آخر تحديث:13:23(بيروت)
الأربعاء 14/04/2021
share

إعادة رسملة المصارف: سلامة باعنا الوهم

علي نور | الأربعاء 14/04/2021
شارك المقال :
إعادة رسملة المصارف: سلامة باعنا الوهم 110 مليار دولار تدين بها المصارف للمودعين بالعملات الأجنبيّة (علي علّوش)

إتسم استحقاق نهاية شهر شباط الماضي بأهميّة استثنائيّة على مستوى النظام المصرفي اللبناني وأزمته، لكونه مثّل نهاية المهلة التي حددها حاكم مصرف لبنان للمصارف لتحقيق الزيادات المطلوبة منها، في مسار إعادة الرسملة.

عمليّاً، كان على المصارف تكوين سيولة جاهزة في حسابات خارجيّة حرّة من أي التزامات بنسبة 3% من قيمة الودائع المترتبة عليها بالعملة الصعبة، بالإضافة إلى زيادة بنسبة 20% في رساميلها.

أرقام النظام المصرفي حتّى نهاية شباط أبصرت النور مؤخراً، ليتبيّن أن كل سلسلة التعاميم التي أمطرنا بها مصرف لبنان السنة الماضية لم تكون سوى سراب، أراد منه أن يوحي بوجود معالجة ما للتعثّر القائم في النظام المالي. باختصار، أزمة المصارف تفاقمت منذ ذلك الوقت، ولم تسهم عمليّة إعادة الرسملة بأي تقدّم على مستوى تعثّرها.

إليكم خلاصة ميزانيات المصارف في نهاية شهر شباط الماضي، أي عند نهاية مهلة إعادة الرسملة.

سيولة مقيدة بالتزامات
حتّى نهاية شباط، لم تمتلك المصارف سوى قيمة تقارب 4.92 مليار دولار في حساباتها في المصارف المراسلة، في مقابل نحو 10.49 مليار دولار في الفترة المماثلة تماماً منذ سنتين. أي قبل حصول الانهيار الكبير في القطاع. وعلى أي حال، من المهم أن نذكر هنا أن هذا المبلغ لا يمثّل بحد ذاته قيمة الحسابات الخارجيّة الحرة من أي التزامات، التي طلب مصرف لبنان تكوينها كسيولة جاهزة، حسب تعاميم إعادة الرسملة. إذ يقتضي تنزيل التزامات وديون المصارف في الخارج من هذا المبلغ أولاً لاحتساب قيمة الحسابات الخارجيّة الحرّة (الحساب الخارجي الحر هو صافي السيولة في المصارف الأجنبيّة المراسلة، بعد احتساب وتنزيل جميع الالتزامات المترتبة للمصارف الأجنبيّة).

وبعد تنزيل هذه الالتزامات الخارجيّة من قيمة السيولة التي تملكها المصارف، يتبيّن أن المصارف اللبنانيّة هي في حالة عجز، تقارب قيمته 1.53 مليار دولار. بمعنى آخر، يتبيّن من هذه الأرقام أن القطاع المصرفي ككل لم ينجح في تكوين أي سيولة حرّة في المصارف الأجنبيّة كما طلب مصرف لبنان. بل إن جميع أمواله الموجودة في الخارج مقيّدة بالتزامات تفوق قيمتها مستوى السيولة الموجودة. كما يتبيّن من هذه الأرقام أن المصارف اللبنانيّة لم تخرج بعد من حالة التعثّر التي تعاني منها مع المصارف الأجنبيّة، ما يهدد مستقبلها وقدرتها على القيام بأبسط الأنشطة المطلوبة منها في الخارج.

بالتأكيد، يتفاوت الوضع المالي بين مصرف وآخر. فمن المعروف أن قلة من المصارف اللبنانيّة تمكنت من زيادة سيولتها لدى المصارف المراسلة بعد بيع فروعها الخارجيّة. وهو ما يمكن أن يضعها في خانة المصارف التي امتثلت لتعاميم مصرف لبنان ونجحت في تكوين الحساب الخارجي الحر. لكنّ أرقام ميزانيات المصارف المجمّعة، أي مجموع سيولة والتزامات المصارف اللبنانيّة، لا تدل على نجاح القطاع ككل، في مسار إعادة الرسملة كما رسمه مصرف لبنان في تعاميمه.

ولعلّ المسألة الأكثر إثارة للاهتمام هنا هي أن المصارف اللبنانيّة لم تتمكّن من زيادة أرصدة حساباتها في الخارج إلا بقيمة 320 مليون دولار بين شهري أيلول وشباط، وهي قيمة زهيداً جدّاً قياساً بالهدف الذي وضعه مصرف لبنان لها. علماً أن مصرف لبنان استهدف تكوين حسابات خارجيّة حرّة توازي قيمتها 3% من 110 مليار دولار التي تدين بها المصارف للمودعين بالعملات الأجنبيّة. مع الإشارة إلى أن مردود بيع الفروع المصرفيّة في الخارج تجاوز قيمة هذه الزيادة في السيولة، لكنّ سداد الالتزامات الخارجيّة استنزف في الفترة نفسها جزءاً كبيراً من أموالها، ما أدى إلى هذه الزيادة الهزيلة في أرصدة المصارف في الخارج.

زيادة الرساميل شكليّة
بمعزل عن مسألة السيولة الجاهزة في الخارج، تمثّل زيادة الرساميل محليّاً بنسبة 20% الجزء الثاني من مسار إعادة الرسملة. لكن حتّى شهر شباط، لم تكن المصارف اللبنانيّة قد حققت أي زيادات وازنة في الرساميل. إذ يبدو من الميزانيات أن موجودات القطاع بالكاد ارتفعت بنحو 0.05% منذ بداية السنة. مع العلم أن حجم الموجودات الإجمالي انخفض حتّى نهاية شهر شباط إلى نحو 188.1 مليار دولار، مقارنة بـ210.3 مليار دولار خلال الفترة المماثلة من العام الماضي، ما يدل على حجم الانخفاض السريع الذي حدث في قيمة الموجودات بين السنتين.

لكن وفقاً لمصادر مصرفيّة عدّة، من المنتظر أن تشهد الميزانيات المصرفيّة في وقت لاحق من هذا العام الزيادات المنتظرة في الرساميل، بعد أن تنجز لجنة الرقابة على المصارف تدريجيّاً دراسة خطط المصارف لزيادة رساميلها، وتوافق على الإجراءات التي تقترحها. لكن وحسب المصادر نفسها، وكما كان متوقعاً، ارتكزت الغالبيّة الساحقة من الخطط المقدمة من المصارف لزيادة الرساميل حتى الآن على التسهيلات التي منحها مصرف لبنان لتحقيق هذه الزيادات، من دون التضحية بالأموال السائلة، من قبيل إعادة تخمين العقارات التي تملكها المصارف، والعقارات التي استحوذت عليها بدل القروض المتعثّرة، بالإضافة إلى تقديم المساهمين موجودات عقاريّة لزيادة الرساميل. وبذلك، من المنتظر أن تساهم كل هذه الإجراءات في زيادة حجم الرساميل في الميزانيات، من دون أن ترفع من مستوى السيولة النقديّة التي تساعد المصارف على معالجة أزماتها مع المودعين على المدى المنظور.

ماذا يجري بين المصارف ومصرف لبنان؟
علاقة المصارف الملتبسة بمصرف لبنان على حالها. وهذا ما تظهره أرقام شهر آذار أيضاً. خلال النصف الثاني من ذلك الشهر وحده، تضخّمت توظيفات المصارف لدى المصرف المركزي بنحو 441 مليون دولار، وهو ما مثّل تطوّراً غريباً، لكون المصارف لا تقوم حاليّاً باستقبال أي ودائع جديدة لتوظفها في المصرف المركزي، بينما تقتصر حركة حساباتها في مصرف لبنان على سحب السيولة لتمويل سحوبات زبائنها زبائنها. في الفترة نفسها، راكم مصرف لبنان ما يزيد عن ثلاثة أضعاف هذه القيمة، في بند الموجودات الأخرى الذي يستعمله المصرف عادة لإخفاء الخسائر المتراكمة، والتي تنتج في الكثير من الحالات عن العمليات الاستثنائيّة والهندسات الماليّة التي يجريها مع المصارف. ببساطة، تدل كل هذه التطورات على استمرار مصرف لبنان في نمط الممارسات المكلفة نفسها وغير المألوفة في العرف المصرفي، بعيداً عن أعين الإعلام، وخارج إطار أي خطة رسميّة متفق عليها للتعامل مع الأزمة الماليّة الراهنة. مع العلم أن مصرف لبنان نفّذ في أواخر السنة الماضية هندسات ماليّة جرى الكشف عنها من خلال تسريبات غير رسميّة من المصرف، من دون أن تتضح حتّى اللحظة غاياتها وكلفتها.

الوهم والسراب
ما تكشفه هذه الأرقام هو أن كل ما تم تسويقه من تطورات إيجابيّة ستلي عملية إعادة الرسملة، لم يكن سوى سراب ووهم بعيدين كل البعد عن الواقع. فسيولة المصارف الجاهزة والحرة من الالتزامات لم تتكوّن، والرساميل لن تشهد سوى انتفاخ شكلي ودفتري، لا يعكس أي زيادة في سيولة القطاع.

وببساطة، استخفّت هذه الإجراءات بالأزمة وتجاهلت ما هو مطلوب فعلاً لمعالجتها، ولم تنفع إلا بملء الوقت الضائع، والإيحاء بأن لدى حاكم مصرف لبنان ما يراهن عليه فعلاً. أما الخروج من الأزمة، فلن يتم سوى بمعالجة جميع أبعادها الثلاثة في وقت واحد: أزمة سعر الصرف، وتعثّر القطاع المصرفي، وإفلاس الدولة. وهذا لن يتم حكماً إلا بخطة شاملة تشرف عليها سلطة تنفيذيّة متحررة من المصالح المتشعبة في القطاع المالي. أما غياب هذه الخطة، فلن ينتج سوى فراغ يفسح المجال لعراضات فارغة، من قبيل ما تم تسويقه في مسار "إعادة رسملة المصارف".


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها