آخر تحديث:11:23(بيروت)
الثلاثاء 16/11/2021
share

ميقاتي وفرنجيّة يتسابقان لخدمة المصارف: تحويل الودائع إلى أسهم

علي نور الدين | الثلاثاء 16/11/2021
شارك المقال :
ميقاتي وفرنجيّة يتسابقان لخدمة المصارف: تحويل الودائع إلى أسهم اقتصاص 66 بالمئة من الودائع قبل تحويلها إلى أسهم عالية المخاطر (ريشار سمور)

من خارج سياق أي خطّة اقتصاديّة، تقدّم النائب طوني فرنجيّة بمقترح قانون يقضي بالسماح للمودعين باستخدام ودائعهم العالقة داخل النظام المصرفي، لشراء أسهم في شركات خاصّة تتملّك معامل الكهرباء. وريث الزعامة الزغرتاويّة استعرض في مقابلات تلفزيونيّة مقترحه بوصفه ابتكاراً عبقرياً يصيب عصفورين بحجر واحد: تأمين الأموال اللازمة لتمويل مشاريع الكهرباء، ومعالجة أزمة المودعين في الوقت نفسه. في المقابل، يتجاهل هذا الاستعراض السطحي والساذج جميع التفاصيل التقنيّة، التي تؤكّد أن هذا المشروع يصب في مصلحة المصارف وأصحابها، على حساب المودع والاقتصاد المحلّي والدولة وما تبقى من احتياطات في مصرف لبنان.

من الناحية العمليّة، لا تنطوي فكرة فرنجيّة على أي ابتكار أو ذكاء خارق. فما يطرحه ليس سوى "قوطبة" على خطّة حكومة ميقاتي الاقتصاديّة، التي يعمل ميقاتي حاليّاً على تضمينها هذا المقترح بالتحديد بالنسبة إلى قطاع الكهرباء، بدفع ودعم فرنسي. وهذا المقترح يستهدف في المحصّلة تخفيض خسائر القطاع المصرفي، والتقليل من قيمة الالتزامات المترتبة على القطاع كودائع، عبر "تمليك" المودعين أصولاً أو استثمارات في قطاع الكهرباء، مقابل ودائعهم المصرفيّة، باعتماد نماذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص. أما المتضرّر الأكبر، فسيكون المودعين أنفسهم، الذين سيتحمّلون نسبة كبيرة من الاقتصاص من قيمة ودائعهم، مقابل تحويلها إلى أسهم في هذه الشركات، ومن ثمّ انتظار أكثر من 20 سنة لضمان استرداد قيمة الأسهم في ظل مخاطر كبيرة لا تحصى.

في الخلاصة، وبالتوازي مع الخلاف السياسي القائم بين ميقاتي وفرنجيّة في المرحلة الراهنة، وتحديداً في ملف الأزمة التي اندلعت بعد تصريح وزير الإعلام، يبدو أن كلاهما تسابقا لاستعراض تبنّي هذه الفكرة التي تريح المصارف، وتحظى برضى وتشجيع فرنسي.

الإجحاف بحق المودعين لمصلحة المصارف
خطّة ميقاتي ستعطي المودع حق تحويل وديعته إلى أسهم في شركات خاصّة تمتلك معامل الكهرباء، مع تحميله خسارة تصل إلى 66% من قيمة الوديعة مقابل تملّك هذه الأسهم. وبعد تملّك الأسهم، سيكون على المودع انتظار فترة تصل إلى حدود 20 سنة، لاستعادة قيمة الاستثمار من خلال أرباح الشركة الموعودة. أما تمويل هذا المشروع الفعلي، بعد تمليك أسهمه إلى المودعين، فسيكون من احتياطات مصرف لبنان المتبقية، التي سيتم تحميلها قيمة العمليّة بالدولار النقدي مقابل الأسهم التي سيحصل عليها أصحاب الودائع.

وبهذه الطريقة، ستتخلّص المصارف من جزء من التزاماتها للمودعين، ما سيخفّض من قيمة الخسائر المتراكمة في ميزانيّاتها، ومن كلفة التصحيح المالي التي سيتم تحميلها لرساميل وأصحاب المصارف. أما كلفة العمليّة على المودع، فلن تقتصر على نسبة الاقتصاص المرتفعة من قيمة وديعته (نحو ثلثي الوديعة)، ولا على فترة الانتظار الطويلة التي سيتحملها قبل استرداد قيمة الأسهم، بل ستشمل أيضاً حجم المخاطر المحيطة بالمشروع. 

ففي خلاصة الأمر، لن يملك المودع ما يكفل ربحيّة المشروع بأسره على مدى السنوات العشرين المقبلة، ولن يملك ما يضمن قدرة الدولة على سداد ثمن الكهرباء للشركة الجديدة صاحبة المعامل (المملوكة من المودعين). فالزبون الوحيد لهذه الشركة الجديدة سيكون مؤسسة كهرباء لبنان المفلسة والمتعثّرة، التي ستشتري الإنتاج الكهربائي طوال السنوات العشرين. أمّا إذا كانت أسهم الشركة معروضة للتداول في البورصة، فالباب سيكون مفتوحاً لتحكّم بعض الكارتيلات الماليّة بقيمة الأسهم، تماماً كما جرى في الماضي بأسهم شركة سوليدير التي تم منحها كتعويض لأصحاب العقارات المصادرة في وسط بيروت. ببساطة: سيكون المودع قد اشترى السمك في البحر.

وبذلك، ومن بعد أن يخسر المودع ثلثي الوديعة لتملّك هذا "الاستثمار"، فسيكون أمام مغامرة ستطول لمدّة عقدين لتحصيل الثلث المتبقي، في ظل بيئة استثماريّة مفتوحة على كافة أشكال المخاطر الماليّة والنقديّة، ومخاطر عدم شفافيّة النظام السياسي المشرف على قطاع الكهرباء. مع الإشارة إلى أن أخطر ما في المشروع هو ارتباطه بقطاع متعثّر وفاشل، فيما تمّت عرقلة جميع خطط إنعاشه من قبل الأطراف المرتبطة بمصالح وصفقات كبيرة داخل هذا القطاع.

وفي الوقت نفسه، ستكون الدولة اللبنانيّة قد اعتمدت على الرأسمال الخاص ليشارك الدولة في استثمار القطاع، لكن بوجود شركة محليّة مستحدثة، لا تملك الخبرة التقنيّة التي تمكّنها من فرض رقابة وشروط معيّنة، لضمان ربحيّة القطاع وشفافيّة عملياته وقدرة تحصيل الأرباح. وبذلك، سيكون قد تم تحميل مخاطر استثماريّة كبيرة للمودعين، بدل استقدام شركة أجنبيّة قادرة على تحمّل المخاطر من رساميلها، وعلى فرض شروط نجاح القطاع من خبرتها في هذا المجال.

الإجحاف بحق الاحتياطات والدولة والاقتصاد المحلّي
في الواقع، كان بإمكان الدولة الاعتماد على الاستثمار الخارجي وحده، إذا أصرّت على اعتماد نموذج الشراكة مع القطاع الخاص لإنعاش قطاع الكهرباء. وهو استثمار كفيل باستقطاب السيولة بالعملة الصعبة من الخارج، وضخ هذه السيولة في شرايين الاقتصاد المحلّي والنظام المالي. وهذه الاستثمارات، كانت كفيلة أيضاً بتحييد احتياطات مصرف لبنان عن الاستنزاف الناتج عن ضخها في مشاريع معامل الكهرباء، وفق الخطة المطروحة حالياً. أما الدولة فستكون بذلك قادرة على الحصول على الاستثمارات المطلوبة في القطاع من الخارج، مع امكانيّة إجراء مناقصات للحصول على أفضل شروط من الشركات الأجنبيّة، بدل حصر الخيارات بالشركة المحليّة الهشّة التي سيملكها المودعون السابقون.

في المقابل، ستؤدّي خطة ميقاتي إلى التخلّي عن نسبة من الاحتياطات الموجودة في مصرف لبنان، قبل التأكّد من انتظام القطاع المصرفي على المدى الطويل، وقبل استعادة النظام المالي قدرته على استقطاب التحويلات الواردة من الخارج. كما ستعتمد الخطة على هذه الاحتياطات بدل الحصول على استثمارات جديدة بالدولار الطازج! علماً أن استقطاب هذه الدولارات يمثّل أحد أدوات استعادة النظام المالي لانتظامه. وأخيراً، ستقلّص هذه الخطة هامش المناورة الممنوح للدولة، أو قدرتها التفاوضيّة في وجه الشركة الخاصّة، عبر حصر الاستثمار بالشركة المستحدثة للمودعين.

أهم ما في الموضوع، هو أن الدولة تملك اليوم كميّة من السيولة التي حصلت عليها من حقوق السحب الخاصّة التي منحها صندوق النقد الدولي. وهذه سيولة يمكن استخدامها لاستثمار الدولة في هذا النوع من المشاريع، بالشراكة مع الرساميل التي يمكن استقطابها من الخارج، إذا أراد لبنان الإبقاء على مساهمة الشركات الخاصّة التي تملك الخبرة في القطاع، لضمان نجاح الاستثمار. وهذا النموذج، يمكن أن يضمن للدولة نسبة من أرباح الاستثمارات على المدى الطويل بالعملة الصعبة، بما يساهم في تمويل شراء المحروقات لمؤسسة كهرباء لبنان.

لكن إبقاء أموال حقوق السحب الخاصّة بحوزة مصرف لبنان من ضمن احتياطاته كما يجري اليوم، ومن ثم تبديد جزء من الاحتياطات لتحرير المصارف من بعض التزاماتها، حسب خطة ميقاتي الجديدة، سيفوّت على الدولة هذه الفرصة لمصلحة المصارف. مع أهميّة الإشارة إلى أن استعمال أموال حقوق السحب الخاصّة بشكل استراتيجي وهادف يقتضي استثمارها بمشاريع كهذه على المدى الطويل، بما يسمح باستعادة الدولة لمداخيلها، خصوصاً إذا كانت هذه المشاريع جزءاً من خطة واسعة، تكفل وجود الشركات التي تملك المؤهّلات لإنجاح الخطّة.  

كلفة حماية المصالح المصرفيّة
هذا المشروع المؤذي للدولة والمودع والمصرف المركزي والاقتصاد المحلّي، ليس سوى أحد أشكال التملّص من تحميل المصارف كلفة التصحيح المالي، وتفادي تحميل أصحاب المصارف نسبة وازنة من الخسائر المترتبة في الميزانيّات. فاستعادة المودع لقيمة وديعته كانت ممكنة من تشرين الأوّل 2019، عبر تحديد الخسائر وتوزيعها بشكل شفّاف وواضح، تمهيداً لاستعادة الانتظام في عمل القطاع المصرفي بأقل ضرر ممكن على المودعين. لكن بعد أن أسقط اللوبي المصرفي أي مبادرة أو خطة يمكن أن تحمي المودع بهذا الشكل، بات المطلوب اختلاق وسائل بديلة يمكن أن تحمّل المودع نفسه كلفة التصحيح. وهذه الوسائل تبدأ من الاقتصاص من قيمة الوديعة بعد تحويلها إلى أسهم في شركة "معامل الكهرباء"، أو عبر توريط المودع في هذا الاستثمار الخطر من دون أي ضمانة تؤكّد إمكانيّة استعادة قيمة الاستثمار على المدى الطويل.

أما الأهم، فهو أن مشروع شركة "معامل الكهرباء" يؤكّد أن خطة الحكومة متجهة نحو أولويات ومقاربات المصارف من دون أي تردد. وهو ما يبرر الارتياح الذي عبّرت عنه المصارف مراراً وتكراراً تجاه الخطة الحكوميّة التي يتم العمل عليها. وكما بات واضحاً، سيكون ثمن إراحة المصارف على هذا النحو تحميلنا جميعاً خسائر الأزمة وكلفة الخروج منها.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها