آخر تحديث:11:35(بيروت)
الخميس 10/06/2021
share

المصارف تشعل المضاربة على الليرة وتعدم منصّة سلامة

علي نور | الخميس 10/06/2021
شارك المقال :
المصارف تشعل المضاربة على الليرة وتعدم منصّة سلامة تعرضت خطة سلامة إلى كمين محكم من قبل المصارف (مصطفى جمال الدين)

كان من المفترض أن تكون منصّة مصرف لبنان المستحدثة، للتداول بالعملات الأجنبيّة، نقطة انطلاق لمسار ضبط سعر صرف الدولار وخفضه تدريجيّاً، وصولاً إلى مرحلة تحويل سعر صرف المنصّة نفسه إلى السعر الفعلي العائم والموحّد لليرة، والتخلّص من سعر السوق السوداء. لكن عملياً، حدث العكس تماماً طوال الأيام الماضية. إذ استمرّت الليرة بتسجيل انخفاضات متكررة وقاسية في قيمتها في السوق السوداء، وصولاً إلى مستويات تجاوزت 14,500 ليرة مقابل الدولار الواحد ظهر يوم الأربعاء، في مقابل سعر منصّة مصرف لبنان التي جرى تثبيتها عند حدود 12 ألف ليرة للدولار الواحد.

المعطيات المتوفرة تشير إلى أن مصرف لبنان امتلك رؤيته الكاملة والمحكمة لكيفيّة ضبط سعر صرف السوق السوداء، من خلال المنصّة. وهي رؤية تستند على نظريات نقديّة عرضها مصرف لبنان أمام التقنيين المكلّفين بتنفيذ الخطة في المصارف التجاريّة. لكنّ على ما يبدو، كانت أصابع المصارف نفسها بالمرصاد لإفشال خطة المنصّة، سواء من خلال عرقلة انطلاقتها في فروعها، أو عبر تكثيف عمليات المضاربة التي تقوم بها في السوق السوداء، لسحب الدولارات والتسبب بالمزيد من الهبوط في سعر الصرف في السوق الموازية.

باختصار، لا تعتقد المصارف أن الأوان قد حان لتوحيد أسعار الصرف واستيعاب عمليات السوق الموازية في منصّة مصرف لبنان، وذلك لأسباب ترتبط بمصالحها الخاصّة. أما انهيار سعر صرف الليرة الأخير، فلا يعني فقط إفشال المنصّة عبر منعها من تحقيق هدف تخفيض سعر صرف السوق الموازية، بل يعني كذلك إعدامها تقنيّاً، لأن ذلك سيمنع عملياً مصرف لبنان من توحيد سعر صرف المنصّة مع سعر صرف السوق السوداء وتعويم هذا السعر لاحقاً. وبذلك، لن تكون المنصّة الجديدة سوى سعر مدعوم جديد، شبيه بسعر المنصّة السابقة، الذي جرى تثبيت آخر سعر لها عند حدود 3900 ليرة للدولار.

مؤامرة المصارف على المنصّة حكاية مثيرة للاهتمام، لكونها تمثّل إحدى نقاط الاشتباك المستجدة بينها وبين حاكم المصرف المركزي.

أحجية مصرف لبنان وخطته الأساسيّة
قبل الدخول في حكاية المصارف مع المنصّة منذ بدايتها، قد يكون من المفيد شرح خطة رياض سلامة الأساسيّة لإطلاق المنصّة وتشغيلها. فقد ارتكزت خطة سلامة على هدفين متوازيين: أولاً، دفع سعر صرف السوداء للانخفاض بشكل متدرّج. وثانياً، تحويل المنصّة إلى آلية التداول الرئيسيّة للدولار في الأسواق، كبديل عن السوق السوداء نفسها.

هنا برزت الأحجية الأولى أمام سلامة: فتفعيل المنصّة انطلاقاً من سعر صرف السوق السوداء نفسه، سيعني التسليم بهذا السعر وعدم تحقيق الهدف الأوّل، أي خفض سعر صرف الدولار. أما اعتماد سعر صرف آخر، يقل عن سعر السوق السوداء، فسيعني عدم القدرة على تحويل المنصّة إلى وسيط للتداول بالعملة الأجنبيّة، لكون عمليات بيع الدولار من قبل المواطنين ستتجه تلقائياً إلى السعر الأعلى في السوق السوداء. وفي هذه الحالة، ستتحوّل المنصّة إلى مجرّد آلية لبيع دولارات مصرف لبنان بسعر مدعوم جديد، ما سيناقض الهدف الثاني.

الحل بالنسبة إلى سلامة كان الانطلاق بخطة تقوم على مرحلتين. في المرحلة الأولى، التي بدأت خلال شهر أيار الماضي، انطلقت المنصّة بتمويل من مصرف لبنان نفسه، بسعر صرف بلغ 12 ألف ليرة لبنانيّة للدولار الواحد، في الوقت الذي كان سعر صرف السوق السوداء يتجاوز حدود 13 ألف ليرة للدولار. سعر المنصّة، لم يكن قادراً بالتأكيد على اجتذاب عمليات بيع الدولار من قبل المواطنين، بسبب انخفاض سعرها مقارنة بالسوق السوداء، أي أن المنصّة لم تكن قادرة على الانطلاق بالتداول بيعاً وشراءً، كوسيط.

لكنّ الهدف من المرحلة الأولى كان مزدوجاً: أولاً تلبية طلب مستوردي المواد الغذائيّة والأدوية على الدولار، عبر بيعهم دولارات مصرف لبنان من خلال المنصّة، وبالتالي إراحة السوق السوداء من جزء من الطلب على الدولارات. وثانياً امتصاص كتلة من السيولة النقديّة بالليرة اللبنانيّة، عند بيع الدولار عبر المنصّة، ما سيعني تخفيف الطلب على الدولار في السوق السوداء أيضاً.

وهكذا راهن سلامة أن تؤدّي عمليات المرحلة الأولى إلى تخفيض سعر الصرف في السوق السوداء تدريجياً، بفعل امتصاص الليرات وبيع الدولار. وبذلك، يكون الحاكم قد مهّد للمرحلة الثانية من عمل المنصّة، أي مرحلة تحويلها إلى وسيط قادر على بيع الدولار وشرائه في السوق، بعد أن يلامس سعر صرف السوداء سعر المنصّة نفسها. وفي المرحلة الثانية، يصبح بإمكان الحاكم أن يسحب يديه تدريجياً، ويقلّص حجم الدولارات التي يضخّها في المنصّة، على أن يكتفي بالتدخل عند الحاجة.

مشاكسة المصارف: اعتبارات عديدة
لم تمتلك المصارف المصلحة بنجاح المنصّة، لا بل كان من الواضح أن المنصّة ستمثّل ضربة محكمة لبعض مصالحها. فالمصارف تمثّل الزبون الأهم في السوق السوداء، وقد اعتمدت طوال الفترة الماضية على امتصاص دولارات هذه السوق لتعويم حساباتها لدى المصارف المراسلة، ورفدها بما يلزم من سيولة لسداد التزاماتها الخارجيّة. كما اعتمدت على امتصاص دولارات السوق السوداء للامتثال لشروط إعادة الرسملة التي وضعها مصرف لبنان، والتي نصّت على تأمين سيولة حرّة من أي التزامات بنسبة 3% من إجمالي ودائعها. مع العلم أن المصارف استمرّت حتّى اليوم بشراء الدولارات، إما مقابل مبالغ نقديّة بالليرة اللبنانيّة أو مقابل شيكات مصرفيّة. ولذلك، لم تملك المصارف أي مصلحة بنجاح المنصّة وتصفية السوق السوداء على المدى الطويل.

وفي الوقت نفسه، كانت المصارف تخوض مشادات مع الحاكم في ملفات أخرى، كملف مصدر تمويل السحوبات النقديّة بالدولار من الحسابات المصرفيّة، وهو ما دفعها إلى مشاكسة المنصّة في محاولة لدفعه إلى التنازل في هذه الملفات. ومن الناحية العمليّة، كانت المصارف تدرك أن توحيد أسعار الصرف يمثّل أحد الأركان الأساسيّة لأي معالجة ماليّة محتملة، وهو ما يعني من الناحية العمليّة إمكانيّة لي ذراع الحاكم من خلال الضغط في هذا الملف.

الانقلاب على الخطة
لم تواجه المصارف أي صعوبة في الانقلاب على هذه الخطة. كان كافياً أن تتعامل ببرودة شديدة مع هذا الملف، وأن تحجم معظم فروعها عن تلقي طلبات شراء الدولار بذرائع بيروقراطيّة وإداريّة وتقنيّة، ليقتصر حجم تداولات المنصّة على قيمة هزيلة لا تتجاوز 10 مليون دولار خلال الأسبوع الماضي. وبذلك، لم تحقق المنصّة -بحجم العمليات الضئيل هذا- الدور المأمول منها في المرحلة الأولى، ما أفشل أثرها على سعر صرف الليرة.

وفي الوقت نفسه، تسارعت وتيرة عمليات المصارف في السوق السوداء، الهادفة إلى امتصاص الدولارات من هذه السوق بأي ثمن. وهو ما مثّل حركة ماليّة معاكسة تماماً لحركة المنصّة. فبينما كانت المنصّة تسعى لتخفيض حجم الطلب على الدولار في السوق السوداء، وبالتالي خفض سعر صرف الدولار، كان طلب المصارف المستعر على دولارات السوق السوداء يشعل سعر الصرف صعوداً، وكأن المنصّة لم تكن. علماً أن حاجة المصارف للدولارات لتمويل السحوبات النقديّة التي نص عليها قرار مصرف لبنان فاقم من شراهة المصارف لدولار السوق السوداء.

في الخلاصة، وبعد نجاح مناورة المصارف وارتفاع سعر صرف السوق السوداء، فشلت المنصّة بعد تعثّر انطلاقتها أو عجزها عن تحقيق أي تحسّن في سعر صرف الليرة. لكن الأهم هو تعرّضها إلى كمين محكم أجهز على إمكانية انتقالها إلى المرحلة الثانية من الخطة، أي إلى مرحلة التحوّل إلى منصّة لتداول الدولار بيعاً وشراءً، بفعل اتساع الفارق بين سعر صرف المنصّة وسعر السوق السوداء. وفي الخلاصة، ابتعد المصرف المركزي عن فكرة استيعاب تداولات السوق السوداء ضمن المنصّة وتوحيد أسعار الصرف المتعددة.

في المرحلة المقبلة، سيكون أمام الحاكم خياران لا ثالث لهما: إما ابقاء المنصّة على سعر الصرف الحالي، ما يعني تحولها إلى سعر صرف مدعوم إضافي، تماماً كما كان سعر المنصّة القديمة كأحد الأسعار المدعومة التي تم اعتمادها لدعم استيراد المواد الغذائيّة. أو محاولة تكرار تطبيق الخطة نفسها، بعد رفع سعر صرف المنصّة ليقترب أكثر من سعر صرف السوق السوداء، علماُ أن المصارف ستكون حاضرة للإنقلاب عليه من جديد.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها