آخر تحديث:13:37(بيروت)
الخميس 25/02/2021
share

المصارف وإعادة الهيكلة "الطوعيّة": الخطة الجهنمية

علي نور | الخميس 25/02/2021
شارك المقال :
المصارف وإعادة الهيكلة "الطوعيّة": الخطة الجهنمية ترفض المصارف أي توزيع عادل لخسائر الانهيار (علي علّوش)

قليلون هم سعداء الحظ الذين يحظون اليوم بنعمة إصغاء المجلس النيابي اللبناني لهواجسهم وقضاياهم، في ظل الركود الذي يصيب اليوم هذه المؤسسة التشريعيّة، وخصوصاً في كل ما يخص الملفات الاقتصاديّة والاجتماعيّة الداهمة. لكن جمعيّة المصارف بالتحديد امتلكت هذه الحظوة عند المجلس، فحلّ رئيسها سليم صفير ومستشارها روجيه داغر ضيوفاً في لقاء دعت له لجنة الاقتصاد والتجارة والصناعة والتخطيط النيابيّة، ليعرضوا أمام نوّاب الأمة رؤية الجمعيّة لعمليّة نهوض القطاع المصرفي، والخطة التي تريد الجمعيّة اعتمادها على المدى الطويل بالتنسيق مع مصرف لبنان لإعادة هيكلة القطاع.

وعلى ما يبدو، تأتي جميع هذه النقاشات اليوم في سياق استباق النقاش الذي سيدور حول خطة الدولة الماليّة التي ستختارها الحكومة المقبلة بعد تشكيلها، من أجل تحييد المصارف ورساميلها قدر الإمكان عن مسألة توزيع خسائر الانهيار المالي. وهنا تنبغي الإشارة إلى أنّ رؤية المصارف الحاليّة لإعادة هيكلة القطاع تتكامل مع الخطة التي طرحتها الجمعيّة سابقاً لتحميل الخسائر للقطاع العام، عبر تشكيل صندوق سيادي يضم أصول الدولة المدرّة للأرباح تمهيداً لخصخصتها، لكنّ النقاش حول تلك الفكرة توقّف مع استقالة حكومة دياب وتجميد مفاوضات الجمعيّة مع الدولة اللبنانيّة.

إعادة الهيكلة الطوعيّة
الخطة التي طرحتها جمعيّة المصارف أمام النواب، ركزت على أساليب إعادة هيكلة القطاع لإنقاذ المصارف، عبر عمليات إعادة الرسملة وفقاً لشروط محددة، في مقابل دمج أو تصفية المصارف غير القادرة على الالتزام بمعايير إعادة الرسملة. علماً أن رئيس جمعيّة المصارف ومستشارها أبلغا النواب أن المصارف تتشاور وتنسّق مع مصرف لبنان في ما يخص هذه الرؤية بالتحديد، ما يدل على أن مسار إعادة الرسملة الذي يقوم به مصرف لبنان حاليّاً وبشكل متدرّج يأتي في ضوء مداولات المصرف المركزي مع الجمعيّة بالنسبة لرؤيتها للموضوع، وبما ينسجم مع هذه الرؤية بالتحديد.

ببساطة، ما تريده المصارف اليوم هو عمليّة إعادة هيكلة طوعيّة، على الطريقة التي يقوم بها مصرف لبنان حاليّاً، عبر وضع معايير عامّة معيّنة لملاءة المصارف ونسب الزيادة المطلوبة في رساميلها، وترك المصارف تعمل بالطريقة التي تريدها لتكوين الرساميل وإعادة الانتظام في القطاع على المدى الطويل. وهذا المسار، يناقض بشكل جذري مسار إعادة الهيكلة القسريّة الذي ذهبت إليه خطة حكومة الدياب، التي وضعتها شركة لازارد، حين نصّت الخطة في ذلك الوقت على إجراء عمليّة إعادة هيكلة شاملة للقطاع المصرفي، عبر الاقتصاص من رساميل المصارف لمعالجة نسبة كبيرة من الخسائر التي تراكمت في ميزانيات المصارف ومصرف لبنان عبر السنوات الماضية، والخسائر التي ستنتج عن إعادة هيكلة الدين العام وتعثّر قروض القطاع الخاص.

في حالة عمليّة إعادة الهيكلة الطوعيّة، التي تريدها جمعيّة المصارف اليوم، ستكتفي المصارف بتكوين الرساميل المطلوبة، مقابل تحميلها أدنى قدر ممكن من الخسائر التي يمكن أن تنتج عن عمليّة التصحيح المالي. لا بل تذهب المصارف اليوم إلى الحد المطالبة بعدم تحميلها أي جزء من خسائر إعادة هيكلة الدين العام بالليرة اللبنانيّة، بعد رفضها أي اقتصاص من قيمة هذا الدين، كما ترفض فكرة تحمّل أي خسائر ناتجة عن توظيفاتها الكبيرة في المصرف المركزي. أما الخسائر الكبيرة، فسيتم إيجاد الحلول لها بعمليات الخصخصة أو الشراكات ما بين القطاع العام والخاص. وهذه أولويّة أعلنتها بصراحة جمعيّة المصارف في جميع تصوراتها للمعالجة.

عدم واقعيّة الطرح
الإشكاليّة الأكبر في الطرح الذي حاولت جمعيّة المصارف تسويقه أمام المجلس النيابي في الأيام الماضية تكمن في عدم واقعيّته، وعدم قدرته على التأسيس لأي حل فعلي لأزمة المودعين في النظام المصرفي، لا بل وعدم قدرته على إعادة الانتظام بأي شكل من الأشكال للنظام المصرفي اللبناني. في الواقع، المسألة الوحيدة التي سيضمنها طرح جمعيّة المصارف هي حماية رساميل أصحابها، لكن على حساب تحويل المصارف اللبنانيّة إلى ما يُعرف بمصارف "زومبي"، أي كيانات متعثّرة نتيجة أصولها الرديئة، ومستمرّة بالعمل نتيجة حماية النظام السياسي لها على حساب حقوق ومصالح المودعين فيها. 

فعلى سبيل المثال، تتطلّب عمليّة إعادة الرسملة التي ينظمها مصرف لبنان حاليّاً –وفقاً للأسلوب الطوعي الذي تريده جمعيّة المصارف- زيادة رساميل المصارف بنسبة 20%. ما يعني أن زيادة الرساميل التي ستنتج عن هذه العمليّة بالكاد تتجاوز حدود الأربعة مليارات دولار. مع العلم أن الغالبيّة الساحقة من هذه الزيادة جرت بعمليات شكليّة لا تضيف أي رساميل نقديّة سائلة للمصارف، من قبيل إعادة تخمين العقارات المملوكة أساساً من المصارف أو تحويل بعض الودائع لرساميل.

في مقابل هذه القيمة الزهيدة جدّاً التي ستضاف إلى رساميل المصارف، تجاوزت قيمة الفجوة الموجودة في ميزانيّات القطاع المالي بأسره –الذي يشمل المصارف التجارية والمصرف المركزي معاً- مستوى الـ64 مليار دولار، وفقاً لأرقام أوّل مسودّة أعدتها حكومة دياب لخطتها. مع العلم أن هذه الفجوة تشمل الخسائر الموجودة في ميزانيات مصرف لبنان، كما تشمل الفجوة الموجودة في ميزانيات المصارف نتيجة تعثر قروض القطاع الخاص وإعادة هيكلة الدين العام. وعلى أي حال، تشير مصادر مصرفيّة عدة إلى أن حجم هذه الفجوة تزايد بشكل كبير منذ ذلك الوقت، نتيجة استمرار عمليات تمويل الاستيراد من قبل مصرف لبنان، وتزايد مستوى التعثّر في قروض القطاع الخاص، بالإضافة إلى كلفة الهندسات الماليّة الجديدة التي قام بها مصرف لبنان مؤخراً.

باختصار، حجم الخسائر أكبر بكثير من عمليات إعادة الرسملة الطوعيّة التي يتم الحديث عنها اليوم. أما الرهان على الخصخصة لسداد قيمة الخسائر كما تخطط جمعية المصارف فلا يتسم بالكثير من الواقعيّة، خصوصاً أن الدراسة التي أعدها معهد عصام فارس في الجامعة الأميركيّة مؤخراً أثبتت أن مردود عمليات الخصخصة لا يمكن أن يتجاوز في أكثر السيناريوهات تفاؤلاً حدود 13 مليار دولار، فيما يمكن أن ينخفض إلى حدود 6 مليار دولار، إذا أخذنا التقديرات المتحفظة. مع الإشارة إلى أن حالة الاقتصاد اللبناني الراهنة ترجّح التوقعات المتحفظة في حال تمّ اللجوء إلى عمليات الخصخصة في ظل الانهيار الحالي.

طرح لا يمكن تسويقه دوليّاً
مشكلة طرح جمعيّة المصارف الأساسيّة هو عدم إمكانيّة تسويقه على المستوى الدولي، سواء بالنسبة إلى الدائنين الحاليين الأجانب، أو بالنسبة إلى الجهات التي يسعى لبنان إلى الحصول على دعمها مستقبلاً كصندوق النقد الدولي.

فحملة سندات الدين الأجانب لن يوافقوا على إعادة هيكلة ديونهم، وتحمّل نسب معيّنة من الاقتصاص من قيمة سنداتهم، في حين أن الدولة تتسامح مع الدائنين المحليين –أي المصارف- عبر حمايتهم من تحمّل خسائر المرحلة السابقة. أما المسألة التي سيرفضها الدائنون الأجانب حكماً، فهي بيع الدولة لأصولها، وبالتالي تخفيض ملاءتها الائتمانيّة التي تهم الدائنين، لسداد الفجوة المتراكمة في القطاع المالي وإنقاذ الدائنين المحليين، أي المصارف. مع العلم أن موافقة الدائنين الأجانب على أي خطة حكوميّة ستكون مسألة ضروريّة، للتمكن من إعادة هيكلة الدين العام بالعملة الصعبة، بالتوازي مع إعادة هيكلة القطاع المصرفي محلّياً.

من ناحية أخرى، من المتوقع أيضاً أن يرفض صندوق النقد الانخراط في أي برنامج دعم مع الدولة اللبنانيّة وفق خطة تحمل في أي بند من بنودها فكرة تحميل القطاع العام كلفة إنقاذ النظام المالي المتعثّر، سواء من خلال أموال دافعي الضرائب، أو من خلال عمليات الخصخصة والشراكات ما بين القطاعين العام والخاص. لا بل من المتوقّع أن يرفض هذه المسألة أيضاً جميع الدائنين الدوليين الآخرين، من دول ومنظمات يمكن أن يطلب لبنان دعمها بعد الدخول في برنامج مع صندوق النقد. أما السبب فهو بكل بساطة مبدأ جرى تكريسه على المستوى الدولي بعد الأزمة الماليّة العالميّة التي وقعت سنة 2008، مفاده أن المؤسسات الماليّة يجب أن تدفع ثمن قراراتها الاستثماريّة، ولا يمكن تبديد أموال عامّة لتغطية خسائر ناتجة عن قرارات مديري هذه المؤسسات.

طريق جمعيّة المصارف مسدود
حتّى اللحظة، يبدو أن جمعية المصارف تسير في طريق مسدود، مع الإصرار على نمط معيّن في التعامل مع الخسائر، من دون أن يلبي هذا النمط حاجة الاقتصاد اللبناني إلى قطاع مصرفي سليم وقوي، ومن دون أن يلبي هذا النمط حاجة اللبنانيين إلى توزيع عادل لخسائر الانهيار، كي لا يدفعوا في النهاية ثمن الأزمة بعد أن دفعوا منذ التسعينات كلفة ازدهار القطاع المالي. لكنّ إصرار الجمعيّة على هذا الطريق المسدود مفهوم، لكون البديل ليس سوى شطب مساهمات أصحاب المصارف لتنظيف الميزانيات من الخسائر. وهو ما يمثّل بالنسبة لأصحاب المصارف انتحاراً لن يقدموا عليه إلا بالإكراه. مع العلم أن جميع الانهيارات المصرفيّة الكبرى في التاريخ، لم تُعالج يوماً بالخفّة التي تتصورها جمعيّة المصارف اليوم، أي عبر عمليات إعادة الرسملة البسيطة والطوعيّة، بل كان الحل دائماً معالجات شاملة وقسرية تعيد هيكلة القطاعات المصرفيّة وفقاً لأولويات اقتصاديّة واجتماعيّة محددة وواضحة.

على أي حال، كل ما تقوم به المصارف اليوم لا يصب سوى في خانة تمرير الوقت الضائع، استعداداً لجولة التفاوض المقبلة مع الدولة اللبنانيّة بعد تشكيل الحكومة، ولتحضير الأجواء لجولة الكباش الجديدة حول الخسائر. المصارف تملك أوراقها طبعاً، من ناحية قوة حلفائها داخل النظام السياسي، وتمسّك حاكم مصرف لبنان بجميع الأولويات التي تصب في صالحها. لكنّ المصارف تعلم أن ثمّة الكثير من العوامل الكفيلة بتهديد مصالحها أيضاً، كأثر بعض الجهات الدوليّة –كصندوق النقد- التي تدفع باتجاه حلول أكثر استدامة. وقد تكون اجتماعات جمعيّة المصارف مع نواب المجلّس مجرّد استعداد لمواجهة هذا النوع من الضغوط.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها