image
السبت 2022/11/19

آخر تحديث: 15:01 (بيروت)

قطاع التكنولوجيا يسرّح موظفيه: ضريبة الإفراط بالنمو

السبت 2022/11/19 علي نور الدين
قطاع التكنولوجيا يسرّح موظفيه: ضريبة الإفراط بالنمو
استمرارية منصة تويتر نفسها هي اليوم على المحك (انترنت)
increase حجم الخط decrease

ينشغل العالم بترقّب مصير منصّة تويتر، بعد سلسلة من الأحداث التي لم تبشّر بالخير حتّى اللحظة: بين استحواذ إلون ماسك على أسهم الشركة، وفصله نصف الموظفين، وصولًا إلى تخيير النصف الآخر بين العمل الشاق لساعات طويلة أو الإلتحاق بصفوف المسرّحين من العمل. في النتيجة، لا يبدو أن الذين تبقّوا في القوّة العاملة داخل الشركة سعيدين بمآل الأمور، وتحديدًا لجهة مزاجيّة مالك الشركة الجديد، وانتهاجه سياسة رفع الإنتاجيّة والفعاليّة على حساب ظروف عمل الموظفين، وغياب الاستقرار الوظيفي تحت سلطته.

استمراريّة تويتر مهددة
في ظل هذه الظروف، قرّرت الغالبيّة من الساحقة من الموظفين المتبقين عدم التجاوب مع رسالة "الخيارين" (العمل الشاق أو التسريح) التي أرسلها ماسك، وانقطعوا عن التجاوب مع تعليمات إدارات أقسامهم منذ مساء يوم الخميس. ولغاية صباح يوم أمس الجمعة، كان ماسك يحاول جاهدًا فهم هيكليّة الشركة ومهام أقسامها المختلفة، بعد أن هددت خطواته المتسرّعة والطائشة بنية الشركة التحتيّة التقنيّة.

وعلى مدى اليومين الماضيين، كانت النقاشات تدور حول قدرة المنصّة على الاستمرار في العمل، بعد موجة الاستقالات الواسعة، التي تلت موجة التسريح التي قادها ماسك. مع الإشارة إلى أنّ الشركة اتخذت قرارًا بإقفال مراكز العمل منذ صباح يوم أمس الجمعة، خوفًا من أي حالة تمرّد يمكن أن تعطّل عمليّات المنصّة، فيما كانت إدارة المنصّة العليا تخوض مفاوضات متفرّقة مع الكثير من الموظفين الأساسيين للحؤول دون مغادرتهم الشركة.

ماسك متطرّف...لكنّ قطاع التكنولوجيا مأزوم
يمثّل إلون ماسك حالة متطرّفة، جمعت ما بين الذهاب بعيدًا في "تشحيل" القوّة العاملة، إلى حد النصف، والاعتقاد بأن ربحيّة الشركة ستعتمد على مدى قدرته على "عصر الموظفين" إلى أقصى حد. إلا أن الظروف التي تمر بها تويتر، والتي اتخذ على أساسها ماسك قراراته –بشكل راديكالي- مشابهة للظروف التي تمر بها جميع شركات التكنولوجيا الغربيّة، والتي دفعتها لاتخاذ قرارات مشابهة. وإن كانت الشركات الأخرى عمدت لاتخاذ هذا النوع من الخطوات على نحو متدرّج وأقل قسوة.

منذ أيّام قليلة، أعلنت شركة التجارة الإلكترونيّة الأميركيّة العملاقة أمازون اتجاهها لشطب 10 آلاف وظيفة، اعتبارًا من الأسبوع الراهن، على أن يتم تركيز عمليّات التسريح في قطاعات صناعة الأجهزة وتجارة التجزئة والموارد البشريّة. وهذه العمليّة، ستمثّل أكبر عمليّة تسريح للموظفين تقوم بها شركة أمازون في تاريخها، في الوقت الذي باشرت فيه الشركة عمليّة إعادة هيكلة واسعة تسمح بدمج فرق عمل وأقسام، للتمكّن من الإستغناء عن عدد إضافي من الوظائف في المستقبل.

وخلال الفترة الزمنيّة نفسها، كانت شركة ميتا، الشركة الأم لفايسبوك، تعلن عن اتجاهها لتسريح 11 ألف موظّف دفعها واحدة، ما سيمثّل أيضًا أكبر عمليّة تسريح جماعي للموظفين في تاريخ الشركة. وبعد هذه العمليّة، ستكون ميتا قد تخلّصت من 13% من قوّتها العاملة، فيما تخطط الشركة للتجميد التوظيفات لديها لغاية الربع الأوّل من العام المقبل على أقل تقدير.

على النحو نفسه، أعلنت سناب شات في بداية الشهر الحالي اتجاهها لتسريح 20% من موظفيها، فيما اتخذت مايكروسوفت خلال الشهر الماضي قرارًا بتسريح نحو ألف موظّف من أقسام مختلفة داخل الشركة. أما شركة الخدمات والبرامج الماليّة الأميركيّة سترايب، فأعلنت بدورها هذا الشهر عملها عن تقليص عدد موظفيها بنسبة 14%، فيما أعلنت شركة ليفت عملها على تقليص عدد الموظفين بنسبة 13%.

ببساطة، شملت موجات التسريح الغالبيّة الساحقة من شركات التكنولوجيا العالميّة، بما فيها شركات أخرى مثل نيتفليكس وشوبوفاي وغيرها. مع الإشارة إلى ان موجات التسريح لم تبدأ خلال شهر أيلول، بل بدأت عمليًّا منذ بداية هذه السنة، إلا أنّها اشتدّت وتزايدت وتيرتها وحجمها منذ بداية شهر أيلول. وفي النتيجة، من المتوقّع أن يبلغ عدد الموظفين المسرّحين من شركات التكنولوجيا الأميركيّة هذه السنة أكثر من 121 ألف موظّف.

أسباب موجات التسريح
لفهم أسباب موجات التسريح الحاليّة، من المفترض العودة إلى ما جرى منذ العام 2020. يومها، أدى تفشّي وباء كورونا وموجات الإقفال العام، إلى زيادة استهلاك الأفراد حول أنحاء العالم لخدمات شركات التكنولوجيا العالميّة، ولكل ما يتصل بأنشطة التواصل عبر الانترنت. في تلك المرحلة، بدأت معظم شركات التكنولوجيا باتخاذ قرارات قضت بتوسيع نطاق خدماتها، وزيادة الاستثمارات الهادفة لتضخيم هيكليّاتها وقوّتها العاملة.

ومع عودة معدلات النمو الاقتصادي للارتفاع خلال العام 2021، اشتدّ الطلب على قطاعي الإعلانات وتجارة التجزئة عبر الانترنت، ما عزّز من اعتقاد شركات التكنولوجيا بضرورة توسيع أعمالها مجددًا، تحسّبًا لحجم الطلب المتزايد على خدماتها. وفي الوقت نفسه، أطلقت بعض هذه الشركات مشاريع استراتيجيّة جديدة، كما فعلت فايسبوك التي لم تكتفِ بالتركيز على مشروع ميتافيرز الطموح، بل غيّرت إسمها إلى "ميتا" تعبيرًا عن جعله رهانها الأوّل والأساسي. وكما هو متوقّع، تضخّمت أعداد موظفي جميع شركات التكنولوجيا العالميّة الكبرى بين عامي 2020 و2021، بالتوازي مع تضخّم حجم الشركات نفسها.

في مطلع العام الحالي، بدأت الأمور تسير بالاتجاه المعاكس تمامًا. فتباطؤ النشاط الاقتصادي انعكس بشكل تلقائي على سوق الإعلانات والتجارة عبر الإنترنت، ما أدّى إلى تراجع عوائد شركات التكنولوجيا التي تعتمد بشكل أساسي على هذه المداخيل. كما ساهم إعادة فتح الأسواق، وعودة النشاط السياحي إلى سابق عهده، بتقليص مستوى استهلاك الأفراد حول أنحاء العالم لخدمات شركات التكنولوجيا، الذي ارتفع سابقًا في فترات حظر التنقّل والحركة السياحيّة. ومن هذه الزاوية مثلّا، يمكن فهم التحوّل الذي حصل حين انخفض عدد مشتركي خدمة نيتفليكس خلال العام الحالي، لأوّل مرّة منذ أكثر من عقد من الزمن.

وفوق كل ذلك، ضربت شركة آبل ضربتها، بإدخالها تعديلات على أنظمة عمل هواتفها الذكيّة، بما بات يفرض موافقة المستهلك الصريحة على تتبع نشاطه عبر وسائل التواصل الاجتماعي، من قبل شركات التكنولوجيا. مع الإشارة إلى أنّ جميع منصّات التواصل الاجتماعي كيوتيوب وفايسبوك وانستغرام وتويتر كانت تعتمد على هذه الخاصيّة بالتحديد، لعرض محتوى وإعلانات تناسب مع أنمط استخدام المستهلكين لوسائل التواصل الاجتماعي. وهذا التحوّل تحديدًا سيسبب خسائر ماليّة كبيرة لمنصّات التواصل الاجتماعي، التي كانت تراهن على مداخيل الإعلانات التي تستهدف فئات محددة من المستهلكين، بحسب ما يتم تتبعه من نشاط على الانترنت.

في خلاصة الأمر، أدركت شركات التكنولوجيا أن مسار الأمور لا يتطابق مع توقعاتها للمرحلة المقبلة، وخصوصًا من جهة حجم المداخيل والاستهلاك المرتقبين. كما أدركت أنّها تسرّعت باتخاذها قرارات التوسّع بالاستثمار والتوظيف، وهذا ما أعلن عنه الغالبيّة الساحقة من المدراء التنفيذيين في هذه الشركات. ومنذ بداية السنة، شرعت شركات التكنولوجيا بتقليص نطاق استثماراتها، التي كانت قد توسّعت في السابق، وعادت إلى تسريح أعداد كبيرة من العمّال والموظفين.

أمّا إلون ماسك، فدخل الحفلة متأخرًا، وشرع بالهرج والمرج في منصّة كبيرة كتويتر، دون الأخذ بعين الاعتبار خلفيّات الأزمة وأسبابها، والمعالجات المحدودة جدًّا المطلوبة للتعامل معها. وبدل تقليص أعمال الشركة بشكل محدود، بما يتناسب مع التوسّع السابق غير المبرّر، بدأ بالتعامل مع الأزمة بقرارات راديكاليّة وقاسية، ما أشعل مواجهته الراهنة والواسعة النطاق مع الموظفين، فباتت استمراريّة المنصّة نفسها على المحك.

increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها