آخر تحديث:15:27(بيروت)
الخميس 18/11/2021
share

سلامة واستغباء الجميع: دليل براءتي.. دققت حساباتي بنفسي

علي نور الدين | الخميس 18/11/2021
شارك المقال :
سلامة واستغباء الجميع: دليل براءتي.. دققت حساباتي بنفسي سلامة يجيب على أسئلة واتهامات لم يوجهها إليه أحد (علي علّوش)

بيان سلامة الأخير، كان يصلح لأن يكون مزحة في عالم التدقيق الجنائي أو المحاسبة القضائيّة. ثمّة حاكم لمصرف مركزي يشهر دليل براءته: وكّل شركة تدقيق نجهل إسمها، وفوّضها البت بالاتهامات المنسوبة إليه، من دون أن يرى أحد نطاق التدقيق الذي طلبه من الشركة، ولا نوعيّة المعلومات التي طلب التحقق منها. في العادة، يمثّل طالب التدقيق، الذي يملك صلاحيّة طلب نطاق البحث والتحقيق في الاتهامات، العنصر الأقوى في هذا النوع من المسارات، خصوصاً كونه يملك قدرة توجيه عمليات التقصّي والبحث، وتحديد الأسئلة التي يفترض أن يجاوب عليها. في حالة التدقيق الذي أعلن عنه سلامة، لم يكن طالب التدقيق سوى سلامة نفسه!

سلامة يسأل.. سلامة يجيب
ولأن سلامة يدقق لنفسه، كان من الطبيعي أن يجيب التدقيق على أسئلة لم يطرحها أحد، وأن ينفي اتهامات لم يوجهها أي طرف إلى الحاكم. على هذا النحو، قرر التدقيق الذي أجراه الحاكم أن ينفي أن تكون التحويلات التي ذهبت إلى شركة "فوري" في الخارج قد خرجت من حسابات مصرف لبنان، مؤكّداً أن الأموال قد تم سدادها من قبل "طرف ثالث". وبهذا المعنى، يريد الحاكم أن يقول أن المصرف المركزي لم يكن إلا وسيط (عبر حساب تقاص، أو Clearing Account)، تلقى الأموال من الطرف الثالث وأودعه في حساب شركة "فوري" في سويسرا. مع الإشارة إلى أن شركة "فوري" هي إحدى الشركات المسجّلة بإسم شقيق الحاكم، التي استفادت من تحويلات بقيمة تتجاوز 330 مليون دولار، خرجت من مصرف لبنان باتجاه المصارف السويسريّة.

في الواقع، لم يدعِّ أي تقرير أو اتهام رسمي أن الأموال التي خرجت من مصرف لبنان كانت عبارة عن تحويلات مباشرة من حسابات المصرف المركزي إلى حسابات "فوري"، لكون إخفاء هذه المسألة مستحيل من الناحية المحاسبيّة، حتّى في أوقح عمليات الفساد وأكثرها جرأة. الاتهامات المنسوبة إلى سلامة في المحاكم الأجنبيّة تدور تحديداً حول مصدر هذه الأموال التي حوّلها "الطرف الثالث" إلى شركة "فوري"، ومدى ارتباطها بعمليات ماليّة مشبوهة استفادت من موقع الحاكم وصلاحيّاته، وخصوصاً تلك التي انطوت على مبادلات وتداولات في سندات اليوروبوند بين عامي 2002 و2015. أما تحديد المصرف المركزي كمصدر للتحويلات، فلا يعدو عن كونه إشارة إلى كون المصرف هو الوسيط التي تولّى إجراءها باتجاه المصارف المراسلة في الخارج.

في كل الحالات، كان من المفترض أن يجيب التدقيق الجنائي –لو اتسم بالجديّة- عن أسئلة مختلفة تماماً، كنوعيّة التداولات الماليّة التي قام بها "الطرف الثالث" قبل تحويل الأموال إلى الخارج، ومدى انطوائها على تضارب مصالح بين دور الحاكم كمستفيد من التحويلات، عبر شركة فوري، ودوره في المصرف المركزي. فحاكم مصرف لبنان يملك من موقعه صلاحيّة التداول بسندات اليوروبوند باستخدام الأموال العامّة الموجودة في المصرف، كما يملك صلاحيّة الإشراف على إصدار هذه السندات بوصفه حاكماً لمصرف الدولة اللبنانيّة. ولهذه الأسباب، مجرّد ارتباط العمليات المشبوهة بتداول سندات اليوروبوند في لبنان، ومن ثمّ تحويل هذه الأموال إلى حسابات شركة شقيق سلامة في سويسرا، يدلّان على وجود شبهة تضارب المصالح والكسب غير المشروع.

البحث عن الأموال العامّة
أبعد من مسألة تضارب المصالح، وحتّى في ما يتعلّق بادعاء الحاكم أن التدقيق يظهر أن هذه التحويلات لم تستفد من الأموال العامّة، لم يفصح الحاكم عن نطاق التقصّي الذي قامت به شركة التدقيق المجهولة. فهل اكتفت الشركة بالبحث عن مصدر التحويل المباشر في مصرف لبنان، لتستنتج أن الأموال تم دفعها من قبل الطرف الثالث من دون الاستفادة من المال العام؟ أم أن الشركة ذهبت بعيداً للبحث في مصدر أموال الطرف الثالث الذي يمكن أن يكون قد استفاد من أموال عامّة بشكل من الأشكال؟ كل هذه الأسئلة تبقى بلا أي جواب، طالما أن الرأي العام لم يطلع على التقرير نفسه، وعلى نوعيّة الأسئلة التي وجهها الحاكم –طالب التدقيق والمُدقق بحساباته- إلى شركة التدقيق المزعومة.

على النحو نفسه، يستعرض سلامة كيف أن شركة التدقيق اطلعت على حساباته، حيث تبيّن لها أن الحسابات منفصلة عن تلك التي تودع فيها مبالغ تخص مصرف لبنان، كما لم يتبيّن للشركة أن سلامة تلقّى شخصيّاً أي أموال من المصرف المركزي. وهنا مجدداً، كان سلامة يجيب عن أسئلة واتهامات لم يوجهها إليه أحد، خصوصاً أن أي عاقل لا يمكن أن يتخيّل أن سلامة سيجرؤ على إيداع أموال المصرف المركزي في حساباته مباشرةً على النحو الذي يصفه.

كما يبدو –من البيان- أن سلامة حصر عمليّات التدقيق هذه باستثماراته الخاصّة التي تمّت تحت أسمه الشخصي، وهو ما لا يشمل عشرات الشركات الواجهة التي تم تأسيسها في الخارج، بأسماء أقاربه والمقرّبين منه، والتي استفادت من تحويلات مصدرها لبنان (من أطراف "ثالثة" كما يسمّيها)، قبل أن تقوم هذه الشركات بتوظيف هذه الأموال في استثمارات عقاريّة في دول مختلفة. وهنا أيضاً، لا يمكن التيقّن من نطاق التدقيق الذي قامت به الشركة، والتي قامت بعملها بناءً على طلب سلامة نفسه وكما يرغب.

الحشو الفارغ
وأخيراً، يعود البيان إلى إضافة مقاطع من الحشو البعيد عن الإجابة عن جميع التهم الموجّهة إلى سلامة، عبر استعراض ثروات سلامة التي كوّنها قبل تعيينه في حاكميّة مصرف لبنان، رغم أن حجم هذه الثروات لا تتجاوز قيمته 7% من الأموال التي تم البدء بتحويلها إلى شركة فوري سنة 2002، أي بعد أقل من تسع سنوات على تولّيه حاكميّة مصرف لبنان. في هذا الجزء من البيان، يستعرض سلامة شفافيّته في تسجيل شركاته والإعلان عنها، متناسياً أن الغالبيّة الساحقة من ثرواته الموجودة في الخارج تم الكشف عنها من خلال التسريبات التي فضحت الشركات المسجّلة في الجنّات الضريبيّة، أو الممتلكات التي قام بتسجيلها بأسماء المقرّبين منه وأقاربه. باختصار، لم تعكس كل تلك الممارسات الشفافيّة التي تحدّث عنها البيان.

أخيراً، لا يوجد حتّى اللحظة تفسير لما قام به سلامة من خلال استعراض نتائج التدقيق ببيان سطحي ومقتضب من هذا النوع، بدل الكشف عن تفاصيل طلب التدقيق الذي تم توجيهه إلى الشركة، وما كشفته أعمال التدقيق في حسابات سلامة لاحقاً، ناهيك عن إسم الشركة التي قامت بهذا التدقيق ومصداقيّتها. بغياب كل ذلك، وبغياب التحقيقات القضائيّة الجديّة من الجانب اللبناني، سيكون على اللبنانيين أن ينتظروا نتائج التحقيقات التي تجريها النيابات العامّة في سبع دول في الخارج، لتبيان الخيط الأبيض من الخيط الأسود.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها