آخر تحديث:16:28(بيروت)
الأربعاء 12/05/2021
share

تدابير عاجلة.. وإلا انهيار المجتمع اللبناني بنهاية العام

عزة الحاج حسن | الأربعاء 12/05/2021
شارك المقال :
تدابير عاجلة.. وإلا انهيار المجتمع اللبناني بنهاية العام أرقام الفقر وسرعة ارتفاعها وتزايدها فباتت مقلقة جداً (Getty)
وضع مرصد الأزمة في الجامعة الأميركية يده على الجرح بتفنيده مسببات الانهيار الاقتصادي والمالي الواقع حالياً. فالسياسات المتبعة على مدار عقود، ومراكمة الخسائر المالية على شكل ودائع مصرفية، وخسائر اقتصادية تمثّلت بضحالة القاعدة الإنتاجية وعدم مراكمة رأسمال حقيقي، وتكبد خسائر بشرية كبيرة نتيجة الهجرة.. كل تلك العوامل هيّأت للأزمة الحالية.

الأزمة القائمة تهدّد بانهيار المجتمع، نتيجة ارتفاع مستويات الفقر والبطالة والهجرة المتوقّعة، وتتسارع تداعياتها مع استنزاف ما تبقى من موارد مالية مُتاحة يمكن استخدامها في عملية النهوض. فضلاً عن ترجيح تفاقمها بعد رفع الدعم عن السلع الأساسية، وتالياً ارتفاع الأسعار بشكل جنوني، وانقطاع الكثير من السلع، وتوقّف العديد من الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والنقل، فضلاً عن تدحرج المجتمع، ولا سيّما ذوي الدخل بالليرة اللبنانية، إلى مستويات أعمق من الفقر، مع ما قد يتبع كلّ ذلك من حوادث اجتماعية وأمنية عنفية خطيرة. لم يُبالغ المرصد برسم المشهد اللبناني المرتقب في الأعوام 2021 وما يليها. فالأرقام ومجريات الأحداث تؤكد هذا الواقع المأساوي، من هنا لا بد من طرح سؤال حول ماهية المبادرات أو الإجراءات التي يجب اتخاذها عاجلاً، أقلّه للتخفيف من وطأة الانهيار ولجم تسارعه؟

العودة إلى طاولة صندوق النقد
أولى وأهم القضايا المستعجلة التي لا بد من الإنطلاق منها راهناً، تداركاً لما يمكن ان ينتج عن الانهيار، تتمثل باستئناف المفاوضات مع صندوق النقد الدولي بأسرع وقت ممكن. وهذا الأمر يتطلب أيضاً تحضير خطة إنقاذية. هذا ما يراه الاقتصادي والنائب السابق لحاكم مصرف لبنان، الدكتور ناصر السعيدي، في حديث إلى "المدن". فاستئناف المفاوضات مع صندوق النقد قد تمد لبنان ببعض السيولة، لخفض عجز ميزان المدفوعات. ولا يرى السعيدي من مبرّر لعدم استئناف المفاوضات مع الصندوق اليوم. فلا ضرورة لانتظار تشكيل حكومة جديدة للعودة إلى طاولة الصندوق. إذ من الممكن لحكومة تصريف الأعمال القيام بالمهمة. فلا مانع من استئناف المفاوضات فوراً.

لا تفسيرات للتهرب والمماطلة في استئناف المفاوضات مع صندوق النقد الدولي، سوى أن السلطة السياسية في لبنان لا تريد القيام بأي إصلاحات "فلا مانع من أن تقوم حكومة تصريف الأعمال الحالية، بحكم الظروف الاستثنائية الراهنة، من استئناف المفاوضات مع صندوق النقد. خصوصاً أن أي اتفاق مع الصندوق سيعود إلى طاولة مجلس النواب في شتى الأحوال. فلا أعذار للتأخر سوى التهرب من القيام بإصلاحات".

مساعدات اجتماعية
ووفق السعيدي، يجب أن تتزامن عملية استئناف المفاوضات مع صندوق النقد الدولي مع نظام تقديم مساعدات اجتماعية من مؤسسات دولية، كالبنك الدولي أو أي مؤسسة على استعداد لتقديم الدعم والمساعدة، خصوصاً للعائلات الأكثر فقراً وعموم الطبقة الفقيرة، التي تتراوح نسبتها حالياً بين 55 في المئة و60 في المئة.

أما أرقام الفقر وسرعة ارتفاعها وتزايدها فباتت مقلقة جداً. وقد ربط مرصد الجامعة الأميركية في تقريره بين نسب الفقر، استناداً إلى العديد من المؤسسات والمنظمات التي تعنى باستطلاع نسب البطالة والفقر ومؤشرات اجتماعية أخرى. ويتوقّع البنك الدولي أن يرتفع معدّل الفقر ليطال أكثر من نصف السكّان خلال العام 2021. وهو ما يتوافق مع توقّعات الإسكوا التي أشارت إلى ارتفاع معدّل الفقر من 28 في المئة إلى 55 في المئة بين العامين 2019 و2020، وبلوغ العدد الإجمالي للفقراء حسب خطّ الفقر الأعلى نحو 2.7 مليون نسمة.

إلى ذلك، تشير استطلاعات Inforpo إلى تخطّي معدّل البطالة نسبة 30 في المئة في العام 2020، بعد أن أغلقت نحو 18 في المئة من الشركات خلال النصف الأول من العام 2020، وفقدان نحو 350 ألف شخص يعملون في القطاع الخاص وظائفهم، بسبب الركود الاقتصادي والاحتجاجات ووباء كورونا. فيما أشارت إحصاءات أعدّتها "الدولية للمعلومات" إلى لجوء المؤسّسات التي استمرّت بعملها إلى تخفيض رواتب موظّفيها، بنسبة تراوح بين 20 و80 في المئة. وهؤلاء يقدّر عددهم بـ 212 ألف شخص، ومن المرجّح أن يفقد كثير منهم عملهم خلال هذا العام.

الكابيتال كونترول
إلى جانب استئناف المفاوضات مع صندوق النقد الدولي، ومد العائلات الفقيرة بالمساعدات الإجتماعية، يرى السعيدي أن الخطوة الثالثة الضرورية اليوم هي فرض قانون الكابيتال كونترول بأسرع وقت ممكن، و"ليس المقصود بقانون الكابيتال كونترول القائم حالياً، والذي تم تحضيره على قياس المصارف ومصرف لبنان، فذلك لا يفي بالغرض المرجو منه"، ويذكر السعيدي بأن صندوق النقد الدولي سبق أن أعطى في العام الماضي جملة ملاحظات على قانون الكابيتال كونترول، لكن لم يتم الأخذ بها حتى اليوم. فمن غير المنطقي تسليم قانون الكابيتال كونترول لمصرف لبنان، الذي هو سبب رئيسي بالأزمة القائمة حالياً في البلد.

لا يريدون كابيتال كونترول ولا يريدون القيام بإصلاحات ولا موازنة عامة "فقد قاربنا بلوغ منتصف العام ولم تًقر الموازنة العامة حتى اليوم". هكذا يصف السعيدي السلطات السياسية في لبنان. ما يجعل المخاوف من تصاعد الأزمة المالية والاقتصادية والاجتماعية في لبنان أمراً واقعياً.

إصلاح سياسي قبل الاقتصادي
الإجراءات والاستحقاقات الضرورية التي يرى السعيدي أنه لا بد من المباشرة بها فوراً، لتدارك الإنهيار، ثمة من يرى أن هناك ما هو أكثر إلحاحاً منها، تحديداً الإصلاح السياسي.

وحسب المدير التنفيذي لشبكة المنظمات غير الحكومية العربية للتنمية، زياد عبد الصمد، وهو أحد معدّي تقرير مرصد الأزمة، لا معالجات اقتصادية قبل الإصلاح السياسي. ويرى عبد الصمد في حديثه إلى "المدن"، أن لا حل لما وصلت إليه الأزمات الاقتصادية في لبنان سوى الإنطلاق من الحل السياسي. فالحل سياسي وليس تقنياً اقتصادياً، يقول عبد الصمد. أما الإجراءات والمشاريع التي يتم تطبيقها أو طرحها كدعم الأسر الفقيرة ومشاريع المساعدات الاجتماعية وغيرها، ليست سوى مشاريع ترقيعية ستزيد من إرهاق البلد. فهذه المشاريع يتم تنفيذها عبر قروض. وهو ما سيراكم أكثر الدين العام أو أن يتم الإنفاق عليها من أموال المودعين. وهذه ليست حلول إنما ضغوط غير مباشرة.

ولأن الإصلاح السياسي قد يستلزم المزيد من الوقت، في حين أن الواقع اللبناني يُنذر بكارثة اجتماعية، يوضح عبد الصمد أنه لم تعد الخيارات متاحة أمام لبنان "من هنا ليس أمامنا سوى المجتمع الدولي. وهذا الخيار تحكمه شروط أهمها الإصلاح السياسي، واعتماد معايير شفافة ورسم خطة دقيقة لمسألة المساعدات"، مؤكداً رفضه التام للحصول على قروض بهدف تقديم مساعدات إنسانية "فهذا الأمر مرهق وغير ذي جدوى". من هنا، يبقى البديل عن كل ذلك القيام بتدابير سريعة، وإن كانت تعتبر بكل أشكالها هدراً ومفاعيلها قصيرة المدى، بموازاة المباشرة بالإصلاح السياسي.

قد تختلف رؤية خبراء الاقتصاد لأولويات الإصلاح في لبنان، لكنها تلتقي قطعاً في ضرورة المباشرة بها سواء الإصلاحات السياسية أو الاقتصادية أو الإثنين معاً، انطلاقاً من نقطة ما، مهما كانت تبقى أكثر جدوى من التخاذل وهدر الوقت الذي تقوم به السلطة السياسية اليوم، وتهربها من القيام بأي إصلاحات.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها