آخر تحديث:12:50(بيروت)
الأربعاء 13/01/2021
share

مصرف لبنان "يدمّر" الليرة وينقذ المصارف من الدَين العام

علي نور | الأربعاء 13/01/2021
شارك المقال :
مصرف لبنان "يدمّر" الليرة وينقذ المصارف من الدَين العام طبع مصرف لبنان من الليرات خلال سنة واحدة ما يكفي لتضخيم الكتلة النقديّة ثلاث مرّات (Getty)

كان من المفترض أن تكون سندات الخزينة بالليرة اللبنانيّة معلّقة الدفع، بانتظار التفاوض بين الحكومة والمصارف التجاريّة، للتفاهم على نسبة الاقتصاص من قيمتها، وحجم الفوائد التي ستدفعها الدولة على السندات. خصوصاً أن إعلان امتناع الدولة عن دفع ديونها يمثّل فرصة لإعادة هيكلة الدين العام، وتخفيضه إلى مستويات منطقيّة. هذا، مع العلم أن حجم الاقتصاص المتوقّع من قيمة هذه السندات بالذات، كان محور نقاشات صاخبة داخل مجلس النواب، خلال مرحلة مراجعة لجنة تقصّي الحقائق لخطّة الحكومة الماليّة. لكن ما يجري فعليّاً هو العكس تماماً. إذ يبدو أن وزارة المال ومصرف لبنان يعملان في الخفاء لتوجّهات من نوع آخر، من خلال خلق النقد بالليرة لاكتتاب مصرف لبنان بسندات الخزينة، وتمويل سداد الدولة لمستحقاتها بالعملة المحليّة للمصارف.

بمعنى آخر، مصرف لبنان ينقل مديونيّة الدولة من المصارف إلى ميزانياته، في خطوة تُفقد الدولة قوتها التفاوضيّة في وجه المصارف، وتريح المصارف من عبء الدين العام، كما ستؤدي هذه التطورات إلى تضخيم الخسائر المتوقعة في ميزانيات مصرف لبنان. في الخلاصة، ستستبدل المصارف سندات الخزينة بحسابات داخل مصرف لبنان، قابلة للتسييل النقدي عند الطلب، فيما سيتحمّل المصرف المركزي في المقابل عبء سندات الخزينة في موجوداته. وبذلك، يصبح من الواضح أن أحد أسباب إنفلاش الكتلة النقديّة بالليرة، أو خلق النقد بالليرة الذي يضغط على سعر صرف الليرة، ليس سوى هذا النوع من الألاعيب التي تستبق مرحلة توزيع خسائر الانهيار المجمدة بانتظار تشكيل الحكومة.

أما المسألة الأشد غرابة، فهي الإصرار على الاستمرار بسداد قيمة هذه السندات رغم تعثّر الدولة، على خلاف سندات اليوروبوند المقومة بالدولار التي تمتنع الدولة عن سدادها منذ شهر آذار الماضي.

سرديّة مصرف لبنان الناقصة
بات من الواضح للجميع اليوم أن ثمّة تضخّماً غير مسبوق في حجم الكتلة النقديّة المتداولة بالليرة اللبنانيّة، وأن هذا التضخّم تحوّل إلى أحد أبرز أسباب هبوط سعر صرف الليرة. فحجم النقد المتداول بالعملة المحليّة في السوق ارتفع حتّى نهاية شهر تشرين الثاني الماضي إلى نحو 27.89 ألف مليار ليرة لبنانيّة، بعد أن كانت قيمته لا تتخطّى حدود 9.05 ألف مليار ليرة في الفترة المماثلة من العام السابق. بمعنى آخر، طبع مصرف لبنان من الليرات خلال سنة واحدة ما يكفي لتضخيم هذه الكتلة النقديّة بأكثر من 3 مرّات، وهي كتلة رفعت طلب على الدولار الأميركي إما لغايات الإدخار، أو عبر إستهلاك السلع المستوردة، وهو ما ساهم في تهاوي قيمة الليرة.

سرديّة مصرف لبنان، تبرر طباعة النقد بهذا الشكل بتحوّل الاقتصاد اللبناني إلى اقتصاد نقدي، يسعى فيه الجميع إلى استعمال السيولة الورقيّة بعد تعثّر المصارف. كما يعلم الجميع أيضاً أن ثمّة جانباً من المسألة يتعلّق بالتعميم 151، الذي سمح لعملاء المصارف بسحب الودائع المقوّمة بالعملات الأجنبيّة بالليرة اللبنانيّة، وفقاً لسعر صرف منصّة مصرف لبنان، البالغ 3900 ليرة للدولار حاليّاً. علماً أن هذا التعميم يعالج مشكلة المصارف مع مودعيها بالعملات الأجنبيّة عبر خلق النقد بالليرة، وتحميل الكلفة لعموم اللبنانيين من خلال تهاوي سعر صرف العملة المحليّة.

لكنّ مراجعة أرقام الدين العام اللبناني وتركبيته، تظهر أنّ ثمّة سبباً ثالثاً لخلق النقد وتضخيم الكتلة النقديّة المتداولة بالليرة بهذا الشكل الهستيري، من ناحية تمويل مصرف لبنان للدين العام واكتتابه المستمر بسندات الخزينة. أما الأهم، فهو أنّ هذه الاكتتابات لم تعد تهدف لتمويل إنفاق الدولة وسداد عجز الخزينة فقط، بل لخدمة المصارف وتخفيض نسبة انكشافها على الدين العام تدريجياً، عبر إقراض الدولة لسداد السندات المستحقة لمصلحة المصارف بالليرة.

فبالأرقام، يتبيّن أن مجموع ما تمتلكه المصارف من سندات الدين التي تصدرها الدولة انخفض وبشكل حاد من 47.47 ألف مليار ليرة في تشرين الأوّل من العام 2019، إلى نحو 33.37 ألف مليار ليرة في تشرين الأول من هذا العام. وهو ما يعني أن المصارف تمكّنت من التخلّص خلال سنة واحدة من 30% من سندات الدين التي اكتتبت بها في مراحل سابقة، وتمكنت بذلك من التخلّص من مخاطر هذه السندات. أما الجهة التي انتقلت إليها هذه المديونيّة، والتي ستتحمّل خسائر توقّف الدولة عن سداد ديونها، فليس سوى مصرف لبنان الذي تضخّم حجم سندات الخزينة التي يملكها من 36.59 ألف مليار ليرة في أيلول من العام 2019 ،إلى نحو 53.53 ألف مليار ليرة في أيلول من هذا العام.

ما حصل لا يحتاج لكثير من الشرح، فالدولة وبدل أن تمتنع عن سداد السندات بالليرة اللبنانيّة، شأنها شأن سندات اليوروبوند المقوّمة بالدولار الأميركي، قررت الاستمرار بدفع قيمة هذه السندات للمصارف. ولتفعل ذلك، قامت بالاستمرار ببيع السندات الجديدة لمصرف لبنان، للحصول على السيولة المطلوبة لتسديد السندات المستحقة للمصارف. وبذلك، وبدل أن تدخل الدولة في مسار تفاوضي مع المصارف بعد تعثّرها في شهر آذار الماضي، قررت ومن دون أي سبب منطقي أن تسمح لمصرف لبنان بخلق النقد ليقرضها وتسدد المستحقات للمصارف وكأن شيئاً لم يكن. وبذلك، تتخلّص المصارف تدريجيّاً اليوم من عبء سندات الدولة، وتستبدلها بسيولة جاهزة في مصرف لبنان، فيما ينتقل عبء الدين العام إلى المصرف المركزي.

آثار مدمّر
الآثار المدمّرة لهذا النوع من الألاعيب التي تجري في الخفاء تبدأ أولاً من الضغط على سعر صرف الليرة. فخلق النقد لا يعني إتمام هذه العمليات من دون كلفة، بل بكلفة باهظة على جميع فئات المجتمع من خلال انهيار قيمة الليرة مقابل الدولار. مع العلم أن خلق النقد في هذه الحالة يتم أولاً عبر تسديد قيمة سندات الدين بوضع السيولة في حسابات المصارف في مصرف لبنان. وهو ما يسمح للمصارف لاحقاً بسحب هذه السيولة نقداً. لا بل تشير عدة مصادر مصرفيّة مواكبة للملف، إلى أن المصارف باتت قادرة على توظيف هذه السيولة في شهادات إيداع مصرف لبنان. وهو ما يسمح لها بتحقيق أرباح أكبر من الفوائد التي كانت تتقاضاها من سندات الخزينة بالليرة، إنما من دون أي مخاطر، لكون جميع التزامات المصرف المركزي بالليرة مضمونة السداد، بحكم قدرته على خلق النقد عند الحاجة. وبذلك، تتفاقم أزمة حجم النقد الذي يتم خلقه لخدمة عمليات المصارف وأرباحها.

ومن جهة أخرى، وكما ذكرنا، ستفقد الدولة في المرحلة المقبلة أي قدرة على مفاوضة المصارف على ديونها. فبدل أن تحمل المصارف التجاريّة بشكل مباشر دين الدولة، لتفاوضها الدولة على استحقاقات وفوائد وقيمة السندات، سيصبح المصرف المركزي هو الدائن الأساسي، مع العلم أن حجم الخسائر المتراكمة في ميزانيات مصرف لبنان لا يسمح له اليوم بتقديم أي تنازلات للدولة في ما يخص هذه السندات. أما المصارف، فستصبح في المقابل دائنة لمصرف لبنان بدل أن تكون دائنة للدولة، من خلال حسابات المصارف لديه، وهي ديون مضمونة بالنسبة إلى المصارف، كونها مقومة بالعملة نفسها التي يطبعها مصرف لبنان. مع العلم أن إعلان المصارف المركزيّة عن تعثّرها بدفع ديون مقومة بالعملة التي تطبعها مسألة مستحيلة.

لعبة قديمة مستمرّة
لعبة الانسحاب من سندات الخزينة، وتحميل عبئها لمصرف لبنان لتفادي تحمّل أي خسائر ناتجة عن تعثّر الدولة، ليست مسألة جديدة على المصارف. خلال الربع الأخير من العام من العام الماضي، لم تتكتب المصارف إلا بنحو 0.3% من سندات الخزينة بالليرة التي عرضتها وزارة الماليّة للاكتتاب، فيما لم تكتب إلا بنحو 0.8% من السندات التي عرضتها وزارة الماليّة في عام 2019 بأسره. عمليّاً، دخل مصرف لبنان على الخط وموّل أكثر من 92.1 % من قيمة هذه السندات، فسمح للدولة بذلك بتمويل عجزها وسداد السندات المستحقة خلال تلك الفترة بالليرة لمصلحة المصارف. وبهذه العمليّة، كانت المصارف تقلّص توظيفاتها في الدين العام مع سداد الدولة لسنداتها تدريجيّاً، فيما انتقلت الديون إلى ميزانيات مصرف لبنان.

وأثناء قيامه بهذه العمليات، كان مصرف لبنان يمتص سيولة المصارف بجميع العملات عبر عرض فوائد مرتفعة جداً من خلال الهندسات الماليّة التي قام بها، فيما كان يتحمّل من ناحية أخرى الفوائد المنخفضة التي تدفعها الدولة على سنداتها. وبذلك، تحولت العمليّة بأسرها إلى خلق غير منطقي للنقد، لمجرد تمويل أرباح المصارف من توظيفاتها لدى مصرف لبنان، ولقيام مصرف لبنان بدور الوسيط بين الدولة والمصارف.

في الخلاصة، يبدو أن المشكلة الأساسيّة تعود أولاً لنوعيّة القرار السياسي الذي واكب امتناع الدولة عن سدادها مستحقات اليوروبوند. فبدل أن يكون القرار مجرّد مقدمة لدخول البلاد في مرحلة التفاوض مع جميع الدائنين على خطة لإعادة هيكلة الديون، وإعادة الانتظام لعمل القطاع المالي، تركت الأمور للمناورات التي جرت في الخفاء لحماية مصالح النافذين في النظام المالي، من خلال هذا النوع من الإجراءات. أما النتيجة، فهي إلقاء كلفة الإنهيار على عموم اللبنانيين من محدودي الدخل، بالإنهيار في سعر الصرف، في مقابل حماية مصالح هؤلاء النافذين.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها