آخر تحديث:13:34(بيروت)
الأربعاء 20/01/2021
share

البرلمان يقونن شريعة الغاب: الإنفاق بلا موازنة وشلّ القضاء

علي نور | الأربعاء 20/01/2021
شارك المقال :
البرلمان يقونن شريعة الغاب: الإنفاق بلا موازنة وشلّ القضاء العودة إلى قاعدة الإثني عشريّة لا تبشّر بالخير (علي علّوش)

مبدئياً، كان يجب أن تُخصص جلسة مجلس النواب الأخيرة لتنظيم مسألة استيراد لقاحات كورونا، وقوننتها وتحديد المسؤوليات في ما يخص استخدامها ومخاطر تلقيها. ولعلّ طابع العجلة الذي اتسمت به قضيّة اللقاحات برّر حصر الجلسة بهذا الموضوع بالذات، رغم وجود مشاريع قوانين أخرى عاجلة وملحّة على جدول أعمال الهيئة العامّة للمجلس.

لكن على نحو مفاجىء وغير مفهوم، أسقط النائب إيلي الفرزلي على الجلسة "بالباراشوت" اقتراح قانون جديد يوسّع نطاق تعليق المهل القانونيّة ومفاعيلها، رغم أن المجلس أقرّ في جلسته السابقة بتاريخ 21 كانون الأوّل الماضي قانوناً مدّد فيه تعليق المهل، لكن في ما يخص أمور معيّنة كالقروض المصرفيّة والرسوم والضرائب. و"بالبراشوت" أيضاً، أسقط النائب علي حسن خليل على المجلس مشروع قانون، يفتح باب الإنفاق من خارج الموازنة إبتداءً من شهر الشباط المقبل، وفقاً لقاعدة الإثني عشريّة، ليعيد البلاد بذلك إلى مرحلة تشريع الفوضى في الميزانية العامة التي سادت بين سنوات 2006 و2017.

في الشكل، يُعد هبوط مشاريع القوانين على الجلسة من خارج جدول الأعمال، وفي يوم الجلسة نفسه، مخالفة واضحة للنظام الداخلي للمجلس، الذي ينص على إرسال مشاريع القوانين للنواب قبل 24 ساعة من موعد انعقاد الجلسة. أما ما هو مشترك بين القانونين من حيث المضمون، فهو قوننة شريعة الغاب، سواء من ناحية فتح باب الإنفاق المتفلّت في حالة قانون تشريع العمل بقاعدة الإثني عشريّة بعد شباط، أو من ناحية تشريع تملّص بعض الفئات المتعدّية من عواقب مخالفاتها، عبر توسيع نطاق تعليق المهل، وتحويل فكرة تعليق المهل من حاجز قانوني يحمي حقوق المتضررين من الأزمة –كما في حالة المقترضين- إلى أداة بيد بعض الفئات التي تريد التعدّي على حقوق الغير في ظل الأزمة. وفي الحالتين، كان هناك إصرار غريب من قبل إدارة الجلسة على تمرير القانونين، من دون الكثير من النقاش.

تعليق المهل أو تشريع التسيّب؟
في جلسة المجلس النيابي التي حصلت بتاريخ 21 كانون الأوّل 2020، أي الجلسة قبل الأخيرة، قرر المجلس الاستمرار بتعليق المهل القانونيّة لحالات محدودة جداً، كحالة المقترضين المتعثّرين في المصارف، لمنع تسبب هذه القروض بكارثة اجتماعيّة، في حال قررت المصارف وضع اليد على الممتلكات المرهونة مقابل هذه القروض. وبذلك، صحّح المجلس الخلل الذي كان موجود سابقاً، والمتمثل بتعليق جميع المهل بين 17 تشرين الأول 2019 ونهاية 2020، والذي أدّى إلى شلّ عمل القضاء بشكل كامل، واستفادة جميع المتعدّين على الحقوق التعاقديّة والقانونيّة من بنود القانون لإبعاد شبح الملاحقات عنهم.

لكن بعد تصحيح الخطأ في جلسة 21 كانون الأول، عاد المجلس إلى الخطأ الأول من جديد، بواسطة القانون الذي قدّمه النائب إيلي الفرزلي في جلسة المجلس الأخيرة في 15 كانون الثاني الماضي، والذي أعاد الأمور إلى النحو الذي كانت عليه بين 17 تشرين الأوّل ونهاية 2020، أي إلى حالة تعليق المهل، بشكل مضرّ وعلى نطاق واسع وغير مبرر.

خطورة هذا القرار، تكمن ببساطة في استعمال حالة تعليق المهل من جديد لتشريع حالة التفلّت التام من جميع الموجبات التعاقديّة، بمعزل عن منشأها وطبيعتها، تماماً كما جرى خلال السنة الماضية. ففي تلك الفترة، استعمل أصحاب التعديات على الأملاك البحريّة والأملاك العامّة حجّة تعليق المهل للامتناع عن تقديم ملفاتهم ومعالجة المخالفات، رغم أن المخالفات موضوع المعالجة يعود تاريخ بعضها لأكثر من عشرين سنة. كما استخدم أرباب العمل هذا القانون للتملّص من دفع تعويضات الصرف التعسّفي، وابتزاز العمال المصروفين، فيما استفادت الجمعيات والنقابات من ذلك الوضع للتهرّب من إجراء انتخابات المجالس والهيئات، بحجّة سقوط المهل التي تفرض هذه الانتخابات.

هواجس كبيرة إزاء تعليق المهل
منظمة "المفكرة القانونيّة" كانت قد عبّرت سابقاً عن توجّسها من خطوة تمرير القانون بهذا الشكل، وذكرت بحالات إساءة استعمال فكرة تعليق المهل سابقاً، لتطويل أمد الاعتداء على الحقوق، وتمكين المعتدين من تأخير محاكماتهم أو اتخاذ إجراءات بحقهم، بفعل شلّ عمل المحاكم بشكل تام. ففي قضايا الصرف التعسّفي بالتحديد، والتي شملت عشرات الآلاف من العمال، تمكن أرباب العمل من فرض قبول العمال المصروفين بتسويات قد لا تضمن حقوقهم الكاملة، في ظل استفادة أرباب العمل من قانون تعليق المهل، لمنع أي إجراءات بحقهم. مع العلم أن هذه التعويضات مقوّمة بالليرة اللبنانيّة، ما يعني تآكل قيمتها مع الوقت في حال قرر العمال انتظار انتهاء فترة تعليق المهل، قبل اللجوء إلى الإجراءات القانونيّة بحق أرباب العمل. كما استفادت أحزاب السلطة بالتحديد من تعليق المهل، لتأجيل انتخابات النوادي والجمعيات والنقابات وغيرها، لضمان هيمنتها المطلقة عليها، في ظل انقلاب المزاج العام ضد هذه الأحزاب.

باختصار، وبدل أن تكون أن تكون فكرة تعليق المهل وسيلة لحفظ حقوق بعض المتضررين من الأزمة، تحولت مع توسيع نطاقها إلى وسيلة لضمان مكتسبات المتعدين على الحقوق. لا، بل تأبيد التعديات كما حدث في حالات الصرف التعسفي، والضغط على العمال لقبول شروط مهينة، وغير منصفة في حالات الصرف الجماعي. وبدل أن يتم مناقشة قانون كهذا على أوسع نطاق، لأخذ آراء جميع النقابات والفئات المتأثرة بها، جرى تهريبة خلسة من خارج جدول الأعمال على جلسة مجلس النواب، التي لم يكن من المفترض أن تناقش هذه المسألة أصلاً. أما الغريب في الموضوع، فهو الإصرار على استثناء بعض الفئات المحدودة الدخل من هذا القانون، كالمستأجرين، في حين أن القانون شمل بعض الفئات المقتدرة والمتعدية على المال والملك العام، كأصحاب التعديات على الأملاك البحريّة العامة.

ومن ناحية أخرى، كانت المسألة المريبة أن يصر النائب الفرزلي على تضمين مشروع القانون هذا بنداً متعلّقاً بتقديم التصاريح المتعلّقة بالإثراء غير المشروع، والتي تطال النواب أنفسهم. وبعد أخذ ورد، قرر المجلس تمديد مهلة تقديم هذه التصاريح حتّى نهاية شهر آذار المقبل. وهو ما يسمح بزيادة المدة الزمنيّة التي يمكن أن يستفيد منها النواب وغيرهم من المشمولين بالقانون لإجراء ترتيبات معيّنة بخصوص أموالهم وممتلكاتهم قبل تقديم هذه التصاريح.

العودة إلى قاعدة الإثني عشريّة
بين 2006 و2017، عاشت البلاد في تجربة الإنفاق على أساس قاعدة الإثني عشريّة، أي في حلٍّ من أي موازنة أو قطع حساب يضبط المصاريف والإيرادات. وفي تلك الحقبة، كان هذا التسيّب في إدارة المال العام مؤشّراً بالغ السلبيّة للمجتمع الدولي، في كل ما يخص جديّة السلطة في إدارة المال العام. اليوم، وفي عزّ حاجة لبنان إلى الدعم الدولي، وفي أوج الحاجة لإرسال الإشارات الإيجابيّة قبل مرحلة العودة إلى التفاوض مع صندوق النقد، بعد تشكيل الحكومة، قرر المجلس النيابي التصويت مجدداً على تشريع الإنفاق من دون موازنة، ووفقاً لقاعدة الإثني عشريّة إبتداءً من شهر شباط المقبل. أمّا الملفت في الموضوع، فكان حماسة النوّاب واستعجالهم لتمرير مشروع القانون من دون أي نقاش.

في كل الحالات، تجربة لبنان مع الإنفاق على قاعدة الإثني عشريّة لا تبشّر بالخير، خصوصاً أن السنوات التي تلت البدء بتطبيق هذه القاعدة سنة 2006 شهدت زيادات كبيرة في الإنفاق، بلغت 11 مليار دولار خلال أربع سنوات فقط. اليوم، قرر المجلس النيابي إعادة ماليّة الدولة إلى زمن الهروب من قواعد الموازنة المحكمة، ليلجأ إلى أسلوب تشريع التفلّت في الجباية والإنفاق. وبذلك، وبدل أن يسعى رموز النظام اليوم إلى تشكيل الحكومة سريعاً، لإعادة الإنتظام إلى عمل المؤسسات الدستورية، لجأوا إلى تنظيم وتشريع الفراغ، عبر إيجاد البدائل عن الموازنة التي يُفترض أن تنجزها حكومة مكتملة الصلاحيّات. مع هذه الخطوة، جاء قرار توسيع مبدأ تعليق المهل، ليعزز فكرة تجميد القانون وشل النظام القضائي، ولتصبح بذلك الجمهوريّة اللبنانيّة رسميّاً بلاد تحكمها شريعة الغاب.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها