آخر تحديث:18:04(بيروت)
الأحد 17/01/2021
share

صَدَقَ رياض سلامة: جوعٌ بلا ثورة جياع؟

خضر حسان | الأحد 17/01/2021
شارك المقال :
صَدَقَ رياض سلامة: جوعٌ بلا ثورة جياع؟ يتوقَّع البنك الدولي إصابة نحو 60 بالمئة من اللبنانيين بالفقر (getty)
تطغى الأرقام المرتفعة لأعداد الإصابات بفيروس كورونا على تفاقم الأزمة الاقتصادية والاجتماعية والنقدية. وأدّى انكفاء التظاهرات الشعبية في الشوارع إلى التقليل من زخم الاعتراض على ما آلت إليه الأمور. فبات الاعتراض الفردي والجماعي على مواقع التواصل الاجتماعي وبعض وسائل الاعلام، هو الدليل الوحيد على استمرار الأزمة.

وتلاشي صخب الأصوات الاعتراضية لصالح القلق الصحّي من كورونا، لم يؤخّر ارتفاع أرقام الفقر وازدياد سلبية المؤشرات الاقتصادية. لكن أكثر ما يلفت النظر حين تبحث الذاكرة القريبة في مخزنها، هو استباق حاكم مصرف لبنان رياض سلامة الأحداث، وحسمه نتائجها لناحية ازدياد الفقر. على أنّ الخلاصة المخيفة لسلامة، هي عدم قيام "ثورة جياع".

مؤشرات سلبية
كان من المفترض أن يزداد الضغط الشعبي مع ارتفاع حدّة المؤشّرات السلبية اقتصادياً واجتماعياً، على غرار ما سجّلته المرحلة الأولى من انتفاضة 17 تشرين الأول 2019. لكنّ فيروس كورونا كان له الكلمة الفصل في تفريغ الشارع من المعارضين الغاضبين. فالانتقال من العام 2020 إلى العام 2021 لم يترافق مع حركات اعتراضية شعبية، بل اقتصر على تسجيل نمو في معدّلات الفقر وتراجع في معدّل النمو الاقتصادي، فضلاً عن زيادة معدلات الجرائم.

الفقر المدقع
ويتوقَّع البنك الدولي ازدياد معدّلات الفقر في لبنان خلال العام الجاري وصولاً إلى إصابة نحو 60 في المئة من اللبنانيين بالفقر، ووقوع 22 بالمئة منهم تحت خط الفقر المدقع. وعلى صعيد النمو العام، رأى البنك أن العام 2021 يحمل انخفاضاَ في النمو إلى نسبة ناقص 13.2 بالمئة، بعدما بلغ التراجع في العام الماضي ناقص 19.2 بالمئة.

وتراجع النمو العام يعكس الشلل الذي تعيشه كافة القطاعات الاقتصادية، ويُتَرجِم الانكماش الذي يغرق به الاقتصاد الذي لم يستطع التنفّس رغم محاولات الدعم الذي أقّرتها الحكومة، تارة للسلّة الغذائية وتارة أخرى لاستيراد المحروقات والأدوية والقمح. فبقاء أسعار المحروقات على حالها دفتريّاً، مقارنة مع سعر الصرف الثابت للعملة اللبنانية، لم يحافظ على كلفة إنتاج منخفضة للسلع التي استمرّ انتاجها محلياً. ذلك أن كلفة المحروقات ليست سوى جزء بسيط من كلفة الانتاج، ناهيك بعمليات التهريب والتخزين التي حرمت السوق من كميات إضافية من المحروقات، وزادت الطلب عليها، ما رفع أسعارها على أرض الواقع، وإن كانت دفاتر الدولة تسجّل بقاء الأسعار على حالها.

وفشل سياسات الدعم، أفضى إلى اقتراض لبنان 246 مليون دولار من البنك الدولي، بهدف مساعدة الأسر الفقيرة، من ضمن ما سمّته المنظومة شبكة الأمان الاجتماعي. وهذا الأمان المفقود بشهادة ارتفاع معدّلات السرقة خلال العام 2020 بنسبة 56.5 بالمئة، مقارنة مع العام 2019، إلى جانب ارتفاع عدد القتلى بنسبة 93 بالمئة.

سلامة يُطَمئن
ما يحصل في لبنان ليس مستَغرباً إذا ما نُظِرَ إليه من زاوية اقتصادية بحتة. فتثبيت سعر صرف الليرة بما تختزنه البلاد من دولارات، بالتوازي مع هدر مستمر للمال العام واستبعاد دعم القطاعات الاقتصادية، خطوات مؤكّدة نحو الانهيار. لكن من زاوية سياسية تحاصصية، كانت قوى السلطة تشيع أجواء ايجابية بلا مقوّمات حقيقية، لم تنطلِ سوى على المناصرين التابعين بصورة عمياء. ولم يستفق هؤلاء برغم تأكيد سلامة بعد نحو 3 أشهر على انطلاق انتفاضة 17 تشرين، بأن الفقر سيزداد.

صَدَقَ سلامة، وبرهَنَت أرقام الجهات الدولية ما كان يُدركه مهندس سياسات المنظومة. كيف لا وهو أكثر العارفين بفشل تلك السياسات وعدم قدرتها على خلق اقتصاد قوي. فالرجل كان يهدف إلى خلق قطاع مصرفي قوي تستفيد منه المنظومة فقط. واليقين الذي يملكه الحاكم، جعله يحسم مسألة عدم توليد الفقر ثورة جياع في لبنان. وعلى عكس ما يمكن أن يحصل في بقاع أخرى من العالم.

فسلامة أخذ مسبقاً ضوءاً أخضر من أركان المنظومة، يطمئنه بأن الجمهور سيشتري السلع الغذائية وغيرها بأسعار مرتفعة، وسيركض للتموين خوفاً من ارتفاع إضافي للأسعار، لكنه لن يثور. نعم، هؤلاء "سيعتادون على ارتفاع الأسعار وسيتعايشون معها". وإن كانت التجربة خير برهان، فإن سلامة وأركان المنظومة اختبروا ارتفاع أسعار الدولار مقابل الليرة في مرحلة الثمانينيات، ولم يفضِ ذلك إلى تغيير النظام أو سياساته على الأقل.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها