آخر تحديث:19:25(بيروت)
السبت 24/04/2021
share

تجّار الأسماك المسمومة يستغلّون النازحين: جريمة منظّمة بلا عقاب

خضر حسان | السبت 24/04/2021
شارك المقال :
لم يكن مفاجئاً خبر المجزرة التي أصابت سمك الكارب (Cyprinus Carpio Carpio) الذي يعيش في بحيرة القرعون التي يغذيها نهر الليطاني، أطول الأنهار اللبنانية. فالنهر عبارة عن مجرى صرف صحي، حيث يغرق بنحو 60 مليون متر مكعب من مياه الصرف الصحي، بالإضافة إلى جميع أنواع الملوِّثات الكيميائية الآتية من نحو 600 منشأة متواجدة قرب النهر وعلى ضفافه، وتستعمله للتخلص من نفاياتها.

وليس مُفاجئاً كذلك، حقيقة أن المسؤول الأول والأخير عن هذه المجزرة وغيرها، هو المنظومة الحاكمة التي تتغاضى منذ سنوات عن إزالة التعديات والملوِّثات، مروراً بصرف النظر عن مخالفة قرارات منع الصيد، تحديداً في البحيرة، وصولاً إلى إغفال واقعة الإتجار بالأسماك النافقة والملوثة.

تلوث واستغلال للنازحين
آلاف من أسماك الكارب النافقة والتي تحتضر، منتشرة على ضفاف بحيرة القرعون في منطقة البقاع الغربي، والكثير من الشبان السوريين يعملون على جمعها وبيعها.

تلك الأسماك مصابة بـ"مرض وبائي خطير أدى الى نفوقها بالآلاف في غضون أقل من أسبوع. وعلى الأغلب أن هذا الوباء هو فيروسي يصيب نوع محدد أو فصيلة معينة من الأسماك"، وفق ما جاء في تقرير لمصلحة مياه الليطاني، التي عاينت الأسماك وتبيّن أنها "تعاني من نزيف داخلي وتلف في الأعضاء الحيوية. وجود تقرّحات حادة على أعضائها الداخلية والخارجية مثل الزعانف والحراشف".
"ثمّة مَن يستغل النازحين لجمع الأسماك النافقة والمريضة"، تؤكّد مصادر على صلة بالملف خلال حديث لـ"المدن". ووجهة الأسماك تتوزّع بين أسواق "صبرا والكرنتينا وجونية وبرّ الياس. وتباع الأسماك هناك دون الكشف عن مصدرها الحقيقي"، وقد ألقي القبض على بعض جامعي الأسماك "لكن لم يتحرك أحد باتجاه القبض على التجّار المشغّلين لهؤلاء النازحين. وهو ما يؤشّر إلى احتمال إقفال الملف قريباً، والاكتفاء بإنذارات للنازحين والتأكد من عدم اقترابهم من البحيرة مجدداً".

وتلفت المصادر النظر إلى أن مشكلة الصيد في البحيرة قديمة، وبرغم وجود قرارات واضحة بمنع الصيد، إلاّ أن الصيادين اللبنانيين يواصلون صيدهم، وهو ما يزيد انتشار الأسماك الملوثة في السوق. وإذا كانت النتائج تشير إلى إصابة أسماك الكارب بوباء، فإن الأصناف الأربعة الأخرى الموجودة في البحيرة، ليست بمنأى عن التلوث بمواد كيميائية خطيرة، وهي السمك البني البلدي، سمك الأنجورا لوش، سمك الأفانيوس منتو وسمك البعوض الشرقية، ولم يُلحَظ أيٌ منها بحالة مماثلة لسمك الكارب.
وتستغرب المصادر "عدم جدية الملاحقات والتوقيفات التي تحصل، إذ يتم غالباً توقيف بعض المخالفين لقرار الصيد، ثم يتم إخلاء سبيلهم فوراً، حتى أصبحت عملية منع الصيد أشبه بلعبة بين الصيادين ومصلحة مياه الليطاني. ولو لم يتم إثارة موضوع الأسماك النافقة في الإعلام، ويحظى بضجة كبيرة، لما تحرّكت القوى الأمنية بشكل جدّي".

مسؤولية جماعية
بيع الأسماك الملوَّثة بالمواد الكيميائية ومياه الصرف الصحي، وصولاً إلى تلك المصابة بوباء لم تُحَدَّد معالمه بعد، ليس صدفة يمكن اختصارها بالإهمال الوظيفي لبعض الوزراء أو المدراء العامين أو رؤساء المصالح، بل هو جريمة منظّمة تتحمّل مسؤوليتها وزارات الزراعة والصناعة والصحة والبيئة والطاقة، فضلاً عن مجلس الإنماء والإعمار الذي يعتبره رئيس مصلحة مياه الليطاني سامي علوية "الملوِّث الأكبر لنهر الليطاني، لأنه لم يفرج عن المشاريع المعنية بتنظيف النهر". وموقف علوية الذي عبَّرَ عنه خلال حديث لـ"المدن"، نابع من إهمال المجلس للمشاريع المناط به متابعتها منذ العام 2016، مع البنك الدولي للإنشاء والتعمير ومنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة "فاو"، حيث من المفترض إنجاز مشاريع تُعنى بالحد من التلوث في البحيرة ومعالجة التلوث بالكيماويات الزراعية في الحوض الأعلى لنهر الليطاني. فضلاً عن مشاريع أخرى لم يفرج المجلس عن أموالها.

الوزارات والجهات الأمنية ليست بعيدة من المسؤولية، فقرار منع الصيد لم يُطَبَّق منذ العام 2018 برغم المراسلات السابقة والحديثة لمصلحة الليطاني مع الوزراء الحاليين، ومع المدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء عماد عثمان، والتي كانت آخرها في نهاية حزيران 2020، بالاضافة إلى مراسلات مع النيابة العامة التمييزية.
وبحسب علوية، فإن المصلحة لم تكتفِ بالمراسلات وفق الأصول، بل عمدت إلى التواصل مع الهيئة العليا للاغاثة، علّها تعوّض على الصيادين، فيمتنعون عن الصيد، لكنها لم تتحرك.

بيروت تشرب مياهاً ملوثة
حادثة الأسماك أعادت إلى الأذهان مشروع سد بسري الذي كان يقاتل لأجله وزير الطاقة جبران باسيل، تحت حجة إيصال المياه إلى بيروت. لكن الوزير تناسى أن نهر الليطاني هو أحد خطوط إمداد بيروت بالمياه بحسب المشروع. إذ تلتقي مياه الليطاني الآتية عبر بحيرة القرعون، بمياه سد بسري، لتتابع سيرها نحو بيروت. وكان علوية معارضاً للمشروع، لعلمه بحقيقة مياه الليطاني، إذ أكد مراراً أن المياه "غير صالحة للاستخدام المنزلي ولمياه الشفّة في ظل عدم اكتمال منظومة محطات التكرير وشبكات الصرف الصحي في الحوض الأعلى لنهر الليطاني وعدم اكتمال إزالة التعديات عن ضفافه".


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها