آخر تحديث:14:57(بيروت)
الأربعاء 02/09/2020
share

سلامة يهندس القطاع المصرفي على هواه.. برساميل وهمية

علي نور | الأربعاء 02/09/2020
شارك المقال :
سلامة يهندس القطاع المصرفي على هواه.. برساميل وهمية نفخ رساميل المصارف بشكل مصطنع (المدن)

من الواضح أن حاكم مصرف لبنان رياض سلامة بات يشعر أنّه مطلق اليدين، في كل ما يتعلّق بالتعامل مع الجانب المتعلّق بالقطاع المالي من الإنهيار الاقتصادي في لبنان. خصوصاً، بعد استقالة الحكومة، وخلو الساحة من أي طرف قادر على فرض أولويّات مختلفة عن أولويّاته. مع العلم أن سلامة كان قد بدأ حتّى في أواخر أيام الحكومة، قبل استقالتها، بفرض معادلات جديدة تكرّس هيمنته على هذا الملف، من خلال الإعلان عن شروعه بعمليّة إعادة هيكلة القطاع المصرفي، قبل أن يتم البت بخطّة الحكومة المتكاملة للتعامل مع الأزمة. وهو ما بدا في ذلك الوقت علامة على انقلاب موازين القوى لصالحه في مواجهة خصومه.

تعميم الحاكم الأخير رقم 567، والذي مرّ مرور الكرام وسط الصخب والتجاذب المتعلّق بالرئيس المكلّف الجديد وكيفية تشكيل حكومته، ليس تفصيلاً. لا بل يمثّل هذا التعميم إشارة مدويّة إلى ثقة الحاكم المستجدّة بقدرته على التعامل مع أزمة المصارف بشكل منفرد، وبمعزل عن أي خطّة أو رؤية حكوميّة للتعامل مع الانهيار ككل. فالتعميم، الذي هدف إلى إدارة عمليّة إعادة رسملة المصارف، احتوى على هندسات محاسبيّة غريبة، تعيد تشكيل ميزانيات المصارف،على النحو الذي يريده سلامة، ووفقاً للأولويّات والمصالح التي يريدها هو. وبانشغال الجميع بملف الحكومة المقبلة، لا يوجد اليوم من يسأل أو يفاوض سلامة على ما يفعل، كما لا يوجد من يسأل اليوم عن مصالح المودعين.

إعادة رسملة وهميّة!
تنص المادّة الرابعة من التعميم على السماح للمصارف بإعادة تخمين موجوداتها العقاريّة، أو الموجودات العقاريّة للشركات التي تستخدمها، واستعمال ربح التحسين الناتج عن إعادة التخمين هذا لزيادة أموالها الخاصّة، أي رساميلها. عمليّاً، يمكن القول أن هذا البند يمثّل أولى الخطوات التي يبادر مصرف لبنان إلى اتخاذها اليوم لنفخ رساميل المصارف بشكل مصطنع ووهمي، إستباقاً لمرحلة تحميل جزء من هذا الرساميل بعض الخسائر الناتجة عن الانهيار الحاصل.

بمعنى آخر، قد تضحّي المصارف شكليّاً في المرحلة اللاحقة بجزء من رساميلها، لكن هذا الجزء لن يكون سوى القيمة التي جرى نفخها الآن دفتريّاً ووهميّاً في الميزانيّات، بموجب هذا التعميم. وفي حين أن المصارف كانت مطالبة اليوم بتأمين السيولة اللازمة لإعادة الرسملة، وتحسين ملاءتها، بما يضمن مصالح مودعيها، ويمكّنها من امتصاص جزء من خسائر المرحلة، سيسمح التعميم للمصارف باعتماد ألاعيب محاسبيّة لإعادة الرسملة على الورق، من دون أن تضخ سيولة فعليّة في النظام المصرفي، ومن دون أن يتحمّل أصحاب الرساميل أي جزء من الخسائر.

فأكثر من 75% من فروع المصارف اللبنانيّة، التي يزيد عددها عن الألف فرع، مملوكة بشكل مباشر من المصارف نفسها، كما تمتلك المصارف عدداً كبيراً من العقارات التي سجّلتها بأسماء شركاتها العقاريّة، بالإضافة إلى الأبنية التي تمثّل مراكزها الرئيسيّة. هذه العقارات، مسجّلة حاليّاً في الميزانيات بكلفتها التاريخيّة، وفقاً للمعايير المحاسبة المعتمدة عالميّاً. أي بالكلفة التي تكبّدتها المصارف عند شراء كل عقار. التعميم الجديد سيسمح للمصارف ببساطة برفع قيمة هذه العقارات في الميزانيّات، واعتبار الزيادة في قيمتها أرباحاً يمكن إضافتها إلى الأموال الخاصّة أو الرساميل. مع العلم أن ثمّة جزءاً كبيراً من هذه العقارات جرى شراؤه منذ عشرات السنوات، وبات بالإمكان إعادة تخمينه بأضعاف القيمة الدفتريّة المسجّلة حاليّاً.

وينبغي الإشارة هنا إلى أنّ التعميم نصّ على ترك مسألة التخمين هذه للمصارف نفسها، التي سيكون بإمكانها في هذه الحالة تحديد القيمة التي ستضيفها إلى رساميلها جراء هذه العمليات بنفسها. ورغم أن التعميم أعطى المجلس المركزي لمصرف لبنان صلاحية التحقق من صحّة عمليات إعادة التخمين، فمن المستبعد بحسب المتابعين أن يتمكّن المجلس المركزي من القيام بعمليّة تدقيق واسعة وشاملة لكل هذه العمليّات، بالنظر إلى العدد الكبير للعقارات المشمولة بهذا الإجراء، والفترة الزمنيّة القصيرة التي سيتم خلالها إجراء عمليّات إعادة التخمين.

في الواقع، نصّ التعميم أيضاً على استثناء العقارات التي تملّكتها المصارف لاستيفاء ديونها من المقترضين من هذا المسار. لكنّ التعميم ترك ثغرة كبيرة ستمكّن المصارف من التحايل على هذا الاستثناء، من خلال ترك المجال لإعادة تخمين موجودات الشركات العقاريّة التي تمتلكها المصارف. فمن المعلوم أن الغالبيّة الساحقة من المصارف اللبنانيّة تتملّك شركات عقاريّة، بهدف نقل ملكيّة العقارات التي تتملّكها من المقترضين المتعثّرين إلى هذه الشركات، عبر عمليّات بيع شكليّة. وذلك بهدف التملّص من القيود التي يفرضها قانون النقد والتسليف على المصارف في ما يخص طريقة التعامل مع هذه العقارات. وبما أنّ التعميم شمل الشركات العقاريّة في عمليّة إعادة التخمين، فستكون المصارف قادرة على استعمال هذه العقارات أيضاً لتضخيم موجوداتها ورساميلها.

الرسملة بالعقارات
في إطار عمليّة إعادة الرسملة التي يتحدّث عنها التعميم، ومن أجل استعادة ملاءة النظام المصرفي، ينص التعميم على ضرورة زيادة الأموال الخاصّة لكل مصرف بنسبة 20% قبل نهاية العام. أما المفاجأة، فكانت تضمين التعميم بنوداً تسمح لأصحاب المصارف بزيادة الأموال الخاصّة لمصارفهم، عبر ضخ موجودات عقاريّة فيها، بدل تقديم سيولة قابلة للاستخدام.
وهكذا، مرّة جديدة، بدل أن تكون إعادة الرسملة عمليّة تهدف إلى تعزيز ملاءة وسيولة النظام المصرفي، سيتمكّن أصحاب المصارف من القيام بإعادة الرسملة هذه من دون أن يضطروا إلى تعزيز ميزانيات مصارفهم بأي سيولة فعليّة، قادرة على معالجة مشاكل مودعيهم. مع العلم ان التعميم يطلب من المصارف تسييل الموجودات العقاريّة هذه في مرحلة لاحقة، خلال فترة لا تتجاوز خمس سنوات، لكن سلامة لا يقدّم أي آليّة لضمان قدرة المصارف على تسييل هذه العقارات، بعد أن تكون قد استخدمتها لرفع قيمة أموالها الخاصّة قبل نهاية العام، بحسب التعميم.

في الواقع، ثمّة إشكاليّة كبيرة لم يتعامل معها التعميم في كل ما يخص استعمال العقارات لإعادة الرسملة. فحين يتحدّث سلامة عن ضم قيمة هذه العقارات إلى الأموال الخاصّة بالمصارف، فهل المقصود هنا قيمة العقارات بالدولار المحلّي؟ أي بقيمتها إذا قررت المصارف لاحقاً تسييلها مقابل سيولة عالقة في النظام المصرفي اللبناني؟ وهل سيسمح للمصارف فعلاً بتسييل هذه العقارات على هذا النحو؟ وفي هذه الحالة، ما معنى إعادة الرسملة، إذا لم تفضِ عمليّاً إلى استقدام أي سيولة جديدة إلى النظام المصرفي؟

أما إذا كان التخمين سيأخذ بالاعتبار قيمة العقارات مقابل دولارات طازجة، فهل يوجد فعلاً اليوم مستثمرون مستعدون لضخ هذه الكمية من السيولة الطازجة مقابل عقارات بهذا الحجم؟ وإذا كان تسييل العقارات على هذا النحو متعذّراً، فما قيمة إعادة الرسملة إذا كنا نتحدّث عن موجودات غير قابلة للتسييل بهذه الطريقة؟ وما الفائدة التي ستعود على المودعين من كل هذا المسار إذا لم يفضِ إلى معالجة أزمة السيولة لدى النظام المصرفي، عبر استقدام سيولة جديدة قادرة على إعادة إنعاشه؟

لعبة المؤونات
تنص المعايير المحاسبيّة العالميّة عادةً على تكوين مؤونات مصرفيّة مقابل الخسائر المتوقعة من القروض المتعثّرة، وهذا الإجراء يُعد خطوة ضروريّة لضمان ملاءة المصرف، وقدرته على التعامل مع المخاطر الائتمانيّة  الناتجة عن تخلّف جزء من المقترضين عن الدفع. لكن مصرف لبنان في تعميمه الأخير، وبدل التشديد على ضرورة تكوين هذه المؤونات في هذه المرحلة بالذات، لمعالجة أزمة السيولة في النظام المصرفي، ذهب إلى التسامح في كل ما يتعلّق بهذه المؤونات. وفيما يخص الديون السياديّة، يبدو أن مصرف لبنان قرر أيضاً تخطي الجانب المتعلّق بمصير الخطة الحكوميّة، ليقرر على هواه نسب الخسائر المتوقعة من هذه الديون من دون إنتظار رأي أحد.

التعميم ذهب إلى اعتبار الخسائر المتوقّعة على سندات الخزينة بالليرة اللبنانيّة صفر بالمئة، رغم أن خطّة الحكومة السابقة كانت قد نصّت على اقتطاع 40% من قيمتها. وبينما كانت نسبة الاقتطاع النهائيّة تنتظر نتيجة المفاوضات الحكوميّة العالقة مع المصارف، وجد حاكم مصرف لبنان أنه في موقع القادر على البت في هذه المسألة، والطلب من المصارف عدم احتساب أي خسائر على هذه السندات. مع العلم أن المنطق كان يفرض انتظار نتائج مفاوضات الحكومة المقبلة مع المصارف، لتنسجم قرارات المصرف المركزي مع الخطة الحكوميّة المتكاملة.

لم يختلف الأمر بالنسبة إلى سندات الدين بالدولار الأميركي، حين نص التعميم على احتساب خسائر متوقّعة بنسبة 45%، رغم أن خطّة الحكومة كانت قد نصّت على نسبة اقتطاع تصل إلى حدود 75% من أصل هذه السندات. أما بالنسبة إلى قروض القطاع الخاص المتعثّرة، فوجد سلامة مخرجاً للمصارف، يقضي بعدم تخفيض تصنيف هذه القروض –وبالتالي عدم تكوين مؤونات مقابلها- إذا وجدت المصارف أن التأخير في سداد القروض ناتج عن تداعيات أزمة كورونا.

سلامة يلعب منفرداً
في المحصّلة، يبدو من الواضح أن سلامة يلعب لعبته منفرداً: فها هو يحدد نسب الخسائر المتوقعة على دين الدولة، بمعزل عن أي خطة أو قرار على مستوى الحكومة. وها هو يحدد نسب خسائر قروض القطاع الخاص، من دون تدخّل أحد. وها هو ينفرد بتحديد طريقة إعادة تكوين الرساميل على هواه، ويطرح مخارج محاسبيّة غريبة، لا تنسجم مع طبيعة المشكلة التي تفترض دخول رساميل جديدة على شكل أموال طازجة.

من ناحية الدولة، لا أحد يتدخّل. فالحكومة المستقيلة لا تلعب حتّى دورها في الطلب من المصرف المركزي التريّث بانتظار الخطة النهائية التي ستقرّها الحكومة الجديدة، والمجلس النيابي مبتعد عن المشهد، رغم أن لجنة المال والموازنة دخلت على الخط بقوّة، حين شعرت أن خطّة لازارد قد تمس بشكل ما مصالح أصحاب المصارف ورساميلهم. أما المتضرر الأكبر، فهو المودع الذي لن ينعم قريباً بنظام مصرفي قادر على إعادة تكوين الودائع، من خلال إعادة رسملة جديّة تضخ سيولة حقيقية في النظام المالي.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها