آخر تحديث:17:43(بيروت)
الخميس 10/09/2020
share

بعد حريق المرفأ وتفجيره: هل يستسلم صندوق النقد؟

خضر حسان | الخميس 10/09/2020
شارك المقال :
بعد حريق المرفأ وتفجيره: هل يستسلم صندوق النقد؟ مبادرة ماكرون ليست دليلاً نهائياً على حتمية تجاوب صندوق النقد (Getty)
قدَّمَت المبادرة الفرنسية خدمة للمنظومة الحاكمة بعد حبس أنفاسها نتيجة تفجير مرفأ بيروت في 4 آب الفائت. إذ فتحت المبادرة أبواب لبنان أمام المجتمع الدولي، تحت ستار المساعدات الانسانية، بعد أن أشاح المجتمع الدولي نظره عن لبنان، فيما الواقع يشير إلى إخفاء نيّة إعادة ترتيب أوراق المنظومة، بحجّة المساعدات. وبدورها، تراهن المنظومة على توسيع دائرة الدعم وانتقالها من المساعدات الانسانية إلى المساعدات الاقتصادية والنقدية، وبالتالي، على إعادة تحريك عجلة مؤتمر سيدر والتفاوض مع صندوق النقد الدولي.

الاستفادة من الأزمات
كان من المفترض أن يحسم تفجير مرفأ بيروت الجدل حول ضرورة وقف المسرحية التي تمارسها المنظومة، والانصراف لإجراء الاصلاحات المطلوبة، والتي أكّد عليها المجتمع الدولي خلال مؤتمر سيدر، ولاحقاً عبر صندوق النقد الدولي.
غير أن التفجير أُلحِقَ بحريقين تشوبهما علامات استفهام حول أسباب الاشتعال. وليس من المستبعد أن يكون الحريقان مفتعلان لاخفاء معالم جريمة التفجير، ومن جهة ثانية، استعطاف المجتمع الدولي بصورة إضافية لتسريع عملية الدعم، من دون انتظار الإصلاحات. 

تدرك المنظومة أن المجتمع الدولي الذي يعتزم مساعدة لبنان، منقسم على ذاته بفعل السعي لتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية في لبنان والمنطقة. وهذا سبب إضافي تستغلّة المنظومة لحث المجتمع الدولي على تقديم المساعدة الاقتصادية وليس الانسانية فقط. وتراهن المنظومة على الليونة التي أبداها الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون، الذي أكّد أنه سيتعامل مع رئيس الوزراء المكلف تشكيل الحكومة، مصطفى أديب، وجميع الأحزاب السياسية اللبنانية في البرلمان، بما في ذلك تلك التي لا يتفق معها. وفي هذا الكلام تحديد لحجر الأساس الذي ستُبنى عليه المرحلة المقبلة للعلاقة بين المنظومة الحاكمة والمجتمع الدولي.

ومع أن ماكرون طلب "إلتزامات ذات مصداقية من قادة الأحزاب السياسية بأنهم سيجرون إصلاحات ضمن جدول زمني محدد لتنفيذ التغييرات وإجراء انتخابات نيابية في غضون ستة إلى 12 شهراً"، إلاّ أن غياب أي مؤشر للإصلاح بعد شهر من التفجير، فضلاً عن السعي لطمس المعالم الحقيقية للجريمة، ومحاولات توريط صغار الموظفين في المرفأ، يعني أن المجتمع الدولي ليس جادّاً حيال طلب الإصلاحات كشرط لتقديم المساعدات.

سيف ذو حدّين
صَدَقَ الرئيس الفرنسي حين قال بأنه يقوم "برهان محفوف المخاطر من خلال العمل على تجنب الانهيار السياسي في لبنان". لكنه بالَغَ كثيراً حين قال بأن عمله هذه المرة سيكون "الفرصة الأخيرة لهذا النظام". فالمجتمع الدولي يريد إنقاذ النظام حتى وإن ضَغَطَ عليه لأقصى الحدود، ومارَسَ عليه عقوبات مباشرة وغير مباشرة. فهذا النظام أفضل ما يمكن للمجتمع الدولي التعامل معه، لأن السيطرة عليه أسهل.

رهان المنظومة على مساعدة المجتمع الدولي لها، هو سيف ذو حدّين. فالاستعطاف الانساني يجلب بعض المساعدات ويرطّب الأجواء المشحونة سياسياً، لكنه لا يعني بالضرورة طيّ الصفحات أو تغيير الخطط المرسومة مسبقاً. فلا تأكيد نهائياً على المساعدة الدولية، خاصة وأن المبالغ المطلوبة كبيرة. فلبنان موعود بنحو 28 مليار دولار، موزّعة بين 11 مليار من مؤتمر سيدر و10 مليار من صندوق النقد و7 مليار كقروض وهبات ثنائية مع الدول والصناديق والمؤسسات المانحة.

الصندوق غير مهتم
بعيداً عن الهدف السياسي للمجتمع الدولي، فإن صندوق النقد غير مهتم اقتصادياً بمساعدة لبنان من دون إجراء إصلاحات. فالصندوق يعلم عدم رغبة المنظومة اللبنانية باجراء الإصلاحات. وهو ما عبّرت عنه سابقاً، مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا جورجيفا، التي أكّدت أنه "لا يوجد سبب حتى الآن لتوقع حدوث انفراجة للأزمة الاقتصادية في لبنان". ورؤية جورجيفا تجد من يدعمها لبنانياً، وذلك عبر استقالة ثلاثة أعضاء من فريق التفاوض مع الصندوق، اثنان منهما عَمِلا كمستشارين في وزارة المالية، وهما هنري شاوول وطلال سلمان، فضلاً عن المدير العام السابق لوزارة الاقتصاد آلان بيفاني.

التناقض بين الرغبة السياسية للمجتمع الدولي والمهنيّة الاقتصادية المتمثّلة بعمل صندوق النقد، يقلّص فرص حصول لبنان على مساعدة من الصندوق. كما أن لبنان يتباطأ في تشكيل الحكومة وترتيب بعض المؤشّرات لطمأنة الصندوق، وإن شكلياً.

وعليه، يستبعد الخبير الاقتصادي جورج قرم، خلال حديث لـ"المدن"، استكمال لبنان التفاوض مع الصندوق قبل تشكيل حكومة جديدة. فيما المعضلة الأكبر هي "تعقيد الوضع الداخلي. فالسياسات التي يمارسها أهل الحكم هي سبب ما وصلنا إليه". ويشير قرم إلى غياب "الحلول الواضحة"، وكل ما يمكن فعله في الوقت الراهن هو "الترقّب، ليس إلاّ".

قد لا يستسلم صندوق النقد، إذ له مصلحة في تقديم الأموال للبنان لقاء سلسلة من الخصخصات التي تمد اليد على مؤسسات الدولة. لكن بالنسبة إلى لبنان، هل يبقى شيء لانقاذه أو إصلاحه بالأموال التي سيقترضها لبنان من صندوق النقد والمؤتمرات الدولية؟


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها