آخر تحديث:13:45(بيروت)
الثلاثاء 04/05/2021
share

"البطاقة التمويلية" وترشيد الدعم: الدولارات ستتبخر كلياً بإفلاس نهائي

علي نور | الثلاثاء 04/05/2021
شارك المقال :
"البطاقة التمويلية" وترشيد الدعم: الدولارات ستتبخر كلياً بإفلاس نهائي خطة دياب ستؤدي إلى تجفيف النظام المصرفي من آخر الأموال المتبقية بالعملة الصعبة (دالاتي ونهرا)

في مقابلته الأخيرة، كشف رئيس حكومة تصريف الأعمال، حسان دياب، أن مشروعه لترشيد الدعم سيراهن على تأمين التمويل المطلوب من الاحتياطات المتبقية في مصرف لبنان، مشيراً إلى أن حكومته قد تلجأ للمساس بالاحتياطي الالزامي "كي لا يجوع الشعب". ما يطرحه رئيس حكومة حسان دياب هنا لا يعني سوى الشروع بوضع اليد على آخر ما تبقى من دولارات المودعين في النظام المصرفي، التي تم إجبار المصارف على إيداعها في المصرف المركزي، لتكون ضمانة لهم.

اليوم، يراهن دياب على استعمال هذه الأموال لتحل مكان الدعم المالي الدولي، الذي فشل لبنان في تأمينه، بسبب تلكؤ لبنان في تنفيذ جميع الإصلاحات المطلوبة منه، في حين أن جمعيّة المصارف تراهن على وضع اليد على هذه الأموال، من دون تقديم أي ضمانة بخصوص طريقة استخدامها، وضمان حقوق المودعين فيها. أما حاكم مصرف لبنان، فملتزم بتحفّظه على مخططات دياب حتى اللحظة، من دون أن يقدّم أي ضمانات لحقوق أصحاب الودائع في هذه الأموال.

باختصار، كل ما يحدث يشير إلى أننا على أعتاب مرحلة من التجاذب على آخر دولارات المودعين المتبقية داخل النظام المالي، من دون أن يكون لأصحاب الودائع رأي أو مصلحة في كل هذه التطورات.

2.43 مليار دولار من الاستنزاف السنوي
عملياً، من المرتقب أن يكلّف مشروع الدعم، وفقاً لخطة دياب، ما يقارب 2.43 مليار دولار أميركي سنويّاً، منها نحو 1.19 مليار دولار ستذهب لتأمين الدعم الجزئي لاستيراد الدواء والمحروقات والقمح وعقود الدولة، في مقابل 1.23 مليار دولار ستذهب للبطاقة التمويليّة. وحتّى اللحظة، لم تتمكّن الحكومة من تأمين أي مصدر لتمويل هذا المشروع، في حين أن مستوى الاحتياطات الموجود في المصرف المركزي لامس قيمة الاحتياطات الإلزاميّة المودعة لدى المصرف. ما يعني أن كلفة هذا المشروع ستذهب بشكل كلّي من الاحتياطات الإلزاميّة، إذا قررت الحكومة الاعتماد على مصرف لبنان لتأمين هذا التمويل. مع العلم أن رئيس الحكومة يراهن على فرض هذه المسألة على مصرف لبنان عبر مجلس النواب، الذي سيبت في المحصّلة بكامل تفاصيل مشروع ترشيد الدعم الذي تعمل عليه الحكومة.

في الواقع، تشير مصادر استشاريّة متابعة للملف أن تقديرات دياب نفسها غير واقعيّة. ما يعني أن قيمة الاستنزاف الفعلي من الاحتياطات ستكون أكبر من هذا الرقم بكثير. فدياب يعتقد أن دعم الدواء والمحروقات والقمح وعقود الدولة معاً سيستنزف نحو 1.19 مليار دولار فقط سنوياً، في حين أن عقود الدولة وحدها استنزفت ما يقارب 1.1 مليار دولار خلال 10 أشهر سنة 2020. علماً أن معظم هذه العقود ترتبط بعمليات شراء الفيول، أو إجراء الصيانات الدوريّة للخدمات العامة الأساسيّة في قطاعات عدّة، ما يعني عدم إمكانية الاستغناء عن مكامن الإنفاق هذه.

تجفيف النظام المالي من السيولة
مسألة المساس بالاحتياطات الإلزاميّة لتمويل فترة ترشيد الدعم استجدّت فجأة، في مقابلة دياب الأخيرة، حين كانت جميع المؤشرات تدل حتى نهار أمس الاثنين 3 أيار على تسليم الجميع بعدم إمكانيّة المساس بهذه الاحتياطات. فالمساس بهذه الاحتياطات سيعني عمليّاً تجفيف النظام المصرفي من آخر الأموال المتبقية بالعملة الصعبة، ما يعني تحويل الودائع بالعملات الأجنبيّة عمليّاً إلى التزامات دفتريّة على المصارف، لا يقابلها أي موجودات سائلة. وبذلك، سيكون النظام المصرفي قد انتقل من حالة التعثّر في سداد هذه الودائع بسبب مشاكل السيولة، إلى حالة الإفلاس النهائي والتام، كما سيعني ذلك مباشرة تبديد آخر ما تبقى من أموال المودعين في النظام المالي.

وفي الوقت نفسه، يفتح المساس بهذه الاحتياطات الباب أمام مخاطر قانونيّة كبيرة على مصرف لبنان في الخارج، وعلى موجوداته في المصارف المراسلة، وهذا ما أشار إليه نقيب المحامين ملحم خلف في مراسلاته مع جمعيّة المصارف ومصرف لبنان. فبالنسبة إلى المودعين، لم تتكون الاحتياطات الإلزامية في المصرف المركزي من عمليات استثماريّة أجرتها المصارف التجاريّة مقابل أرباح معيّنة، بل تكونت نتيجة تعاميم مصرف لبنان التي فرضت إيداع هذه الأموال كضمانة لأصحاب الودائع. وبالتالي، فاستخدام هذه الاحتياطات لغير غايتها الأساسيّة يُعد مخالفة صريحة للأهداف التي تمّ إيداع هذه الأموال لأجلها. مع العلم أن تخفيض نسبة الاحتياطي الإلزامي المطلوب إيداعه في مصرف لبنان يبقى دائماً احتمالاً وارداً، لكنّ ذلك يقتضي إعادة الجزء المحرّر من هذا الاحتياطي إلى أصحاب الحق الاقتصادي النهائيين والفعليين، أي أصحاب الودائع.

جمعيّة المصارف تريد الأموال أيضاً
لم تخفِ جمعيّة المصارف منذ البداية طمعها بهذه الأموال المتبقية في مصرف لبنان، وهو ما دفعها منذ فترة لمطالبة المصرف المركزي بتخفيض الاحتياطي الالزامي المودع لديه، وإعادة جزء من هذه الأموال إلى المصارف. علماً أن مطالبة الجمعيّة بهذه الأموال، لا تترافق اليوم مع أي قانون أو إجراءات تضبط السيولة الموجودة داخل النظام المصرفي، وتضمن عدم تهريبها لمصلحة بعض النافذين من أصحاب الودائع أو المساهمين، تماماً كما تم تهريب جزء كبير من سيولة النظام المصرفي خلال الفترة الماضية. بمعنى آخر، وفي حال تسليم هذه السيولة للمصارف، لا يوجد ما يضمن عدم تبديدها في المستقبل، تماماً كما سيبددها استخدامها لدعم الاستيراد أو البطاقة التمويليّة.

وعلى أي حال، فمن الناحية القانونيّة، يُفترض أن تكون المصارف اللبنانيّة اليوم في حكم المؤسسات المتعثرة، وغير القادرة على إيفاء التزاماتها. وبحكم قانون النقد والتسليف، من المفترض أن يكون الاحتياطي الالزامي أحد موجودات النظام المصرفي الثابتة، التي تُعد عنصراً من عناصر الأمانة للمودعين. وبالتالي، فمن غير المنطقي تحرير هذه الاحتياطات التي تمثّل آخر ضمانات المودعين، من دون التأكّد من مآل هذه السيولة، ومن استخدامها لإيفاء الالتزامات لأصحاب الودائع.

المعركة في مجلس النواب
من المفترض أن تنتقل المعركة إلى مجلس النواب قريباً، خصوصاً أن المجلس هو الجهة التي ستبت في كامل تفاصيل الخطة. حاكم مصرف لبنان يبدو حتّى اللحظة متحفّظاً اتجاه فكرة المساس باحتياطات المصارف الالزاميّة. وهذا ما بدا من رسالته التي وجهها لوزير الماليّة، والتي طالبه فيها بالبت بمصير الدعم قبل الوصول إلى مرحلة استنزاف هذه الاحتياطات. وفي المجلس النيابي، تبدو عدة كتل نيابيّة مدركة لخطورة اتخاذ خطوة بحجم المساس بهذه الاحتياطات. وهذا ما بدا تحديداً في رد حزب القوات اللبنانيّة والنائب وليد جنبلاط على تصريحات حسان الدياب الأخيرة. ولهذا السبب، يبدو أن الأمور ستتجه إلى مواجهة مفتوحة في ما يخص مصير هذه الاحتياطات، فور وصول ملف ترشيد الدعم إلى المجلس النيابي.

في المقابل، يبدو أن لبنان يقع اليوم أمام خيارين أحلاهم مرُّ. فالبديل عن المس بالاحتياطات الإلزاميّة اليوم ليس سوى الاعتماد على طبع النقد بالليرة لتمويل البطاقة التمويليّة، وهو ما سيضع البلاد بأسرها على مشارف تضخّم جنوني غير قابل للاستيعاب. وبين التضخّم المفرط، وتطيير آخر ما تبقى من ودائع اللبنانيين في النظام المصرفي، سيدفع جميع اللبنانيين اليوم كلفة تقاذف المسؤوليات الذي ساد طوال الفترة الماضية اتجاه ملف الدعم وآليات الدعم البديلة، وكلفة رفض أي طرف تحمّل مسؤوليّة وضع خريطة طريق للخروج من آليات الدعم السابقة.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها