرتهم على التكيّف مع الأزمات. بذلك يقتصر دورهم الزراعي ونشاطهم المهني على العمل غير المأجور أو الأجور الزهيدة، نظرًا لعدم وصولهم لأحدث الموارد التكنولوجية وملكيّة العقارات والائتمان.

تلعب الأدوار المنزلية المعزّزة اجتماعيًّا وسياسيًّا دورًا أساسياً في معاناة النساء النوعية تجاه الأمن الغذائي. فمع حصر أدوارهم في عمل الرعاية والأدوار غير المأجورة، يحدّ ذلك من قدرة العائلات التي تقودها النساء من تحقيق الكميّة الكافية من ضروريات الغذائية. وتتفاقم أزمة النساء النوعية بشكل عام مع المعدّلات المرتفعة من العنف القائم على النوع الاجتماعي في المنطقة، وغياب التمثيل في مناصب اتخاذ القرار السياسية، ما يؤدّي إلى غياب السياسات التي تراعي الفوارق الجنسية.

تتّسم المنطقة العربية أيضًا بالكم الهائل من عقود العمل غير الرسمية، خصوصًا في المناطق الزراعية. تكمن ضرورة التركيز على هذه الفئات في حقيقة أنّ معظم هذه العقود وظروف العمل لا تتضمّن مخطّطات الحماية الاجتماعية، وتتّسم بغياب أي نوع من الأمن الوظيفي، كفوائد العمل المختلفة والإجازات المرضية المدفوعة الأجر وغيرها، مع العلم أنّ في بعض البلدان العربية تشكّل الوظائف غير الرسمية حوالى النصف، بينما يتمتّع موظّفو القطاع العام بامتيازات عدّة، خصوصًا في البلدان ذوي التاريخ الاشتراكي أو الدول الرعائية كمصر والعراق وغيرها.

بعض الحلول التقنية المعتمدة الحديثة
توفّر التطوّرات التكنولوجية الأخيرة فرصاً كبيرة لتحسين الأوضاع الزراعية في المنطقة العربية. مع ازدياد وتطوّر تقنيات الزراعة الدقيقة والزراعة الذكية مناخيًّا تأتي إنتاجية غذائية وزراعية فعّالة ومرنة أكثر مع التغيّرات المناخية العنيفة، خصوصًا في المناطق الصحراوية من الإقليم.

ويشكّل الاستثمار المعتمد في الآونة الأخيرة من قبل المنظمات الدولية والمحلية في التنمية الريفية، محطّة مهمة لبناء بنى تحتية صلبة كالطرقات ونظم الري المتطوّرة المتّسمة باستدامة زمنية وعدالة، من حيث الوصول وتوفّر الخدمات لصغار المزارعين. إن عدم توفّر المياه الصالحة للشرب من المشاكل الغذائية الأساسية للمنطقة. وهنا تلعب أنظمة إدارة المياه كأنظمة الري بالتنقيط وإعادة تدوير المياه وتجميع مياه الأمطار دورًا أساسياً في مواجهة أحد مشاكل المنطقة الأكثر إلحاحًا.

إن تجهيز صغار المزارعين بالتقنيات الزراعية الأحدث بإمكانه أن يكون عاملًا أساسيًّا في تطوير إمكانيّات الاكتفاء الذاتي، خصوصًا أولئك الذين لا يزالوا يعتمدون على التقنيات الزراعية التقليدية. وبإمكان تزويد صغار المودعين دعماً مادّياً مباشراً أو غير مباشر من خلال خدمات الائتمان، والتدريب، أن يقطع شوطًا طويلًا في تعزيز إمكانية وصول المزارعين إلى الأسواق، وأن يساهموا بدورهم في ديناميكيات وأنظمة أمن غذائي صحيّة ومستدامة.

من أهمّ المبادرات المتركّزة على تطوير الأمن الغذائي والزراعة المستدامة، أهداف الأمم المتحدة الثلاثة عشر، وحملة برنامج الأغذية العالمية للقضاء على الجوع. وبالرغم من بعض النواقص في المتابعة والتدقيق، يشكّل الضغط الدولي -خصوصًا المادي- عاملاً أساسياً في تبنّي العديد من الأنظمة القمعية سياسات زراعية عادلة ومستدامة، وتوجّه التكنولوجيا نحو العدالة الغذائية بشكل عام.

الحلّ دائمًا يبدأ وينتهي بالسياسة
تتراوح مراحل الوصول لأمن غذائي مستدام في المنطقة العربية ما بين المراحل التشريعية والنظامية العامة والمراحل المحليّة التنموية والتنفيذية في السياقات المحدّدة. ومن هنا، يعتمد تحقيق مسار مستدام ومرن للأمن الغذائي على نيّة وإمكانيات والظروف السياسية للطبقات الحاكمة وأصحاب القرار في البلاد المعنية من جهة، والبلديات المحليّة في آن.

ما بين ارتهان أنظمة المنطقة لشبكات زبائنية ومالية ومصرفية من جهة، وهيكليّات سياسيّة تغيب فيها المساءلة من جهة، يقتصر الأمن الغذائي على خيارات في توزيع الموارد والإمكانيّات. بعبارة أخرى، يعتمد الأمن الغذائي على خيار ما بين اثنين، إمّا سياسات تدمج ما بين النموّ الاقتصادي وحماية الأكثر هشاشة، وإمّا سياسات تخضع لمصالح قوى المال والميليشيا والإقطاع التقليدي.

إنّ مراعاة ترابط مصائر الفئات المجتمعية المختلفة وتقاطع الأزمة الغذائية في المنطقة ما بين الضرر غير المتناسب، الذي يعاني منه العاملين في الزراعة، وأصحاب الوظائف غير الرسمية، والنساء، والقاطنين في مناطق الاضطرابات، ضروري لإيجاد حلول هجينة ومستدامة ومرنة بوجه تقلّبات المنطقة العنيفة. عندها، تتعزّز سياسات الحماية الاجتماعية الموجّهة نحو الفئات المهمّشة، مع استقرار صحّة الأمن الغذائي في المنطقة، وتطوّر الإمكانيات المحليّة في عمليّة متبادلة ما بين النمو الاقتصادي والتنمية البيئية المستدامة والأمن الغذائي الشامل.  

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث