آخر تحديث:19:38(بيروت)
الأحد 30/08/2020
share

رياض سلامة سيتّهم سياسيين ومصرفيين بتمويل الإرهاب؟

خضر حسان | الأحد 30/08/2020
شارك المقال :
رياض سلامة سيتّهم سياسيين ومصرفيين بتمويل الإرهاب؟ سلامة لا يملك قدرة اتهام أحد النافذين بتبييض الأموال وتمويل الإرهاب (ريشار سمور)
يجد حاكم مصرف لبنان رياض سلامة نفسه مضطراً إلى ابتداع مخرج للأزمة النقدية التي يغرق بها لبنان. فهو مهندس اللعبة التي فقد السيطرة عليها، ومُطالَبٌ من قِبَل المنظومة الحاكمة باستعادة السيطرة، لتخفيف الضغط الشعبي من ناحية، ولتبرئة أركان المنظومة من ناحية أخرى.

ومن جملة ما ابتدعه سلامة، هو القرار الأساسي رقم 13262، بتاريخ 27 آب 2020، الذي يقضي بدفع بعض عملاء المصارف ممّن حوّلوا إلى الخارج أموالاً تفوق قيمتها الـ500 ألف دولار، على إعادة قسم منها، تحت ذريعة تفعيل عمل المصارف وتمكينها من تسهيل العمليات الخارجية المحفّزة للاقتصاد الوطني.
لكن القرار لم يرق للكثير من التّجار ورجال الأعمال والمودعين. ولم تهدأ التعليقات والانتقادات الموجّهة لسلامة على خلفية القرار. وأكّد المعنيون على ضرورة التراجع عن القرار لعدم قانونية إصداره، ولعدم ملامسته لأبسط قواعد المنطق والمعقول، خصوصاً وأنّه يضع شريحة كبيرة من اللبنانيين تحت خطر الاتهام بتبييض الأموال والإرهاب، من دون سند قانوني.

استسهال الاتهام
يختلف القرار الأخير عمّا سبقه من قرارات تعسفية، في أنه يستحضر أخطر ما يمكن للمرء أن يُتّهم به، وهو تمويل الإرهاب، فضلاً عن تهمة تبييض الأموال التي تعتبر أقل سوءاً.
فحسب قرار سلامة "يتعرّض كل من يتقاعس عن تطبيق أحكام هذا القرار، ووفقاً للحالة، إلى أن تُفرَض بحقه التدابير والعقوبات المنصوص عليها في القانون رقم 44 تاريخ 24/11/2015 (مكافحة تبييض الأموال وتمويل الارهاب) سيّما لجهة الجرائم المشار إليها في البندين 9 و21 من المادة الأولى منه".

البحث في القانون يفضي إلى أن البند 9 ينص على تهمة "الفساد بما في ذلك الرشوة وصرف النفوذ والاختلاس واستثمار الوظيفة واساءة استعمال السلطة والإثراء غير المشروع"، فيما البند 21 ينص على تهمة "التهرب الضريبي وفقاً للقوانين اللبنانية".
وللتوسّع أكثر في عرض بنود القانون، فإن البند 4 ينص على تهمة "تمويل الإرهاب أو الأعمال الإرهابية والأعمال المرتبطة بها (السفر- التنظيم - التدريب - التجنيد...) أو تمويل الأفراد أو المنظمات الارهابية وفقاً لأحكام القوانين اللبنانية". والبند 5 ينص على تهمة "الاتجار غير المشروع بالأسلحة"، فيما البند 6 ينص على تهمة "الخطف بقوة السلاح أو بأي وسيلة أخرى".

اتّهام سياسيين ومصرفيين
تخفف مصادر في مصرف لبنان من حدّة الصورة التي يظهر وفقها القرار. وتميّز المصادر في حديث لـ"المدن" بين الشريحتين المستهدفتين بالقرار، الأولى التي تخضع لإلزامية التحويل بنسبة 15 بالمئة وتلك التي تخضع لنسبة 30 بالمئة وهي السياسيين وكبار المصرفيين. 

وتؤكد المصادر أن المستهدف الأساسي من القرار هو الفئة الثانية، ولهذا جرى رفع نسبة مشاركتها في تمويل الحساب الخاص الذي ستجمع الأموال داخله.
تضع المصادر هذا القرار في خانة استعادة الأموال المنهوبة، برغم أن عنوان القرار لا يشي بذلك، إذ "من الصعب المجاهرة بهذا الهدف وسط التركيبة السياسية الحالية". وتقرّ المصادر بأن الحديث عن استعادة الأموال المنهوبة "يعني توجيه اتهام مباشر للمعنيين بنهب الأموال، وهو أمر يحتاج إلى سياق قانوني يستحيل أن يغرق مصرف لبنان فيه، ولا هو من اختصاصه في الأصل، فجاء الاتهام بصورة مواربة. كما أن الهدف الأساسي للمصرف المركزي هو استعادة ما يمكن من أموال، قد يستحيل استعادتها فيما لو جرى اتّباع الأصول القانونية الطبيعية، فذلك يستتبع انتظار توجيه الاتهامات واجراء التحقيقات وما إلى هنالك من مسار طويل وغير مضمون النتائج. ولبنان يحتاج إلى أموال في ظروفه الصعبة، بغض النظر عن العنوان الذي تأتي وفقه الأموال".

أحكام عرفية
ما لم تلتفت إليه المصادر هو أن قرار سلامة يؤسس لسلطة تعسفيّة تصدر أحكاماً عرفية خارج إطار القانون. وهذه السلطة جرى التأسيس لها وتثبيتها رويداً رويداً، من خلال القرارات التي تنظّم عملية السيطرة على ودائع اللبنانيين في المصارف التجارية. وهي كلها قرارات غير قانونية. لكن جرى التغاضي عنها من قِبَل السلطتين القضائية والتشريعية.

من زاوية أخرى، قرار سلامة هو بمثابة الإعلان عن فتح سوق بيع "صكوك الغفران" كالتي احترفتها السلطة الكنسية في أوروبا في العصور الوسطى. فمن يشتري صك الغفران، تُمحى ذنوبه، ومن يتخلّف عن الشراء، يُدان. فمن يشتري صكوك سلامة فهو بريء، ومن يمتنع، فهو مبيّض أموال ومموّل إرهاب.
وما نسيه سلامة، أن امتناع أحد كبار السياسيين أو المصرفيين عن تحويل الأموال، وبالتالي اتهامه بموجب القرار، سيعني فتح جبهة بين سلامة وذلك الشخص الذي في الغالب سيستنهض ما خَلفَه من مذهب وطائفة وجماعة، فيواجه سلامة جملة خطوط حمر تحترف المنظومة استعمالها في أي مواجهة.

تبرّعات لا حقوق
النيّة الحسنة التي يريد سلامة التلطّي خلفها، كانت لتجد صدى أكبر وتأييداً شعبياً أوسع، لو أنها سلكت المسار القانوني بعد إبراز الحقائق والأدلة على تحويل أموال مشبوهة إلى الخارج. لكن سلوك المسار القانوني سيؤسس لهدم الهيكل الذي يحتمي سلامة داخله.

عدم قانونية القرار تعني استحالة تطبيقه بالصيغة التي يحملها. فمن غير الجائز إعطاء صاحب الأموال حقّاً قانونياً بتحويل أمواله، ثم اتهامه بتبييض الأموال وتمويل الإرهاب من الأموال التي شهِدَت جميعة المصارف ومصرف لبنان، بأنها أموال شرعية يجوز وضعها في الجهاز المصرفي وتحويلها إلى الخارج عبره.
وعليه، أقصى ما يمكن للقرار تحقيقه، هو حث المُستَهدَفين على دفع بعض الأموال بصيغة التبرّع، وحينها يظهر سلامة بصورة المنقذ، وهو ما يهدف إلى تحقيقه. غير أن نجاح مسعاه يرتبط حتماً بتجاوب المعنيين الذين قد يوافق بعضهم على التخلّي عن أقل من 30 بالمئة، والظهور بصورة الملتزم بقرارت المصرف المركزي. ومع ذلك، فمن يضمن للرأي العام أن المبلغ المحصّل هو 30 بالمئة؟ ذلك أن الاطّلاع على حجم الأموال المحوّلة سيبقى محصوراً بين جمعية المصارف ومصرف لبنان، وهما متّهمان بالتواطؤ مع الطبقة السياسية منذ نحو 30 عاماً. وبالتالي، لا يمكن أن ينصِّبَ الطرفان نفسيهما حكماً وقاضياً في هذه المعادلة.

على الأرجح، دُفِنَ هذا القرار يوم ولادته، فسلامة لا يملك قدرة اتهام أحد النافذين بتبييض الأموال وتمويل الإرهاب.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها