آخر تحديث:12:10(بيروت)
الجمعة 08/10/2021
share

لماذا أخفى سلامة عمداً تقارير تنبأت بالكارثة منذ 2015؟

علي نور الدين | الجمعة 08/10/2021
شارك المقال :
لماذا أخفى سلامة عمداً تقارير تنبأت بالكارثة منذ 2015؟ تلقى مصرف لبنان ما يكفي من تحذيرات موثّقة ولم يتجاوب سلامة معها عمداً (الأرشيف، ريشار سمور)

تفاجأ اللبنانيون بتقرير صحيفة ""Le Temps السويسريّة (راجع "المدن")، الذي كشف أن رياض سلامة طلب سنة 2016 من صندوق النقد إخفاء 14 صفحة من تقرير أعدّه ضمن إطار "برنامج تقييم القطاع المالي". وقد احتوت هذه الصفحات بالتحديد على تحذيرات من الكارثة الماليّة التي حلّت بالبلاد بعد ثلاث سنوات. مع الإشارة إلى أن هذه الصفحات المحذوفة كانت تشير إلى بداية تنامي كتلة الخسائر داخل مصرف لبنان، أو ما سمّاه الصندوق يومها "العجز الصافي" في المصرف، والتي لم تكن تتجاوز في تلك الفترة حدود 4.7 مليار دولار (تتجاوز هذه الفجوة اليوم مستوى 66 مليار دولار). 

في الواقع، لم يكن من المفترض أن يتفاجأ الرأي العام اللبناني بتقرير الصحيفة السويسرية على هذا النحو. فما أشار إليه التقرير لم يكن حدثاً استثنائياً أو يتيماً، كما لم يكن مسألة غير معروفة في ما دأب حاكم مصرف لبنان على فعله طوال السنوات الأربع الأخيرة، التي سبقت الانهيار المالي سنة 2019. فخلال تلك السنوات، اعتاد مصرف لبنان، وبشكل متكرر، على شطب فقرات طويلة من جميع تقارير صندوق النقد قبل صدورها إلى العلن، ممارساً هذه الصلاحيّة التي تسمح بها قواعد عمل الصندوق. وجميع هذه الفقرات المشطوبة، التي كانت تتسرّب للعلن في معظم الأحيان، كانت ترتبط تحديداً بالمؤشّرات التي تنبئ بحصول الانهيار سنة 2019، لا بل كانت ترتبط ببذور الأزمة التي كان يمكن معالجتها في ذلك الوقت قبل أن تنفجر.

آليّات عمل صندوق النقد
الدراسات والمناقشات التي يجريها صندوق النقد، في أي دولة من الدول، غالباً ما ينتج عنها تقارير داخليّة تفصّل الوضع المالي أو النقدي بشكل صريح وواضح، وتستفيد الجهات الإداريّة داخل الصندوق من هذه التقارير لأخذ القرارات المتصلة بالدولة المعنيّة. لكنّ الصندوق، وفي الغالبيّة الساحقة من الحالات، لا يملك -وفقاً لآليات عمله- حق نشر هذه الدراسات والتقارير، إلا بعد التفاوض مع الدولة المعنيّة حول المعلومات التي يمكن الإفصاح عنها. وهنا بالتحديد، امتلك رياض سلامة خلال سنوات ما قبل الانهيار صلاحيّة مفاوضة وفود صندوق النقد، لإخفاء مقاطع معيّنة من النسخ التي سيتم نشرها. ومارس هذه الصلاحيّة إلى أبعد حد للإقتصاص من أي معلومة، كان من شأنها كشف بذور الأزمة التي أنتجت الانهيار الذي نشهده اليوم. كما أصرّ سلامة على إخفاء أي نقد للسياسات أو المعالجات التي اعتمدها.

لكل هذه الأسباب، لم يخلُ تقرير واحد لصندوق النقد منذ سنة 2015 من فقرات طويلة ومفصّلة تحدد مكامن الخلل في النموذج المالي اللبناني، لكن جميع هذه الفقرات لم تظهر في النسخ المنشورة لاحقاً، بناءً لطلب الحاكم. وهو ما يعني أن ما أشارت إليه الصحيفة السويسريّة لم يكن مسألة غريبة عن سلوكيات الحاكم الشهيرة في تلك المرحلة. بل وكانت وسائل الإعلام تشير دائماً إلى هذه الظاهرة بشكل متكرّر. في المقابل، ظلّت التقارير الأصليّة الكاملة محفوظة في أرشيف الصندوق، وفي مراسلاته التي وجّهتها بعثاته للإداريين فيه، وهو ما سمح بأن يتم تسريبها دائماً لوسائل الإعلام اللبنانيّة، التي دأبت على تسريب هذه الفقرات المحذوفة، من دون أن يتفاعل الرأي العام مع هذه التسريبات.

تنبغي الإشارة هنا إلى أن مضمون الصفحات المحذوفة التي أشارت إليها الصحيفة السويسريّة اليوم، منشورة بحرفيّتها منذ ثلاث سنوات على صفحات الجرائد اللبنانيّة. ما يعني أن الصحيفة لم تحز على أي تسريب "حصري" كما أوحى عنوان التقرير. لكن الجديد اليوم، مقارنةً بتلك الفترة، هو اهتمام الرأي العام ووسائل التواصل الاجتماعي بهذه التسريبات، والاستغراب من تجاهل الحاكم لجميع تلك التحذيرات، التي كانت تحدد بوضوح السبب الذي سيدفع البلاد لاحقاً إلى الانهيار المالي الشامل.

الفقرات المحذوفة في التقارير
لا يحتاج المرء إلى كثير من المقارنة بين النسخات الأوليّة لتقارير صندوق النقد، وتلك التي تم نشرها بعد التفاوض مع الحاكم، ليفهم نوعيّة المعطيات التي أراد الحاكم دوماً عدم كشفها في التقارير.

في تقرير البعثة الرابعة للعام 2015 مثلاً، جرى إخفاء الفقرات التي تتحدث عن هشاشة النظام المالي اللبناني، نتيجة اعتماده على تدفقات السيولة من الخارج، حين تشير الفقرة المحذوفة إلى أن "أي انخفاض في كميات السيولة المتدفّقة إلى النظام المصرفي، نتيجة ضعف ما في الثقة، ستؤدّي إلى خسائر كبيرة في احتياطات العملات الأجنبيّة، ما سيؤثّر على قدرة الحكومة على تأمين التمويل اللازم لها".

وطوال السنوات التي تلت كتابة هذه الكلمات، التي أزالها حاكم مصرف لبنان من التقرير المنشور سنة 2015، حصل كل ما يمكن أن يؤكّد مضمون هذه المقاطع. إذ أدّى عجز ميزان المدفوعات، أي الفارق بين كمية السيولة الواردة إلى لبنان والخارجة منه، إلى استنزاف احتياطات المصرف المركزي، وهو ما أدّى في النهاية إلى عجزه عن تأمين الدولارات المطلوبة لتسدد الدولة ديونها بالعملة الصعبة. وفي النتيجة، أعلنت الدولة امتناعها عن سداد سندات اليوروبوند في آذار 2020، ودخولها رسمياً مرحلة التعثّر في سداد الديون، تماماً كما توقّعت الفقرة التي أصر سلامة على حذفها.

في تقرير عام 2016، وبعد قيام مصرف لبنان بهندساته الماليّة، أصرّ سلامة على حذف المقاطع التي أشارت إلى عدم استدامة الهندسات الماليّة كحل لحاجات لبنان التمويليّة. ثم تبيّن لاحقاً أن هذه الهندسات، وتماماً كما توقّع المقطع المحذوف، أدّت إلى ضخ كميات من السيولة كأرباح في يد المصارف، على حساب توسيع الفجوات والخسائر المتراكمة في مصرف لبنان. أما الدولارات التي تمكّن مصرف لبنان من استقطابها في إطار هذه الهندسات، فتم تبديدها سريعاً في عمليات المصرف المركزي، التي أصرّت خلال تلك الفترة على الحفاظ على سياسة تثبيت سعر صرف الليرة اللبنانيّة.

إخفاء الحقائق
أما الطامة الكبرى، فكانت في تقرير العام 2017، حين تمت إزالة مقاطع كبيرة حذّرت من مآل الأوضاع الماليّة والنقديّة، ومن طريقة إدارة مصرف لبنان لهذه الأوضاع. ويمكن القول أن التفات المعنيين لما ورد في المقاطع المحذوفة، وما شملته من توصيات، كان من شأنه تدارك الأزمة باكراً، والتخفيف من قيمة الخسائر التي تراكمت لاحقاً في ميزانيّات مصرف لبنان. لكنّ الحاكم فضّل في ذلك الوقت إخفاء هذه الحقائق والتوصيات من النسخة المنشورة من التقرير.

في تلك المرحلة، لفت صندوق النقد إلى البيانات الرسميّة غير الشفّافة التي ينشرها المصرف المركزي، والتي لا تعكس بالضرورة قيمة الخسائر التي تلحق به، نتيجة تدخّله في السوق وتثبيت سعر الصرف. كما لفتت المقاطع المحذوفة إلى أن السياسات المعتمدة من قبل مصرف لبنان لا تنسجم مع الحفاظ على سعر صرف الليرة على المدى الطويل، خصوصاً بغياب أي تخفيض في كلفة تمويل القطاع العام. وفي ذلك التقرير بالتحديد، وردت المعلومة المحذوفة عن الفجوة التي بدأت بالتكوّن في ميزانيات المصرف المركزي، والتي بلغت قيمتها يومها 4.7 مليار دولار، كما أشارت الصحيفة السويسريّة.

على أي حال، احتوت الصفحات 14 التي جرى حذفها على العديد من التحذيرات، حيال مستقبل القطاع المالي من أي صدمة تصيب سيولته، نتيجة ارتفاع الطلب على العملة الأجنبيّة، وتأثير ذلك على حجم الاحتياطات الموجودة في مصرف لبنان. كما احتوت على سيناريوهات احتسبت تأثير انخفاض النمو الاقتصادي على رساميل المصارف، وقدرتها على تحمّل الصدمات، بالإضافة إلى شروحات متعلّقة بهشاشة القطاع العقاري في لبنان، ومخاطر هذه الهشاشة على القطاع المصرفي. وفي هذا الجانب بالتحديد، اسهبت المقاطع المحذوفة في الحديث عن نسبة ارتباط موجودات القطاع المصرفي بالقطاع العقاري، وتأثير أي خضة عقاريّة على سلامة الموجودات المصرفيّة.

كل ما سبق يؤكّد مسألة واحدة: لقد تلقى مصرف لبنان ما يكفي من تحذيرات عمليّة موثّقة، تشير إلى خطورة السياسات والمعالجات التي اعتمدها. لكن حاكم المصرف قرر عن عمد عدم التجاوب، بل ومحاولة إخفاء هذه التحذيرات وحجبها عن نظر الرأي العام. أما صندوق النقد، فقد تورّط في إصدار تقارير غير شفّافة أمام الرأي العام، ولا تعكس خطورة الوضع الذي كانت تتجه إليه البلاد. مع الإشارة إلى أن الصندوق كان يملك صلاحية الامتناع عن إصدار كل هذه التقارير، في حال عدم اقتناعه بالتعديلات التي فرضها سلامة قبل اصدارها. وعدم إصدار التقارير، كان كفيل بقرع جرس الإنذار بشكل أقوى.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها