آخر تحديث:17:11(بيروت)
الثلاثاء 04/05/2021
share

خطة دعم العائلات بالدولار: وداعاً لآخر احتياطي مالي

خضر حسان | الثلاثاء 04/05/2021
شارك المقال :
خطة دعم العائلات بالدولار: وداعاً لآخر احتياطي مالي سيحصل كل فرد في العائلات الأكثر فقراً على نحو 30 دولاراً (علي علّوش)
تبحث السلطة السياسية في تغيير منهجها لمواجهة الأزمة من دعم السلع إلى دعم العائلات، عبر إصدار بطاقة تمويلية تعطي 750 ألف عائلة لبنانية تحتاج المساعدة، نحو 154 دولاراً شهرياً، كمتوسط قيمة المساعدات التي تتدرّج من 60 دولاراً بالحد الأدنى، وصولاً إلى 210 دولارات بالحد الأقصى.
وبموجب المشروع الذي طرحه رئيس الحكومة حسان دياب، تتوزع قيمة المساعدة بين مبلغ شهري مقطوع لكل أسرة، يبلغ 29.6 دولاراً، يضاف إليه 29.6 دولاراً لكل فرد. علماً أن متوسط عدد أفراد الأسرة حُدد بـ4.2 أشخاص. وبما أن الحد الأقصى للمساعدة هو 210 دولارات، يعني بأن الحد الأقصى المعترف به لأفراد الأسرة محدد بنحو 7 أشخاص.

واقتراح البطاقة التمويلية يحمل في ظاهره حلاً سحرياً، فيما يؤكد في باطنه، استمرار الأزمة بمؤشرات أصعب مما نشهده اليوم. وأولى المؤشرات السلبية، هي انفلات أسعار الدولار والسلع وزيادة معدّلات الفقر.

تجميل المشروع الجديد
يبني دياب مشروعه الجديد على أمل توفير الدولار في السوق، من خلال استعمال الأسر المستهدفة للدولار، ما "سيخفف من ارتفاع سعر الصرف ويحد من استنزاف القدرة الشرائية للمواطن ويساعد في التخفيف من وطأة الأزمة الاقتصادية، ويحد من التضخم الذي سيحصل في حال توزيع 10.4 تريليون بالليرة، بدل الدولار".

ويأمل دياب أن تتراجع أسعار السلع الغذائية والاستهلاكية بفعل "ضخ الدولار إلى السوق بشكل غير مباشر بقيمة 115 مليون دولار شهرياً، أو 1.4 مليار دولار سنوياً"، فمن شأن ذلك "دعم سعر صرف الليرة أمام الدولار ويقلّص هامش سعر الصرف".

دعم من جيوب المودعين
الاحتمالات المرسومة لنتائج تداول الأسر للدولار في السوق، أوهَمَت دياب أنها قادرة على إخفاء سؤال مهم جداً، وهو مصدر تمويل البطاقة. فمصرف لبنان لم يعد يملك دولارات كافية لتمويل دعم الأسر، ما يعني أن تمويل كلفة البطاقة البالغ نحو مليار 384 مليون ليرة، سيتم من الاحتياطي الإلزامي الذي تضعه المصارف لدى المركزي. علماً أن الأخير غير مخوَّل له التصرف بهذا الاحتياطي، لأنه عبارة عن أموال للمودعين وليس للمصارف أساساً.

ويتغاضى دياب عن مصدر التمويل، معتمداً على قاعدة "الضرورات تبيح المحظورات"، إذ من المتوقع أن يحقق مشروع البطاقة وفراً كبيراً مقارنة مع كلفة دعم السلع المعتمدة حالياً والتي تصل إلى 5 مليار دولار سنوياً، بحسب خطة دياب. وبالتوازي، يوقف مشروع البطاقة هدر 80 بالمئة من قيمة دعم السلع، والتي يستفيد منها المهرّبون وكبار التجار ومن لا يستحق الدعم من الأغنياء.
كما أن المشروع سيترافق مع وقف الدعم عن المحروقات والغاز والسلة الغذائية، وتخفيض الدعم على الأدوية، وزيادة الدعم على ربطة الخبز. وهذا الترشيد للدعم، سيكلف مصرف لبنان نحو 796 مليون دولار فقط.

الوفر الذي ستحققه البطاقة التمويلية يعيدنا إلى المليارات التي جرى هدرها عبر سياسة دعم السلع، من دون أن تحقق الغاية المرجوة منها. فلا الأسعار المدعومة توفّرت في السوق، ولا تراجع الضغط على طلب الدولار، ولم تنخفض أسعاره، بل ارتفعت. واليوم، يريد دياب ومن خلفه السلطة السياسية، وضع اليد على ما تبقى من أموال للمودعين، عبر الاحتياطي الإلزامي.
وبذلك، فإن السلطة تبتز اللبنانيين، وخاصة المودعين، بوضعهم أمام خيارين، إما القبول باستخدام أموالهم لمساعدة الأسر الأكثر فقراً، وإما مواجهة تداعيات رفع الدعم.

شراء الوقت
لا تريد السلطة تحديد المسؤوليات ومحاسبة المسؤولين عن خطأ اعتماد سياسة دعم السلع بدل دعم الأسر المحتاجة منذ البداية. بل تريد طي الصفحة والانتقال إلى خيار آخر، كان ليعطي نتائج أفضل لو اعتُمِدَ منذ البداية. والتوقيت المتأخر لمشروع البطاقة التمويلية يعني أن السلطة تريد تصفير عدّاد أخطائها والتغطية على هدرها لمليارات الدولارت.

ومع ذلك، تحاول السلطة شراء الوقت، لا لتحلَّ الأزمة وفق خطط واضحة ومدروسة، بل لترى ما ستؤول إليه الأحوال على المستوى السياسي إقليمياً ودولياً، وأين سيكون محلّ كل طرفٍ من الأطراف في الاصطفاف الاقليمي والدولي. إذ تراهن السلطة على تدفق الأموال حين يجري ترتيب نتائج الصراع الدولي على المستوى السياسي والنفطي. وبهذا المسعى، لا تلتفت السلطة للتحدي الأبرز أمام الطرح المتأخر للمشروع، وهو استنزاف الاحتياطي الإلزامي، كلياً أو جزئياً، قبل رسوّ الصراع على برٍّ يفيد لبنان. فلا شيء يضمن إلتزام القوى الدولية بمساعدة لبنان.
محاولة شراء الوقت في هذه الحالة، لا تنفع، لأن لبنان فَقَدَ قدرته على جذب المستثمرين منذ لحظة تخلّفه عن تسديد التزاماته تجاه حَمَلة سندات اليوروبوند في آذار 2020، وعدم قيامه بأي إجراء لاعادة الدفع أو التفاوض مع أصحاب السندات، ما أحال الأزمة إلى صندوق النقد الدولي، الذي أصبح المعبر الوحيد لاستعادة الثقة الدولية. كما أن تنفيذ المصارف عملية كابيتال كونترول غير قانونية ضد المودعين، أجّج الأزمة وزاد من مستوى عدم الثقة.

المصارف والأسعار
حتى اللحظة، لا يوافق حاكم مصرف لبنان على المس بالاحتياطي الإلزامي، وما زال يلتزم الصمت حيال المشروع، شأنه شأن جمعية المصارف. لكن الرفض هو الخيار الأفضل لدى الطرفين إذ من شأن استنزاف الاحتياطي أن يعمّق أزمة القطاع المصرفي ويضرب صورة الحاكم والبنك المركزي، من دون أن يؤدي الاستنزاف إلى خفض أسعار الدولار والسلع، بل على العكس، سيعني الوصول إلى الاحتياطي الإلزامي بأن الدولة والمصرف المركزي والمصارف، لا يملكون خياراً إصلاحياً، وأن الأزمة ستتفاقم، ما سيزيد الطلب على الدولار فترتفع أسعاره التي ستنسحب حكماً على أسعار السلع. وبالتالي، ستفقد الدولارات المحدودة للبطاقة التمويلية، قيمتها الشرائية لأن المبلغ المرصود فيها ضئيل. أما احتمال رفعه مستقبلاً، فيعني المزيد من الخسارة.

بالتوازي، تجهد المصارف لإقناع المودعين بأن أموالهم محفوظة، فيما استنزاف الاحتياطي سيورّطها بتهمة التواطؤ مع مصرف لبنان والسلطة السياسية. والمصارف ليست في وارد تحمّل هذه التهمة، خاصة وأن السلطة والمركزي لا يملكان خطة عملية لإدارة الأزمة والخروج منها والتعويض على المصارف لتقوم لاحقاً بإعادة الأموال إلى أصحابها.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها