آخر تحديث:14:04(بيروت)
الإثنين 04/10/2021
share

لا تتفاءلوا: شروط صندوق النقد مضادة للحكومة والمصارف

علي نور الدين | الإثنين 04/10/2021
شارك المقال :
لا تتفاءلوا: شروط صندوق النقد مضادة للحكومة والمصارف الحكومة ومن يمثلها أقرب إلى فريق جمعيّة المصارف ومصرف لبنان (دالاتي ونهرا)

بات لبنان حاضراً للاستئناف مفاوضاته مع صندوق النقد، مع تشكيل الوفد المكلّف بالشروع بهذا التفاوض من الجانب اللبناني، في حين أن الصندوق شرع أساساً بتلمّس أولويات الوزراء اللبنانيين المعنيين بهذه المفاوضات منذ تشكيل الحكومة، من خلال لقاءات واتصالات وديّة وبروتوكوليّة. ومن الجانب اللبناني، من الواضح أن ثمّة تفاؤلاً كبيراً في مستقبل هذه المفاوضات، بخلاف الأجواء التي أحاطت بمفاوضات حكومة دياب مع الصندوق، بالنظر إلى الرهان على إمكانيّة توحيد المقاربات اللبنانيّة اليوم، قبل التوجّه إلى الصندوق لمخاطبته بلغة واحدة.

ففي أيام حكومة دياب، تقاربت خطة الحكومة مع أولويات صندوق النقد، لكنّها تعارضت مع مصالح ورؤية مصرف لبنان والمصارف. وهو ما خلق النزاع الشهير يومها. ولهذا السبب بالتحديد، تعثّرت المفاوضات مع الصندوق بأسرها. وهو ما يبرّر التركيز على توحيد المقاربات اليوم.

لكن الرهان على توحيد المقاربات بين اللبنانيين الآن لا يكفي، لكون ذلك سيأتي عبر تماثل مقاربات الحكومة مع تلك التي يتبناها كل من مصرف لبنان والمصارف، مقابل إبعاد هذه المقاربة الجديدة عن رؤية الصندوق النقيضة تماماً للحل في لبنان. وهذا التباعد، سيؤدّي في النتيجة إلى تعثّر مسار المفاوضات، ما لم يقدّم الوفد اللبناني تنازلات محددة في عدّة ملفات الشائكة. لهذه الأسباب، وكما يبدو اليوم، سيكون هناك ألغام كبيرة على طريق لبنان باتجاه صندوق النقد، وهو ما يتعارض مع الأجواء الإيجابيّة التي تحيط بالاستعداد للمفاوضات.

سبب الرهان على توحيد المقاربات
في الواقع، لا يوجد داعٍ لتبرير الرهان على إمكانيّة توحيد المقاربات هذه المرّة، بعد فشل الوفد اللبناني في هذه المهمّة السنة الماضية. فالحكومة ومن يمثّلها في وفد التفاوض مع الصندوق هم أقرب الآن بأشواط إلى فريق جمعيّة المصارف ومصرف لبنان، مقارنة بحكومة حسّان دياب.

رئيس الوفد اللبناني، نائب رئيس الحكومة سعادة الشامي، يظهر في الشكل مقرّباً من أجواء صندوق النقد، الذي عمل لفترة كمدير فيه. كما يراهن البعض على خلافاته القديمة مع رياض سلامة، والتي يمكن أن تدفعه إلى مناوأة مقترحاته وتصوراته للحل. لكن في المضمون، تكفي جولة سريعة لمواقف الشامي السابقة حتّى يظهر أن الرجل كان حريصاً في العديد من المراحل على تحييد المصارف قدر الأمكان عن خسائر الأزمة. بل وتظهر للشامي مواقف رفض فيها حتّى تحميل المصارف كلفة خفض فوائد سندات الدين، رغم أن الدولة يفترض أن تفاوض المصارف اليوم على الاقتصاص من قيمة السندات نفسها، ناهيك عن فوائدها.

في المقابل، بدت أولى تصريحات وزير الاقتصاد لـ"رويترز" متفائلة بالمداولات التي يجريها مصرف لبنان مع المصارف، لصياغة تقديرات بديلة للخسائر، في حين أن هذه المداولات كان يفترض أن تكون من مهام الحكومة، في إطار مفاوضاتها مع جميع الأطراف لوضع خطّة متكاملة لكيفيّة معالجة الخسائر. أما سائر أعضاء وفد التفاوض الثابتين، فهم رياض سلامة نفسه، وزير الماليّة يوسف خليل، الذي مثّل رياض سلامة كمدير في مصرف لبنان خلال عدّة جلسات مع صندوق النقد، وقدّم مطالعات للدفاع عن مقاربات حاكم مصرف لبنان. مع العلم أن أسماء مستشاري رئيس الجمهوريّة شربل قرداحي ورفيق حداد لم تظهر في البيان الرسمي الذي أعلن عن تشكيل الوفد، ما يرجّح ضمّهم لاحقاً كإختصاصيين واستشاريين غير ثابتين.

لكل هذه الأسباب، يسود التفاؤل اليوم بإمكانيّة توحيد المقاربات اللبنانيّة، بمجرّد تبنّي الحكومة لمقاربات مصرف لبنان والمصارف التجاريّة، في مقابل تخلّيها عن الكثير من بنود الخطّة التي وضعتها حكومة حسان دياب، التي أُثارت اعتراض حاكم مصرف لبنان وجمعيّة المصارف. لكن هذه المسألة ستعني عملياً الوقوف في موقع المواجهة تماماً مع مطالب الصندوق، الذي رفض طوال المرحلة السابقة المحاولات التي قامت بها جمعية المصارف ومصرف لبنان للتفلّت من الاعتراف بالخسائر المصرفيّة ومعالجتها، أو معالجتها على حساب خلق النقد وبيع أصول القطاع العام.

لغم تقدير خسائر مصرف لبنان
اللغم الأوّل الذي سيكمن في مفاوضات لبنان مع صندوق النقد، هو تقدير الخسائر الموجودة في النظام المالي. في أيام حكومة دياب، قدّرت شركة لازارد في نيسان من العام الماضي أن يكون حجم الخسائر المتراكمة في ميزانيات مصرف لبنان وحدها نحو 42.8 مليار دولار. وهذه المبالغ هي تحديداً قيمة بنود موجودة ضمن خانة الموجودات في ميزانيات مصرف لبنان، من دون أن تمثّل في الواقع أي موجودات فعليّة. وعلى طاولة المفاوضات مع صندوق النقد، بدا أن وفد الصندوق ينسجم إلى أبعد حدود مع هذه المقاربة التي قدّمتها لازارد، والتي تبنّتها في المحصّلة الحكومة في خطتها الماليّة. لكن في تلك المرحلة، رفض المصرف المركزي، ومن بعده جمعيّة المصارف ولجنة المال والموازنة، هذه التقديرات، مستجيراً ببعض المعايير المحاسبيّة الغريبة عن عمل المصارف المركزيّة، والبعيدة عن آليّات احتساب خسائر الانهيارات الماليّة.

اليوم، وبعد أكثر من سنة وخمسة أشهر على تقديرات شركة لازارد القديمة، باتت قيمة الأصول التي تم تصنيفها كخسائر متراكمة في ميزانيات مصرف لبنان نحو 66 مليار دولار. ما يعني أن قيمة هذه الخسائر وحدها ارتفعت بنحو 54% بين الفترتين. وهذه الخسائر، يصر صندوق النقد على الاعتراف بها وتحديدها في سياق أي خطّة ماليّة سيتم التفاهم عليها مع لبنان خلال المرحلة المقبلة.

وبما أن مقاربات مصرف لبنان، لا تعترف بهذه الخسائر بالطريقة نفسها، فهذه المسألة تعني ببساطة أن الهوّة بين بين مقاربات مصرف لبنان ووجهة نظر صندوق النقد باتت أكبر وأعمق، أكثر من العام الماضي. لا بل تعني هذه التطوّرات أن هذه الهوّة ستظهر بين وفد الصندوق والوفد اللبناني بأسره، إذا تبنّت الحكومة في مقارباتها نظريّات حاكم مصرف لبنان كما هو متوقّع.

ومن الناحية العمليّة، يتوقّع الكثير من المتابعين أن تسعى الحكومة بصورة براغماتيّة إلى تقديم بعض التنازلات للصندوق، للتمكن من الوصول إلى تفاهم يفضي إلى صياغة برنامج قرض للبنان. لكن هذه التنازلات لن تكفي إذا لم تشمل آلية شفافة لتحديد الخسائر بشكل حاسم، وهو ما امتنع مصرف لبنان طوال الفترة الماضية عن الموافقة عليه.

لغم خسائر المصارف
خلال العام الماضي، فرض مصرف لبنان تقديراته الخاصّة لخسائر المصارف التجاريّة، فطلب منها على سبيل المثال تكوين مؤونات خاصّة بنسبة 45% من قيمة سندات اليوروبوند –سندات الدين العام بالدولار- التي تحملها، من أجل تحمّل هذه النسبة كخسارة ناتجة عن تعثّر الدولة في تسديد السندات. كما فرض مصرف لبنان، كأمر واقع، بعض الإجراءات الأخرى، كالطلب من المصارف عدم احتساب أي خسارة ناتجة عن توظيفاتها في سندات الدين العام بالليرة اللبنانيّة، أو السماح بنفخ الرساميل المصرفيّة عبر إعادة تقييم العقارات التي تملكها المصارف.

كل هذه الإجراءات، التي باتت اليوم أمراً واقعاً مكرّساً بتعاميم إعادة الرسملة، ستصطدم بمقاربات مغايرة تماماً من جهة صندوق النقد الدولي، خصوصاً من جهة نسبة الاقتصاص التي يفترض تحميلها إلى حاملي سندات الدين بالليرة اللبنانيّة أو الدولار الأميركي. أما نفخ الرساميل لاستباق عمليّة تحديد الخسائر وتحميل بعضها لأصحاب الأسهم في المصارف، فستكون موضع ريبة من ناحية الوفد المفاوض من جهة صندوق النقد.

في حال أرادت الحكومة الجديدة أن تتبنّى هذه القرارات التي اتخذها حاكم مصرف لبنان طوال الأشهر الماضية، فسيكون عليها أن تدخل في أتون مفاوضات شاقّة مع صندوق النقد الدولي، ومن المستبعد أن تحرز الحكومة أي تقدّم في هذه المفاوضات من دون تقديم تنازلات واضحة في هذه الملفّات بالتحديد.

لغم الصفقات ومراكز النفوذ
كل ما تقدّم، لا يختصر وحده الألغام التي تكمن على طريق صندوق النقد. في ما يخص خطّة الكهرباء، من الواضح أن الصندوق سيطلب خطّة متكاملة ذات مصداقيّة دوليّة، قادرة على اجتذاب استثمارات الشركات الدوليّة. وهذا النوع من الخطط، سيناقض طبعاً الصفقات التاريخيّة المعقودة في القطاع، والمصالح المتجذّرة فيه. ومن المعلوم أن خطة الكهرباء تعثّرت أيام حكومة دياب، إلى أن تمكّن العهد من فرض معمل سلعاتا من ضمن مرحلتها الأولى، وهو ما أفقدها مصداقياتها بعيون المجتمع الدولي. وفي ما يخص التشكيلات القضائيّة، مازال الصندوق والمجتمع الدولي يصرّان على فرض تشكيلات تكفل استقلاليّة النظام القضائي بشكل تام، في حين أن آخر تشكيلات تم تمريرها مازالت نائمة في أدراج قصر بعبدا، لتعارضها مع مصالح العهد ومراكز نفوذه في النظام القضائي.

وأخيراً، وبمعزل عن آليّات قياس الخسائر، سيكون هناك تجاذب حتمي ما بين معسكر المصارف وصندوق النقد في ما يخص طريقة توزيعها. وستواجه الحكومة تحدّي التوفيق بين انسجام أبرز أقطابها مع نظرة المصارف ومصرف لبنان للحل، والتي تقوم على الخصخصة كآليّة لمعالجة هذه الخسائر، وضرورة إنجاح التفاوض مع الصندوق، الذي لا يستسيغ فكرة تحميل خسائر الأنظمة المصرفيّة للأموال العامّة. وزيادة نسبة الخسائر التي ستحملها رساميل المصارف، كما يطلب الصندوق، سيتناقض مع مصالح الكثير من أقطاب الحكومة نفسها، وهو ما سيمثّل إشكاليّة كبيرة في عمليّة التفاوض.

في الخلاصة، لن يكون مسار التفاوض مع الصندوق نزهة يسيرة بالنسبة إلى الحكومة، حتّى لو تمكّنت من توحيد مقارباتها مع مقاربات مصرف لبنان. وسيكون على الحكومة الانطلاق في مسار طويل وشاق، قد لا تكون نتيجته الإيجابيّة مضمونة منذ اليوم. أمّا الأهم، فهو أن هذا المسار سيمر بجلسات تفاوض طويلة ومعمّقة، قد لا تنتهي قبل شهر كانون الثاني من العام المقبل، كما يتوقّع معظم المتابعين، ما يعني أن الانطلاق بتنفيذ الخطة –إذا نجحت المفاوضات- سيكون بعد الانتخابات النيابيّة المتوقّع حصولها في شهر آذار المقبل.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها