آخر تحديث:11:53(بيروت)
السبت 09/10/2021
share

الدولار والاحتكار يفقران طعام التلامذة: سوء التغذية والبؤس مقبلان

بلقيس عبد الرضا | السبت 09/10/2021
شارك المقال :
الدولار والاحتكار يفقران طعام التلامذة: سوء التغذية والبؤس مقبلان المصاعب الاقتصادية تأثيرها بطيء ومؤلم على الصعد الغذائية والنفسية والاجتماعية (مصطفى جمال الدين)
صحيح أن الأزمة الاقتصادية رفعت أسعار الغذاء في لبنان إلى أكثر من 300 في المئة، مقارنة مع العام 2019، إلا أن تحرك أسعار السلع الغذائية شبه اليومي أكثر ما يضغط على ميزانية اللبنانين، حسب ربي أبي فاضل، وهي أم ابنة تبلغ من العمر 6 سنوات. وفي بدء العام الدراسي تواجه مشكلة كبيرة في خيارات الغذاء التي ترسلها مع ابنتها إلى المدرسة.

غذاء مدرسي
في العام 2019 لم تكن تكلفة حقيبة طعام التلامذة تصل في معدلها العام إلى أكثر من 3 آلاف ليرة لبنانية، وتحتوي علبة عصير بسعر 500 ليرة، وسندويش جبنة أو لبنة أو مرتديلا أو منقوشة بسعر 1000 ليرة، والفاكهة (تفاح، موز، عنب) بسعر لا يتعدى 500 ليرة، على اعتبار أن الكيلوغرام من هذه الأنواع لم يكن يتخطى حاجز الفي ليرة. وإضافة إلى ذلك نوع من السكاكر أو الحلويات المستوردة، كالشوكولا بسعر يتراوح ما بين 500 إلى 1000 ليرة. وهذه السلة الغذائية باتت اليوم تكلف أكثر من 70 في المئة من ميزانية العائلة، نظراً لارتفاع أسعارها عشرات الأضعاف.

وتقول أبي فاضل لـ "المدن": في بدء العام الدراسي أشعر يومياً بتكلفة غير متوقعة للسلع الغذائية الخاصة بأبنتي. فأنا حريصة على عدم تغيير نمط غذائها، لكنه بات يكلفني اليوم نحو 25 ألف ليرة. فعلى سبيل المثال، يباع الكيلوغرام من التفاح أو العنب بسعر لا يقل عن 23 ألف ليرة، ما يعني أن الحصة الواحدة من الفاكهة لابنتي باتت تصل تكلفتها إلى أكثر من 5 آلاف ليرة، فيما ارتفع سعر منقوشة الزعتر من ألف ليرة إلى 3 آلاف، أما الجبنة فمن 1500 ليرة إلى 12 ألف ليرة، فيما تتراوح أسعار السكاكر أو التشيبس، ما بين 4000 ليرة و 12 ألف ليرة.

انحدار اجتماعي
وكانت حقيبة طعام تلامذة المدارس تصل تكلفتها الشهرية إلى 60 ألف ليرة في العام 2019. أي ما يساوي 8 في المئة من قيمة الحد الأدنى للأجور. وارتفعت في العام 2021 إلى 74 في المئة من أساس قيمة الحد الأدنى، إذ تحتاج الأسرة إلى 500 ألف ليرة شهرياً لشراء السلع الأساسية المخصصة لطعام أبنائهم التلامذة، من ألبان وأجبان، وعصائر.

ويرى الخبير الاقتصادي جاسم عجاقة، أن هذا التغير في الأسعار مؤشر بالغ الأهمية للانحدار الاجتماعي والمعيشي الناجم عن الأزمة الاقتصادية. وإذا كانت آثار ذلك تقتصر في الوقت الحالي على قدرة اللبنانيين على شراء هذه السلع، فإن آثارها وتداعياتها ستكون بالغة الأهمية مستقبلاً، سواء على الأمن الغذائي والقطاع الصحي، إضافة إلى آثارها النفسية والطبقية والفرز الاجتماعي.

ويقول عجاقة إن التلامذة والطلاب يدفعون فاتورة الأزمة المالية. فتناول كمية قليلة ومتدنية أو رديئة النوعية من الغذاء، ينعكس على صحتهم. وعلى المدى البعيد ينعكس على مستقبل الشباب اللبناني ودوره في الاقتصاد. ويضيف: "من الواضح أن ارتدادات الأزمة في لبنان، قد تؤثر على الأجيال القادمة، ما لم تتخذ خطوات عاجلة للإصلاح الاقتصادي".

بدائل أخرى
وتلجأ عائلات كثيرة في لبنان إلى بدائل أقل تكلفة، أو حتى إلى تخفيف الإنفاق على ما تعتبره كماليات. وهذه حال يارا خوري، التي تتقاضى مليوني ليرة لبنانية شهرياً. وهي تقول لـ "المدن": مع بدء العام الدراسي وجدت نفسي مجبرة على تغيير الكثير من العادات الغذائية، فأصبحت حقيبة أبني (10 سنوات) تحتوي فقط على سندويش واحد، وفي معظم الأحيان محضرة من المونة البيتية، كالمربيات والزعتر. ولم تعد خوري قادرة على شراء ما تراه "سلع كمالية"، كالسكاكر والعصائر. وترى أن شراء التشيبس أو الشوكولا يحتاج إلى ميزانية جديدة، أو راتباً أخر، بسبب ارتفاع أسعارها عشرة أضعاف في العام الحالي.

أما باسمة عيسى (أم لثلاثة أطفال) فقد استبدلت الكثير من الأصناف المتعارف عليها بأخرى أقل سعراً، حتى لا تحرم أطفالها نهائياً من الحلويات. وهي رغم ذلك تسعى إلى تخفيف الإنفاق على هذا البند، بعدما شهدت أسعار السكاكر والحلويات المحلية الصنع أرتفاعاً في الفترة الماضية. وتقول عيسى: "مع اشتداد الأزمة، كان لا بد من إجراء الكثير من التغيرات، ليس فقط على مستوى نوعية الأطعمة، ولكن على كمياتها أيضاً.  فلا يمكن تزويد الصغار بكمية الأغذية التي أعتادوا عليها سابقاً في المدرسة. أكتفي بتزويد أولادي بأي صنف من السكاكر مرة واحدة أسبوعياً بدلاً من تزويدهم بها يومياً".

مع افتتاح المدارس أبوابها، لجأت عيسى إلى الاعتماد على صناعة العديد من المأكولات في البيت، بدلاً من شرائها بعدما ارتفعت أسعارها. فهي تحضر بيتياً مناقيش الزعتر والجبنة أو الكروسان، لإرسالها مع أطفالها إلى المدرسة.

وعيسى ليست الوحيدة التي بدأت بإعداد المأكولات في المنزل. فأبي فاضل بدورها وجدت أن أسعار الباغيت ارتفعت عشرات الأضعاف منذ عامين، كان يباع الرغيف الواحد بـ 500 ليرة ووصل إلى 1500 ليرة. وهذا ما دفعها إلى بدء تجربة الخبز في البيت. وهي بذلك لا تحرم ابنتها من هذه الأصناف، ولا ترهق ميزانيتها.

مصاعب وآلام بطيئة
لكن هذه البدائل تظل موقتة أو آنية. فالأزمة لا تزال في بدايتها، ولا يبدو أنها مقبلة على معالجات وحلول. ومصير لبنان إقتصادياً وسياسياً في مهب الغموض والمجهول. والفئات الاجتماعية الوسطى والمحدودة المداخيل، لا تزال تجد معالجات جانبية وموقتة. لكن على المدى المتوسط والبعيد، تتبخر هذه الحلول، لتواجه هذه الفئات مصاعب في الحصول على الغذاء. وهي مصاعب متعددة وبطيئة ومؤلمة التأثير على الصعد الغذائية والنفسية والاجتماعية.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها