آخر تحديث:16:37(بيروت)
السبت 05/09/2020
share

نهاية الدعم: أين بدّد رياض سلامة 6 مليار دولار؟

علي نور | السبت 05/09/2020
شارك المقال :
نهاية الدعم: أين بدّد رياض سلامة 6 مليار دولار؟ إلغاء الدعم سيؤدي إلى سقوط الليرة وتفشي الفقر المدقع والزبائنيّة (المدن)

منذ فترة، يمهّد رياض سلامة لمرحلة ما بعد توقّف دعم الاستيراد. بدأت المسألة بالترويج إعلاميّاً إلى قرب توقّفه عن توفير الدولارات من احتياطي المصرف المركزي لتمويل استيراد السلع الأساسيّة، بحجّة أن قيمة هذا الاحتياطي القابل للاستخدام ستُستنزف كلّياً خلال بضعة أشهر. ولن يتبقى بعدها سوى ما أودعته المصارف لديه من احتياطات إلزاميّة مقابل الودائع الموجودة لديها بالعملة الصعبة. وهي سيولة لا يمكن استخدامها بتاتاً، بحسب سلامة.

أما البديل عن دعم الاستيراد، فكشفه أخيراً سلامة خلال لقائه مع وفد الاتحاد العمالي العام، حين تحدّث عن استعداده لإطلاق بطاقة تموينيّة تنحصر بالعائلات المحتاجة، معتبراً أن دعم السلع الأساسيّة لم يكن له جدوى، نظراً للثغرات التي شابته. باختصار، سينتقل لبنان قريباً من مرحلة دعم استيراد السلع الأساسيّة، إلى مرحلة دعم استهلاك الأسر "المحتاجة". وبين المرحلتين، ستنتقل البلاد أيضاً نحو المزيد من معدلات الفقر وارتفاع سعر الصرف، والمحسوبيّات في الاستفادة من الدعم. أما أخطر ما في الموضوع، فهو عدم وجود محاسبة فعليّة في كل ما يخص ملف الدعم، وخصوصاً في كل ما يتصل بطريقة استنزاف الاحتياطي طوال الفترة الماضية.

من يُسائل سلامة؟
حتّى اللحظة، يتصرّف سلامة طليقاً في كل ما يتعلّق بملف الدعم، من دون أن يجد من يسائله. فسلامة يتحدّث اليوم عن ما يقارب 19.5 مليار دولار متبقية من السيولة بالعملات الأجنبيّة في المصرف المركزي، منها حوالى 17.5 مليار دولار من احتياطات المصارف الإلزاميّة المودعة لديه، والتي أصبح سلامة يشدد مؤخراً على عدم جواز المساس بها أبداً. بمعنى آخر، ووفقاً لهذه الأرقام، يملك سلامة ما يقارب الملياري دولار من السيولة القابلة للاستخدام، بعد استثناء احتياطي المصارف الإلزامي. وهذه السيولة، لن تكفي عمليّاً لأكثر من شهرين من الدعم، إذا أخذنا بالاعتبار وتيرة الاستنزاف طوال الفترة الماضية من احتياطات مصرف لبنان.

لكن قبل التسليم بكل هذه الأرقام، التي يستخدمها سلامة لتبرير خطواته المستجدة باتجاه وقف الدعم، ثمّة الكثير من الأسئلة التي يجب أن تُطرح على سلامة من باب المحاسبة، وتحديداً في كل ما يتصل بإدارة ملف الدعم واحتياطات العملة الأجنبيّة، والتطورات التي أدت إلى وصول احتياطات مصرف لبنان إلى هذه المستويات الحرجة بهذه السرعة. فمنذ بداية العام، استنزف مصرف لبنان ما يقارب 8.81 مليار دولار من احتياطي العملات الصعبة لديه، وذلك حسب أرقام مصرف لبنان نفسه. في المقابل، تفيد أرقام الجمارك اللبنانيّة أن لبنان لم يستورد خلال النصف الأول من السنة بأسره إلا ما يقارب 2.12 مليار دولار من القمح والمحروقات والدواء. وهي السلع التي كان يعمد مصرف لبنان إلى دعم استيرادها من احتياطي العملات الصعبة.

الفرق الشاسع بين الرقمين، يطرح أسئلة لا تنتهي عن كيفيّة إدارة هذا الاحتياطي طوال الأشهر الماضية، وعن الأسباب التي أدّت إلى تبديد هذا القدر الكبير من السيولة في العملة الصعبة مقارنة مع حجم السيولة المحدود نسبيّاً الذي كانت تحتاجه البلاد لدعم السلع الثلاث الحيويّة. ومع عدم وجود قانون "كابيتال كونترول" يمنع الاستنسابيّة في مسألة التحويلات إلى الخارج، ومع عدم تضمين مسار التدقيق الجنائي المقبل أي ضمانات أو مخارج قانونيّة، تسمح بتتبّع غاية هذه التحويلات، يمكن التساؤل حول إمكانيّة انطواء هذا الملف على عمليّات تهريب منظّمة للسيولة إلى الخارج. وهو ما أدّى إلى تناقص الاحتياطي إلى هذه المستويات الحسّاسة. وبالتالي، الوصول إلى مرحلة التوقّف عن دعم الاستيراد. في كل الحالات، لا يوجد اليوم من يطرح هذه الأسئلة في كل ما يخص موضوع دعم السلع الحيويّة، كما لا يوجد من يسائل سلامة حول كيفيّة استعمال أموال الاحتياطي. 

تحوّلات في أرقام سلامة
أما أهم ما ينبغي أن يُسأل سلامة عنه اليوم، فهو عن التحوّل المفاجىء في نظرته إلى الاحتياطات، وطريقة استعمالها. فعند قدوم حكومة دياب، ويوم كان سلامة يصر على الاستمرار بدفع سندات اليوروبوند من احتياطات مصرف لبنان نفسه، كان الحاكم يعيد التذكير باستمرار بقيمة الاحتياطات المتوفّرة في المصرف المركزي، مشدداً على كفايتها وقدرتها على تغطية حاجات البلاد للاستيراد. في تلك الفترة، لم يذكر سلامة أي شيء بخصوص 17.5 مليار دولار التي تمثّل احتياطات المصارف الإلزاميّة، والتي أصبح يصنّفها اليوم في عداد السيولة غير القابلة للاستخدام. وحتّى بعد توقّف البلاد عن دفع سندات اليوروبوند، استمر الحاكم بالتشديد على حجم الاحتياطي وكفايته، حتّى عندما كان مجلس الوزراء يستدعيه لطلب ضخ الدولار في السوق للسيطرة على سعر الصرف.

على نحو مفاجىء، ومع تحرر سلامة من أي قيود حكوميّة، وبعد استفراده بإدارة الملف النقدي، تحوّل موقفه إلى مصارحة بخصوص عدم إمكانيّة المس باحتياطات المصارف الإلزاميّة. ووضع لنفسه وللدولة هذا الخط الأحمر المستجد. وفي ظل عدم وجود حكومة تسأل أو تفاوض حاكم المصرف المركزي، في ما يتعلّق بهذا الخط الأحمر، يستمر الحاكم بالعزف منفرداً، محدداً بنفسه قواعد اللعبة.

أخيراً، لا يوجد اليوم من يسأل أيضاً عن أسباب فشل صيغة دعم السلع الغذائيّة الأساسيّة الأخرى، أي تلك المشمولة بالسلة الغذائيّة، التي كان يتم تمويلها من التحويلات الواردة عبر شركات تحويل الأموال. وبالتحديد، لا يوجد من يبحث عن أسباب تمكّن الكثير من التجار من إساءة استعمال هذا الدعم. وهو ما أدّى إلى فشل تلك التجربة، ووصول البلاد إلى مرحلة التوقّف عن هذا الشكل من الدعم أيضاً.

البديل: فقر وزبائنيّة وإنهيار لليرة
لا يوجد الكثير مما يدعو للتفاؤل بخصوص البديل الذي طرحه سلامة. ففكرة بطاقات الدعم، أحالت المتابعين عند سماعها إلى كل ما خبروه من الدولة من محسوبيّة وتنفيعات، في كل ما يتصل بهذا النوع من التقديمات والمساعدات. مع العلم أن تجربة معونة الـ400 ألف ليرة التي جرى توزيعها مع بداية أزمة كورونا، ما زالت محفورة في أذهان الجميع، وخصوصاً من جهة الصراع بين القوى السياسيّة على قوائم المستفيدين منها، وانتماءاتهم السياسيّة. بإختصار، ثمة ما يكفي من مؤشرات للدلالة على أن هذه البطاقات لن تكون سوى أداة جديدة من أدوات توزيع المغانم والمنافع بالنسبة إلى أقطاب النظام السياسي. وهكذا، سيحال من يريد هذا الدعم إلى طوابير من المواطنين الذين ينتظرون عطف أصحاب النفوذ، للحصول على "الإعاشة"، التي ستكون هذه المرّة على شكل بطاقات دعم.

أما أهم ما في الموضوع، فهو الارتفاع الجنوني الذي ستشهده أسعار أكثر السلع حساسيّة بالنسبة للمواطن اللبناني، كالخبز والبنزين والدواء، والتي ستتضاعف أسعارها في الأسواق بعد أن يتم استيرادها على أساس سعر صرف السوق، أو على أساس سعر صرف منصة مصرف لبنان للتداول بالعملات الأجنبيّة، في حين أن أسعارها الحاليّة تعتمد على سعر الصرف الرسمي القديم، الذي كان يعتمده مصرف لبنان عند بيع الدولارات للمستوردين (1507.5 ليرة مقابل الدولار). والنتيجة هنا ستكون بالتأكيد اضمحلال غير مسبوق للطبقة الوسطى في البلاد، وارتفاع كبير في نسبة القابعين تحت خط الفقر، أو تحت خط الفقر المدقع.

وعمليّاً، سيطال ارتفاع الأسعار جميع السلع المستوردة في الأسواق لا السلع المدعومة فحسب. فمع توقّف دعم السلع الأساسيّة والغذائيّة، من المتوقّع أن ينتقل الطلب على الدولار لاستيرادها إلى السوق السوداء، بعد أن كان يقوم مصرف لبنان بتوفير هذه الدولارات من احتياطاته بالنسبة للسلع الحيويّة الثلاث (قمح ومحروقات ودواء)، ومن دولارات شركات تحويل الأموال بالنسبة إلى سلع السلّة الغذائيّة. وهكذا، ستكون النتيجة ارتفاع هائل في الطلب على الدولار. وهو ما سيعني المزيد من التهاوي في سعر صرف الليرة، والمزيد من الارتفاع في أسعار جميع السلع المستوردة.

في الخلاصة، لن تحمل الأيام المقبلة سوى المزيد من الأخبار السيئة على المستوى النقدي، وسيكون اللبنانيون على موعد مع المزيد من الإنحدار في مستوى معيشتهم. وعمليّاً، ستحمل كل هذه التطوّرات المزيد من الضغوط الاجتماعيّة، التي ستترك أثرها حكماً على الاستقرار السياسي في البلاد، وتحديداً لجهة قدرة الحكومة الجديدة على مواجهة انفجار اجتماعي كبير، يمكن أن ينتج عن فقدان غالبيّة اللبنانيين أبسط مقومات الحياة. ومن ناحية أخرى، ثمة أسئلة جديّة عن قدرة الحكومة على التعامل مع كل هذه الملفات بعد أن تراكمت تعقيداتها من الناحية الاقتصاديّة، في حين أن القوى السياسيّة التي أنتجت الحكومة قد لا تملك المصلحة في إحداث تحوّل جذري إصلاحي في طريقة التعامل القائمة مع هذه المشكلات.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها