آخر تحديث:12:27(بيروت)
الأحد 21/11/2021
share

شركة التدقيق بحسابات سلامة: مهندِسة ميزانيات الانهيار

علي نور الدين | الأحد 21/11/2021
شارك المقال :
شركة التدقيق بحسابات سلامة: مهندِسة ميزانيات الانهيار الشركة قدمت شهاداتها للمصارف من دون أي اعتبار للمعايير المحاسبيّة العالميّة (المدن)

تحوّل التقرير الذي أعدته شركة "سمعان غلام وشركاهم" إلى شهادة براءة ذمّة أشهرها حاكم مصرف لبنان، وأعدّ منها حملة إعلاميّة لغسل صورته أمام الرأي العام، وخصوصاً بعد أن زار رئيس الحكومة يوم الجمعة لتزويده بنسخة من هذا التقرير الذي يدقّق بحساباته الشخصيّة وبالحسابات التي تم الحديث عنها في وسائل الإعلام. حتّى اللحظة، لم يرَ أحد باستثناء الحاكم ورئيس الحكومة مضمون التقرير، الذي يبدو أنّه يقتصر على التعامل مع اتهامات سطحيّة لم يوجهها أحد للحاكم، في مقابل تجاهل التهم الجديّة والخطرة الموجهة إلى رياض سلامة في المحاكم الأوروبيّة. باختصار، كل ما يجري لا يعدو عن كونه حملة إعلاميّة مضادّة.

لكن الكشف عن إسم الشركة التي قامت بالتدقيق الذي يتحدّث عنه الحاكم، أي شركة "سمعان غلام وشركاهما"، أعاد التذكير بالدور الذي قامت به هذه الشركة بالتحديد طوال الأعوام التي سبقت الانهيار المالي. باختصار، سمعان غلام ليست سوى شركة المحاسبة التي أعدّت تقارير التدقيق المحاسبي للغالبية الساحقة من المصارف اللبنانيّة خلال الأعوام الماضيّة، قبيل حصول الانهيار المالي سنة 2019. ومن خلال تلك التقارير جرى إخفاء فجوات القطاع المصرفي، وتجاهل عدد لا يُحصى من المعايير المحاسبيّة العالميّة، ما أدّى إلى تآكل أموال المودعين تدريجيّاً، قبل أن تنكشف الأزمة بوضوح خلال السنتين الماضيتين. الشركة التي استعان بها الحاكم، هي شريكته في هندسة تقارير الانهيار المصرفيّة وميزانيّاته.

سمعان غلام: إخفاء الفجوات
حسب القانون وتعاميم المصرف المركزي، من المفترض أن تخضع ميزانيّات المصارف إلى رقابة خارجيّة من قبل شركتي تدقيق على الأقل، بهدف التأكّد من شفافيّة هذه الميزانيات ومعايير الإفصاح المالي المعتمدة فيها. ومن المفترض أيضاً أن يتم، وكنتيجة لهذا التدقيق، أن تعد شركات التدقيق هذه تقارير محاسبيّة تستعرض نتائج عمل كل سنة، وتؤكّد فيها سلامة الإجراءات المحاسبيّة المعتمدة من قبل المصرف. مع الإشارة إلى أن مفوضي الرقابة يملكون صلاحيّة، أو بالأحرى واجب، الإفصاح عن أي ثغرات يمكن أن يعثروا عليها في إطار الرقابة التي يقومون بها، ومنها على سبيل المثال الألاعيب التي يمكن أن تحاول إخفاء بعض الفجوات الموجودة في الميزانيات المصرفيّة.

البحث عن شركة سمعان غلام سرعان ما يكشف أن الشركة هي مفوّض الرقابة للغالبيّة الساحقة من المصارف اللبنانيّة، ومنها جميع المصارف الكبرى المعروفة، كعودة وبلوم وبيبلوس وغيرها. وبإمكان بحث صغير أيضاً أن يكشف أن الشركة منحت "شهادة الشفافيّة" لميزانيات المصارف طوال الأعوام التي سبقت الانهيار المالي سنة 2019، وأن توقيع الشركة جاء في جميع هذه الميزانيات بعد عبارة "إن هذه الميزانيات تعكس بشكل عادل وضعيّة الشركة لغاية تاريخ...". باختصار، شركة سمعان غلام كانت شريكاً أساسياً في المصادقة على ميزانيات ما قبل الانهيار، التي انطوت على مخالفات لا تُحصى، هدفت إلى إخفاء الألاعيب التي كانت تجري لإخفاء الفجوات التي تراكمت في ميزانيات المصارف. وهذه الشركة، التي يُراد أن تقبل بشهادة براءتها للحاكم، لم تقدم في أي من تقارير المراقبة التي أعدّتها على كشف مخالفة واحدة من المخالفات التي قامت بها المصارف خلال إعداد تلك الميزانيّات.

الميزانيات المفخخة وألاعيب المحاسبة
لا يحتاج المرء إلى كثير من البحث لمعرفة نوعيّة الألاعيب التي انطوت عليها الميزانيات المصرفيّة قبل 2019، والتي ساهمت في مراكمة عوامل التعثّر قبل انكشافه لاحقاً. من هذه الألاعيب مثلاً، عدم التمييز في الميزانيات ما بين توظيفات المصارف بالعملات الأجنبيّة والعملة المحليّة في مصرف لبنان، وهي خدعة محاسبيّة ماكرة هدفت إلى إخفاء حجم الإلتزامات المترتبة على المصرف المركزي بالعملات الأجنبيّة، وبالتالي إخفاء فجوة العملة الصعبة الصعبة الموجودة في ميزانياته ومخاطر توظيفات المصارف لديه.

مع أهميّة الإشارة إلى أن مخاطر توظيفات المصارف لدى مصرف لبنان، وبالعملات الأجنبيّة تحديداً، كانت تقتضي تكوين مؤونات معيّنة –من أرباح أصحاب المصارف- مقابل هذه التوظيفات، لحماية المودعين من إحتمالات تعثّر مصرف لبنان في المستقبل. كما أن ارتفاع هذه المخاطر كان يقتضي الحد من توسّع المصارف في توظيف أموالها لدى مصرف لبنان بالعملة الأجنبيّة، حتّى لو درّ ذلك نسبة مرتفعة من الأرباح لمصلحة أصحاب المصارف، كما حصل في فترات الهندسات الماليّة. بمعنى آخر، كانت كل هذه المخالفات المحاسبيّة، التي أشرفت عليها سمعان وغلام، أحد الأسباب التي مهّدت للانهيار الذي حصل لاحقاً.

على أي حال، طوال تلك السنوات، كانت جهات عديدة كصندوق النقد ووكالات التصنيف الإئتماني تشدد على عدم شفافيّة ميزانيات القطاع المصرفي بأسرها، نتيجة وجود هذا النوع من الألاعيب التي أخفت جزءاً مهماً من الحقائق الماليّة المرتبطة بالقطاع. ومع ذلك، لم تتوانَ شركات التدقيق المحاسبي عن التوقيع على هذه الميزنيّات، وتقديم شهاداتها للمصارف من دون أي اعتبار للمعايير المحاسبيّة العالميّة. وفي طليعة شركات التدقيق المخالفة هذه، حلّت شركة "سمعان وغلام"، التي استحوذت على الحصّة الأكبر من دون منازع من سوق تدقيق ميزانيات المصارف. ولعلّ تواطؤ لجنة الرقابة على المصارف ومصرف لبنان مع المصارف هو ما ساهم في تسهيل مهمّة شركات التدقيق المحاسبي، بغياب أي طرف يمكن أن يسائل هذه الشركات عن عملها.

وبعد حصول الانهيار، لم تتوقّف جميع الألاعيب التي استهدفت حماية مصالح أصحاب المصارف، وتفادي التعامل مع خسائر القطاع. فعلى النحو نفسه، توقّفت المصارف عن تطبيق المعايير المحاسبيّة العالميّة، التي تفرض التعامل مع القروض المتعثّرة وتوظيفات المصارف لدى مصرف لبنان وسندات الدين السيادي. وهذا الإجراء، التي جاء بغطاء من مصرف لبنان نفسه، تبنّته شركات التدقيق، ومنها "سمعان غلام"، رغم أنّه يناقض أخلاقيات مهنة التدقيق المحاسبي ومعايير عملها العالميّة. وبذلك، استمرّت شركات التدقيق بإصدار تقاريرها السنويّة للمصارف الخاصّة من دون أي إشارة إلى هذه المخالفات المحاسبيّة، باستثناء الشركات الأجنبيّة التي دققت ميزانيات مصرف لبنان وأشارت إلى بعض الألاعيب المحاسبيّة التي قام بها الحاكم.

عودة "سمعان غلام": البراءة للحاكم!
اليوم، عادت "سمعان غلام" إلى المشهد من جديد، لتعطي صك براءة للحاكم من خلال تقريرها الملتبس، الذي لم يتم نشره بعد. أما أهم ما في الموضوع، فهو أن الحاكم لجأ إلى شركة محاسبيّة محليّة غير متخصّصة في أعمال التدقيق الجنائي، بدل اللجوء إلى الشركات الأجنبيّة المرموقة والمتخصصة في هذا المجال. وهذه المسألة بالتحديد تشير إلى أن الحاكم أراد منذ البداية الحصول على تقرير شكلي، لا يخدم سوى العراضة الإعلاميّة التي حصلت، بدل إجراء تدقيق فعلي يدخل في تفاصيل الاتهامات الموجهة إلى رياض سلامة.

أما النتيجة، فكانت تبرئة سلامة من اتهامات مختلفة تماماً عن ما يجري التحقيق بشأنه في الخارج، ما يدل على وجود تلاعب في نطاق العمل الذي طلبه الحاكم من "سمعان غلام". والتلاعب في نطاق العمل ممكن، طالما أن "سمعان غلام" لا تملك السمعة الدوليّة التي تخشى عليها، وطالما أن سلامة نفسه هو عميل الشركة، أي طالب التدقيق.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها