آخر تحديث:14:12(بيروت)
الإثنين 22/02/2021
share

باسيل غارقاً في تناقضاته: تفنيدٌ بالوقائع لادعاءاته الاقتصادية

علي نور | الإثنين 22/02/2021
شارك المقال :
باسيل غارقاً في تناقضاته: تفنيدٌ بالوقائع لادعاءاته الاقتصادية ما يبحث عنه باسيل اليوم هو انتصار مجاني (الأرشيف)

أفرد باسيل شقّاً كبيراً في خطابه الأخير  للموضوع المالي، ربما بحثاً عن رضا المجتمع الدولي، الذي يدقّق في كل شاردة وواردة تخص طريقة تعامل أقطاب الحكم مع يوميات الملفات الاقتصاديّة. وقد يكون باسيل أراد من ذلك حماية ما تبقى من شعبيّة التيار، في الوقت الذي يغرق فيه اللبنانيون بالنكبات الناتجة عن الانهيار المالي. لكنّ الأكيد هو أن كلام باسيل في الاقتصاد، كما في السياسة، غرق في تناقضات ومغالطات لا حدود لها، سواء من ناحية تشخيصه للأزمة وأسبابها، أو في طريقة توزيع المسؤوليات على كل الآخرين، غاسلاً يديه من جميع الاتهامات على قاعدة "ما خلّونا" المعروفة.

تهريب الأموال: من المسؤول؟
في كلمته، لام باسيل الدولة على عدم إقرار مشروع الكابيتال كونترول بعد أسبوع من 17 تشرين الأوّل، مشيراً إلى أنّ غياب القانون طوال الأشهر التي تلت حصول الانهيار سمح بتهريب سيولة المصارف إلى الخارج بشكل استنسابي. وفي مكان آخر من كلمته، وضع باسيل قانون الكابيتال كونترول كمطلب كبير ينادي به تياره اليوم، واضعاً إياه كأحد الشروط التي سيعطي على أساسها الثقة للحكومة المقبلة.

في الحقيقة، من الأكيد أن غياب قانون الكابيتال كونترول منذ تشرين الأوّل من العام 2019 كان الجريمة الكبرى التي ارتكبتها الدولة، والتي سمحت لقلة محظية من النافذين بتهريب أموال إلى الخارج، على حساب باقي المودعين. لكنّ باسيل تناسى أنّه وكتلته كانا من القوى السياسيّة التي شاركت في هذه الجريمة، والتي تغاضت عن قصد عن خوض معركة قانون الكابيتال كونترول في المجلس النيابي. لا بل تناسى باسيل أيضاً أنّه شخصيّا حال دون تقديم مشروع القانون الخاص بهذه المسألة خلال الأسابيع الأولى التي تلت حصول الانهيار المالي سنة 2019.

ففي تشرين الثاني من العام 2019، وفي أولى الأسابيع التي تلك حصول الانهيار الشامل في القطاع المصرفي، بادر النائب ميشال الضاهر –والذي كان عضواً في كتلة لبنان القوي في ذلك الوقت- للتحرّك باتجاه تقديم مشروع قانون لتنظيم الضوابط على السيولة في القطاع المصرفي، أي ما بات يعرف اليوم بقانون الكابيتال الكونترول. وفي ذلك الوقت، كان الضاهر من أوائل الذين بادروا علناً إلى الحديث أمام وسائل الإعلام بخصوص هذا الموضوع، شارحاً أهميّة القانون لمنع الاستنسابيّة في التعامل بين المودعين، ولحماية ما تبقى من سيولة في النظام المصرفي.

لكنّ التيار الوطني الحر يومها خذل الضاهر. فبعد أن تمنّى برّي على الضاهر سحب الملف من التداول، "لعدم وجود إجماع بين القوى السياسيّة على هذا المبدأ"، بادر باسيل إلى الطلب من الضاهر عدم تقديم مشروع القانون، متذرّعاً بمعارضة رئيس المجلس النيابي له. وفي وقت لاحق، كان التيار الوطني الحر يعرب أمام وسائل الإعلام التي تتصل بمركزه في ميرنا الشالوحي عن حياده اتجاه فكرة الكابيتال كونترول، على قاعدة أنه "لا معها ولا ضدها". ولكل هذه الأسباب، بادر ميشال الضاهر إلى التراجع عن خطوته، لا بل بادر أيضاً إلى إلغاء المؤتمر الصحافي الذي دعا إليه في ذلك الوقت لسحب الموضوع من التداول نهائيّاً.

في كل الحالات، وبعد أشهر من المراوحة في موضوع الكابيتال كونترول، وبعد تهريب ما أمكن تهريبه من قبل المصارف وأصحاب الودائع النافذين فيها، تشارك برّي مع باسيل المناورات التي حاولت الإيحاء بوجود محاولات لإعادة إحياء مشروع القانون، عبر صياغة مشروع قانون تشارك بتقديمه نواب كتلتي لبنان القوي والتنمية والتحرير. لكنّ مشروع القانون هذا سرعان ما نام لاحقاً في أدراج لجنة المال والموازنة، التي يرأسها عضو تكتل لبنان القوي إبراهيم كنعان. ولعلّ الهدف الأساسي من صياغة تلك المسودة لمشروع القانون، من دون السعي الجدّي لتمريرها، لم يكن سوى محاولة التخلّص من ضغوط المجتمع الدولي، عبر إعطاء الانطباع بأن الكتلتين حاولتا فعلاً القيام بخطوة ما في ما يخص الموضوع، قبل أن ينتهي الأمر بدفن المسودة لاحقاً في المجلس.

البحث عن انتصار مجاني وفارغ
في خطابه، أعطى باسيل الانطباع بأنّه وكتلته سيخوضون معركة إقرار مشروع قانون الكابيتال كونترول بأي ثمن خلال الفترة المقبلة. ولعل باسيل يحاول في هذه النقطة بالتحديد البحث عن انتصار مجاني. فبعد تهريب ما أمكن تهريبه من سيولة النظام المصرفي، وبعد أن أصبح واضحاً أن البلاد صارت بحاجة للقانون، لكونه شرطاً دولياً قبل الحصول على أي دولار من دولارات القروض أو المساعدات، يحاول باسيل اليوم الظهور بصورة أب القضيّة الذي سينجح بفرض القانون الإصلاحي. مع العلم أن مشروع قانون الكابيتال كونترول جرى تحريكه أساساً في المجلس النيابي خلال الأيام الماضية من دون الحاجة لمعارك باسيل أو خطاباته. وقد جاء تحريك مشروع القانون بهدف مواكبة سعي مصرف لبنان لمصادرة دولارات المساعدات الإنسانيّة ودفعها بالليرة لمستحقيها، عبر تطمين المجتمع الدولي قبل إيداع الدولارات في مصرف لبنان.

هذا الانتصار المجاني الذي يبحث عنه باسيل اليوم، هو انتصار فارغ في الوقت نفسه، بالنسبة إلى أصحاب الودائع التي مازالت حبيسة داخل النظام المصرفي اللبناني. فالقانون كان مطلوباً في السابق لحماية القسم المتبقي من سيولة المودعين في المصارف، وتحديداً السيولة التي أودعتها المصارف لدى مصرف لبنان. لكن بعد استنزاف هذه السيولة في عمليات تهريب الأموال طوال الفترة السابقة، وبعد أن اقترب مستوى السيولة الموجودة لدى مصرف لبنان من الاقتصار على الاحتياطات الإلزاميّة التي لا يمكن المساس بها، لم يعد هذا القانون قادر على إحداث فرق بالنسبة إلى الدولارات التي كانت متبقية في الأسابيع الأولى من حصول الانهيار. علماً أن القانون سيكون مهماً بالتأكيد، إنما لأهداف أخرى كإعطاء الضمانات للمجتمع الدولي قبل الحصول على المساعدات، أو تنظيم استعمال الدولارات الناتجة عن عمليات إعادة الرسملة، التي لن يقدم أو يؤخر حجمها الضئيل على مستوى حقوق أصحاب ودائع ما قبل 17 تشرين الأول 2019.

تناقضات بالجملة
في كل ما يتصل بحديث باسيل عن الملفات الماليّة، غرق الرجل في تناقضات بالجملة. يتحدّث باسيل عن مبدأ الديون الجائرة، التي تُفرض على دولة بمستويات لا تتناسب مع قدرتها على السداد لاحقاً. وهو ما يبرر التفاوض على هذه الديون وشطبها لاحقاً، أو على الأقل شطب جزء منها. لكنّ باسيل يتناسى هنا أن رموز تياره هم الذين تصدّوا في المجلس النيابي لفكرة اقتصاص أي قيمة من سندات دين الخزينة بالليرة اللبنانيّة، التي يملكها القطاع المصرفي. كما عمل هؤلاء على تقليص قيمة الخسائر التي سيتم شطبها من رساميل القطاع إلى أدنى حد ممكن. مع العلم أن بعض نواب التيار، كإبراهيم كنعان مثلاً، لم يكتفوا بالتصويت أو المناقشة في هذا الاتجاه، بل ذهبوا للعب أدوار محوريّة في إسقاط خطة الحكومة الماليّة، من بوابة رفضهم لمقارباتها التي لم تعجب المساهمين في القطاع المصرفي.

أما الغريب في خطاب باسيل، فهو مزاوجته بين فكرة شطب الديون الجائرة، التي تحمّل الخسارة للمصارف ورساميلها، وفكرة إنشاء شركة من الأصول العامة المدرّة للأرباح لسداد الخسائر ودفع قيمة الودائع. وهي الفكرة التي تروّج لها جمعيّة المصارف اليوم لتفادي تحمّل خسائر إعادة هيكلة دين الدولة من رساميلها. ولعلّ مجرّد ذكر فكرة شركة الأصول العامّة، أو "الصندوق السيادي" كما تروّج له جمعيّة المصارف، يمثّل دليلاً على عدم جديّة باسيل في الحديث الجذري عن شطب الديون الجائرة.

أما قمّة المفارقات، فكانت انتقاد باسيل سائر القوى السياسيّة لعدم جرأتها في الذهاب بعيداً في موضوع حماية ما تبقى من سيولة في مصرف لبنان، عبر رفع الدعم تدريجيّاً واستبداله بآليات دعم أخرى. مع العلم أن وزراء العهد أنفسهم كانوا من جملة الذين تغاضوا عن التخطيط للدخول في هذا المسار، لا بل ضغطوا في الاتجاه المعاكس تماماً في فترة من الفترات، من خلال المطالبة بضخ الدولار في السوق من السيولة المتبقية في مصرف لبنان، للسيطرة على سعر الصرف.

مصالح الداخل واسترضاء الخارج
بين فكرة استعمال أصول الدولة لسداد قيمة الودائع، لمراعاة مصالح القطاع المصرفي، وأفكار التدقيق الجنائي والكابيتال كونترول لاسترضاء الخارج وضغوطه باتجاه أجندات إصلاحيّة معينة، سار خطاب باسيل مترنّحاً ومتناقضاً، من دون أن يجمع في خطابه أي رؤية متكاملة لأوليات المرحلة المقبلة. فما كان يهم باسيل في كل الكلمة فعلاً، لم يكن سوى سجاله المتعلّق بالحصص والمواقع الوزاريّة داخل الحكومة المقبلة.

وفي الخلاصة، سيظل تيار باسيل محكوماً بهذه التناقضات التي خيمت على أداء التيار طوال الفترة الماضية، بين بعض الأجنحة التي تحابي توجهات صندوق النقد والأوروبيين لكسب رضا المجتمع الدولي وتبييض صورة رئيس التيار، وبعض الأجنحة التي تحابي أولويات القطاع المصرفي والحاكم رياض سلامة لأسباب ترتبط بمصالح بعيدة عن أعين الرأي العام. وطالما أن أقطاب الحكم يتخبطون بهذا النوع من المصالح من دون أن يمتلكوا أجندة متكاملة للحل، فمن المستبعد أن تصيغ الحكومة المقبلة أي خطة فعليّة قادرة على انتشال البلاد من محنتها.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها