آخر تحديث:14:55(بيروت)
السبت 13/11/2021
share

دوّامة لن تنتهي: هبوط الليرة وغلاء المحروقات

علي نور الدين | السبت 13/11/2021
شارك المقال :
دوّامة لن تنتهي: هبوط الليرة وغلاء المحروقات إقحام البلاد في دوامة التضخّم المفرط (مصطفى جمال الدين)
لا يبدو أنّ ثمّة مخرجاً قريباً متوقّعاً من الدوامة التي دخلها لبنان مؤخّراً، بين هبوط قيمة الليرة وغلاء أسعار المحروقات. الطلب على الدولار لاستيراد المحروقات، بات بحد ذاته أهم أسباب هبوط سعر صرف الليرة في السوق الموازية. ومع كل هبوط في سعر صرف الليرة، ستكون جداول أسعار المحروقات على موعد مع ارتفاع إضافي في أسعار صفيحتي البنزين والمازوت، بعد أن تم رفع الدعم عن هذه المواد.

باختصار، ثمّة حلقة مفرغة من الأحداث غير السعيدة التي ستظل تتكرّر بوجود عنصر أساسي خلق هذه المعادلة: فشل منصّة مصرف لبنان في مهمّة خلق سوق مستقرّة للقطع. وفي زحمة هذه الأحداث، يختلق المصرف المركزي أسباباً جديدة لخلق النقد بالليرة، ليضيف بذلك المزيد من الضغط على سعر صرف العملة المحليّة، ولتتسارع بذلك وتيرة هذه الأحداث غير السعيدة.

فشل المنصّة وتدهور سعر صرف الليرة
من الأكيد أنّ تعثّر الحكومة لعب دوراً أساسيّاً في دفع سعر صرف الدولار إلى الارتفاع في السوق السوداء خلال الأيام الماضية، خصوصاً أن التفاؤل بتشكيلها كان أحد أسباب التحسّن النسبي في سعر صرف الليرة، بعد صدور مراسيم تشكيلها في شهر أيلول الماضي. لكنّ عامل تعثّر الحكومة لا يختصر وحده أسباب عودة سعر صرف الليرة إلى مسار الهبوط القاسي، بل ثمّة أسباب أهم بدأت بلعب هذا الدور بشكل مستدام منذ شهرين، أي قبل أن تظهر علامات تعثّر الحكومة. ففي 16 أيلول الماضي، بلغ سعر الصرف في السوق الموازية نحو 13,650 ليرة للدولار الواحد، ومنذ ذلك الوقت شهدت السوق انخفاضات يوميّة متتالية في قيمة الليرة ليتخطى سعر الصرف يوم الجمعة عتبة 23,000 ليرة للدولار في بعض ساعات النهار، وهو ما يدل على أن هذه التراجعات مرتبطة بعوامل أبعد من الأزمات المستجدّة.

في الواقع، يرتبط جزء كبير من عوامل الضغط على سعر صرف الليرة بفشل منصّة مصرف لبنان، التي كان يفترض أن تكون اليوم الوسيط الأساسي لتأمين الدولار لمستوردي السلع الأساسيّة، بعد أن تصبح الأداة الرئيسيّة للتداول بالدولار في السوق وبأسعار مستقرّة. لكن منذ الدخول في مسار رفع الدعم عن المحروقات، أي منذ توقّف مصرف لبنان عن تقديم الدولارات المطلوبة لاستيرادها من احتياطاته وبالسعر المدعوم، أدرك الحاكم محدوديّة عمليّات المنصّة، وعدم قدرتها على تحمّل هذا العبء. ولهذا السبب، أحال الطلب على الدولار لاستيراد المازوت إلى السوق السوداء مباشرةً، وهو ما خلق طلباً إضافياً كبيراً ومنتظماً على الدولار في هذه السوق منذ ذلك الوقت.

بهذه الخطوة، انسحب مصرف لبنان من مهمّة تأمين الجزء الأكبر من الطلب على الدولار لاستيراد المحروقات، خصوصاً أن كمية المازوت المستوردة سنويّاً تبلغ ضعف كميّة البنزين المستورد. ومن ناحية استيراد البنزين، استمرّ مصرف لبنان بتأمين الدولارات من خلال المنصّة، لكن دورها اقتصر هنا على امتصاص هذه الدولارات من السوق السوداء أيضاً، وهو ما ساهم بالضغط على سعر الصرف بالشكل نفسه. أما الإشكاليّة الأساسيّة هنا، فهو أن دور المنصّة اقتصر على تأمين الدولارات بهذه الطريقة، من دون أن تنجح في استقطاب عمليات بيع كبيرة للدولار من السوق، أو في خلق تداولات يوميّة فاعلة بالاتجاهين (بيعاً وشراءً). باختصار، لم تعد المنصّة سوى أداة تمكّن مصرف لبنان من سحب الدولار من الأسواق.

على أي حال، كانت محدوديّة قدرات المنصّة هذه هي ما دفع مصرف لبنان إلى إصدار قراره الأخير، القاضي بتأمين 10% من الدولارات المطلوبة لاستيراد البنزين من قبل المستوردين نقداً، أي من خلال شرائها من السوق السوداء مباشرةً ومن دون العبور بالمنصّة. وهذا الإجراء أدّى إلى زيادة الطلب بشكل غير منظّم في السوق الموازية، في مقابل تخفيف عبء تحصيل الدولار عن كاهل منصّة مصرف لبنان. والنتيجة كانت حكماً زيادة العوامل التي تدفع سعر صرف الليرة باتجاه الهبوط.

أسباب أخرى لضرب سعر الصرف
منذ حصول الانهيار المالي، اعتمد مصرف لبنان على سياسة تسييل الخسائر، عبر خلق النقد للتعامل مع عدد من الملفات، كإقراض الدولة لسداد ديونها المقوّمة بالليرة للمصارف، وسداد فوائد هذه الديون، بالإضافة إلى تأمين سحوبات بالليرة من الودائع المدولرة. لكن خلال الشهرين الماضيين، ابتدع مصرف لبنان أسباباً إضافيّة لخلق النقد، وبالتالي زيادة الكتلة النقديّة المتداولة بالليرة، التي تحوّلت تلقائيّاً إلى طلب على الدولار في السوق الموازية. وهذه العوامل ساهمت بدورها في زيادة التدهور في قيمة الليرة اللبنانيّة منذ شهر أيلول الماضي.

فخلال شهر أيلول، قام حاكم مصرف لبنان بالاتفاق مع وزارة الاقتصاد على صيغة لسداد بعض المستحقات المتوجبة لمصلحة مستوردي المواد الغذائيّة، الذين قاموا باستيراد كميّات من هذه المواد خلال مرحلة دعم السلّة الغذائيّة السنة الماضية، من دون أن يتقاضوا الدولارات المدعومة من احتياطات المصرف المركزي. أما الصيغة التي قرر المصرف المركزي اعتمادها لسداد المستحقات، فقامت على دفعها بالليرة اللبنانيّة وحسب سعر صرف السوق الموازية، على أن يتم تسديد 40% من قيمة المستحقات فوراً، ومن ثم تقسيط المبلغ المتبقي على دفعات شهريّة متساوية.

وهذا الإجراء بالتحديد ساهم طوال الفترة الماضية في ضخ كميات من السيولة بالليرة في السوق، وبشكل شهري منتظم. ومن المتوقّع أن تستمر هذه الدفعات للمستوردين بزيادة الكتلة النقديّة بالليرة طوال الأشهر المقبلة، إلى أن يتمكّن المصرف المركزي من التخلّص من التزاماته للمستوردين بشكل تام.

مع الإشارة إلى أن البدء بتطبيق التعميم 158، الذي ينص على سداد نصف الدفعات الشهريّة للمودعين بالليرة وبسعر صرف 12,000 ليرة للدولار، ساهم أيضاً بزيادة كميات السيولة بالليرة التي يضخها المصرف المركزي في السوق، خصوصاً أن سعر الصرف المعتمد لهذه الغاية تتجاوز قيمته الثلاث مرات سعر الصرف الذي تم اعتماده منذ شهر نيسان 2020 للسحوبات بحسب التعميم 151 (3900 ليرة للدولار).

غلاء المحروقات
هكذا تكتمل جميع العناصر الكافية لإقحام البلاد في دوامة التضخّم المفرط وتدهور سعر الصرف. وهو ما يعني أن رفع الدعم لم يؤدّي عملياً إلى عكس مسار انخفاض سعر صرف الليرة كما توقّع البعض، وتحديداً لكون رفع الدعم حصل بطريقة عشوائيّة وغير منظّمة من ناحية السياسة النقديّة. أما النتيجة، فهي ارتفاعات قياسيّة في أسعار المحروقات بالتوازي مع كل انهيار في سعر صرف الليرة. فسعر صفيحة المازوت بات مربوطاً بسعر صرف الدولار في السوق السوداء بشكل مباشر. وتسعيرة صفيحة البنزين مربوطة بمعادلة تأخذ بالاعتبار سعر صرف السوق السوداء لتأمين 10% من ثمن البضاعة المستوردة، وسعر صرف المنصّة الذي يرتفع يوميّاً بالتوازي مع ارتفاع سعر صرف السوق السوداء.

أما المسألة الأكيدة، فهي أن تعثّر المنصّة مرتبط بدوره بعدم معالجة أزمة القطاع المصرفي، التي تحول اليوم دون استقطاب أي دولارات إلى النظام المالي اللبناني. وهو ما يحبط أي محاولة لخلق سعر صرف متوازن داخل هذا النظام المالي. وهذه المسألة ناتجة حكماً عن عدم ارتباط إجراءات مصرف لبنان النقديّة بأي خطة ماليّة أشمل وأوسع، تعالج جميع الفجوات الموجودة في ميزانيات المصارف ومصرف لبنان. ولمعالجة هذه الثغرة، سيكون علينا انتظار خطّة الحكومة الكفيلة بتوزيع هذه الخسائر، ومن ثم انتظار تطبيق هذه الخطة.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها